عبدالرحيم الشافعي – الناقد الجديد
يطرح ختام الدورة الثالثة والثمانين من “مهرجان البندقية السينمائي الدولي” أسئلة تتجاوز أسماء الفائزين وقيمة الجوائز التي وُزعت في الليلة الأخيرة، بعدما بدا أن المهرجان حاول الموازنة بين السينما والسياسة والتمثيل النسائي، في دورة طغت عليها قضايا الحرب وغزة وغياب هوليوود وتراجع الحضور الأميركي المعتاد. وبينما احتفت لجنة التحكيم بأسماء وأفلام مختلفة، برز نقاش آخر حول المعايير التي تحكم الجوائز، ومدى قدرة المهرجان على الجمع بين الاعتبارات الفنية والمواقف السياسية والرسائل الرمزية، خصوصاً في ظل حضور أفلام تناولت الحرب والمرأة والإعلام والإبادة، في وقت تراجعت فيه مشاركة المؤسسات الأميركية الكبرى. وهكذا لم يعد السؤال مقتصراً على معرفة من فاز، لأنه أصبح مرتبطاً بما تقوله هذه الجوائز عن اتجاهات السينما العالمية وعن موقع المهرجانات الكبرى في لحظة تتغير فيها الصناعة نفسها.
أعادت الجائزة العربية الوحيدة في الدورة الاهتمام بالسينما اللبنانية والمغربية من خلال الفيلم القصير “بضع لحظات من السعادة” للمخرجة اللبنانية المغربية شادن صفي الدين تازي، الذي نال جائزة “آفاق” لأفضل فيلم قصير من بين ثلاثة عشر فيلماً متنافساً. واعتمد الفيلم، الذي تبلغ مدته ثماني عشرة دقيقة، على تسجيلات شاشة الهاتف والرسائل الصوتية العائلية والصمت الطويل بين رسالة وأخرى، ليرصد تجربة مخرجة شابة غادرت بيروت إلى باريس ووجدت نفسها في خريف 2023 تتابع قصف لبنان من الجهة الأخرى للشاشة. وجعلت هذه الشظايا الرقمية من الهاتف وسيطاً أساسياً لرؤية الحرب والاغتراب والذاكرة، فيما قالت المخرجة إنها بدأت التسجيل حين شعرت بأن الكلمات عاجزة عن نقل ما تراه، وأن الفيلم يمثل اعترافاً بحدود صانع الفيلم قبل أن يكون شهادة على ما يحدث.
وأثار هذا الاختيار سؤالاً حول حدود السينما عندما تصبح الشاشة الصغيرة نفسها مادة الفيلم الأساسية، إذ يقوم “بضع لحظات من السعادة” على تسجيلات شاشة الهاتف ورسائل صوتية من دون كاميرا أو لقطات تقرر المخرجة فيها أين تقف وأين تنظر ومتى تقطع. وفتح ذلك نقاشاً حول ما الذي تضيفه السينما عندما تنقل إلى الشاشة الكبيرة ما كان موجوداً أصلاً على شاشة الهاتف، وما إذا كانت التجارب الجديدة التي نشأت في ظل الحروب والتدفق المستمر للصور قادرة على تطوير لغة سينمائية خاصة بها، أم أنها ستكتفي بإعادة أرشفة ما يمر على الشاشات الرقمية.
وطرح فوز الفيلم الإسرائيلي “نازا” بدوره واحدة من أكثر القضايا حساسية في الدورة، بعدما حصل على الجائزة الخاصة للجنة التحكيم، ووقف مخرجاه يوفال أبراهام وراشيل زور على المسرح للحديث عن الفيلم وعن الواقع الذي يتناوله. واعتمد العمل على أصوات ووجوه مموهة لأربعة وعشرين جندياً جرى الاستماع إليهم على مدى ثلاث سنوات، في محاولة لتوثيق ما يتعلق بالحرب في غزة من وجهة نظر مشاركين فيها، وهو ما جعل الفيلم في قلب النقاش السياسي للمهرجان، خصوصاً مع حديث مخرجَيه عن الهجمات التي تعرض لها الفيلم وعن صعوبة عرض الواقع كما هو.
وأعاد حضور “نازا” إلى الواجهة سؤالاً أوسع حول من يمتلك حق رواية القصة الفلسطينية، وهو نقاش عبّر عنه الكاتب والصحافي ألون مزراحي، الذي أكد أن الفلسطينيين يجب أن يكونوا أصحاب الرواية أولاً، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود إسرائيليين يعارضون الصهيونية ويرفضون ما يجري بحق الفلسطينيين. وأكد في هذا السياق أن الاعتراف بوجود أصوات إسرائيلية معارضة لا ينبغي أن يلغي حق الفلسطينيين في أن يكونوا أصحاب قصتهم، معرباً عن أمله في أن تحتل المواهب الفلسطينية ورواية الفلسطينيين مكانها في المشهد السينمائي العالمي.
وأثار توزيع الجوائز بدوره انطباعاً بأن اللجنة سعت إلى تحقيق نوع من التوازن بين الاتجاهات المختلفة، إذ منحت “الأسد الفضي ـ الجائزة الكبرى للجنة التحكيم” إلى لي تشانغ دونغ عن “حب ممكن”، فيما ذهبت الجائزة الخاصة للجنة إلى “نازا”. ومنحت اللجنة كذلك “الأسد الفضي” للإخراج إلى إيليا خرجانوفسكي عن “داو”، وهو مشروع ضخم بدأ العمل عليه قبل عشرين عاماً حول الفيزيائي السوفياتي ليف لانداو، بينما نال جون مالكوفيتش “كأس فولبي” لأفضل ممثل عن “الحصان الجامح التاسع”، وحصل ستيفان بريزيه وشريكاه على جائزة السيناريو عن “جندي صغير جيد”، فيما ذهبت جائزة ماستروياني للممثلة الشابة مالو خبيزي عن “15/18” لسيدريك خان.
وحملت الجوائز كذلك أبعاداً سياسية واضحة، خصوصاً مع فوز “داو” بجائزة الإخراج، بعدما طالبت كييف بسحب الفيلم من البرنامج قبل مشاهدته، فيما لا تحب موسكو المخرج الذي تخلى طوعاً عن جوازه الروسي سنة 2024 احتجاجاً على سياسة الدولة الروسية وحربها على أوكرانيا، كما أدرجته وزارة العدل الروسية في العام نفسه على لائحة “العملاء الأجانب”. وأظهر ذلك كيف أصبح حضور السياسة في المهرجان جزءاً من النقاش حول الجوائز نفسها، بعدما باتت بعض الأعمال مرتبطة مباشرة بالصراعات الجيوسياسية التي تتناولها أو بالسياسات التي يتخذها صانعوها.
ومنحت لجنة التحكيم “الأسد الذهبي” للدنماركية المصرية مي الطوخي عن فيلم “امرأة مجهولة”، في مفاجأة لم تكن متوقعة بعدما لم يتصدر الفيلم استفتاءات النقاد اليومية. وجعل هذا الاختيار الطوخي المرأة الثامنة في تاريخ المهرجان التي تنال “الأسد الذهبي”، في دورة لم تحمل توقيع نساء سوى في فيلمين من أصل واحد وعشرين، هما “امرأة مجهولة” و”نازا”، وهو ما أعاد إلى النقاش مسألة التمثيل النسائي داخل المسابقة، بعدما وصفت ماغي جيلنهال الوضع في مؤتمر الافتتاح بأنه “مشكلة بنيوية”.
وتتناول “امرأة مجهولة” أحداثاً تقع في كوبنهاغن صيف 1945، بعد أيام من انسحاب الألمان، حيث تعمل ماري خادمة ومربية في بيت كريستيان، صانع القفازات الأرمل الثري، وتستعد للانتقال من خدمة المائدة إلى الزواج منه. وتعيش ماري في الوقت نفسه تحت تهديد ماضيها، بعدما كانت على علاقة بجندي ألماني، بينما تطارد المدينة النساء اللواتي عشن تجارب مماثلة مع الجنود الألمان، وتحلق شعورهن وتمزق ثيابهن وتعرضهن للإذلال العلني، فتقضي خمسة أيام وهي تحاول حماية سرها قبل الزواج.
ونالت ماتيلد أرسيل جائزة أفضل ممثلة عن دورها في “امرأة مجهولة”، بعدما صعدت إلى المسرح باكية وأكدت أنها لم تتوقع الجائزة، خصوصاً أنها كانت أول بطولة لها وأول جائزة تحصل عليها وأول مهرجان دولي تشارك فيه. وأهدت الممثلة الجائزة إلى آلاف النساء اللواتي عانين وعشن التجربة التي يرويها الفيلم، كما شكرت مخرجتها على الشجاعة في رواية القصة ورفض التسويات.
واختلفت الآراء حول قيمة “امرأة مجهولة” الفنية، فرغم قوة الفكرة وإحكام السينما، بدا الفيلم، وفق القراءة النقدية الواردة في المادة، أكثر تقليدية من الموضوع الذي يتناوله، إذ جاءت الدراما متوقعة والرمزية مباشرة والإيقاع متأنياً، فيما بقي الفلاش باك الوحيد المتعلق بعنف الحرب غامض الوظيفة. وبدت المقاربة، في هذه القراءة، أكثر انضباطاً وتهذيباً من اللازم أمام موضوع كان يمكن أن يحتمل بناءً أكثر طموحاً يضم مصائر نساء متعددة ويذهب أبعد في مساءلة المنظومة التي تعرضهن للإذلال.
وشهدت الدورة تراجعاً واضحاً في حضور هوليوود، بعدما بقيت الاستوديوهات الأميركية الكبرى بعيدة عن الليدو مقارنة بالدورات السابقة، وهو غياب فسره المدير الفني ألبرتو باربيرا بعمليات الاندماج وإعادة الهيكلة والاستراتيجيات الجديدة التي تعيد الصناعة من خلالها ترتيب أوراقها. وربطت المادة هذا الغياب أيضاً بالمنافسة المتزايدة من مهرجاني تورونتو ونيويورك، اللذين يستقطبان الأفلام الأميركية، وبخشية الاستوديوهات من النقد القاسي الذي قد تواجهه أفلامها في البندقية، مقابل الرغبة في الاستفادة من السجادة الحمراء. وأبرز هذا الغياب مفارقة لافتة، إذ جاء في دورة امتلأت بأفلام تتناول سلطة الإعلام وفساده، بينما كانت الصحافة نفسها تعاني من التراجع عاماً بعد عام، وتتحمل تكاليف السفر والإقامة في مهرجان مرتفع الكلفة، في وقت أصبحت فيه المشاركة في مسابقة لا تحظى بالدعم الهوليوودي المعتاد أكثر صعوبة بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية.
وانتهت الدورة الثالثة والثمانون من “مهرجان البندقية السينمائي الدولي” وسط حصيلة حاولت الجمع بين السينما والسياسة والتمثيل النسائي، لكنها تركت وراءها أسئلة أكبر من قائمة الجوائز نفسها. وأظهرت النتائج أن المهرجان لا يزال قادراً على إنتاج نقاش عالمي حول الأفلام، لكنه يواجه في الوقت ذاته تغيراً في طبيعة الصناعة وفي حضور هوليوود وفي علاقة الصحافة بالمهرجانات، بينما تفرض الحروب والأزمات السياسية نفسها بقوة على الأفلام والجوائز والخطابات. وبين مفاجأة “امرأة مجهولة”، وحضور “نازا”، وغياب هوليوود، ووصول صوت عربي من خلال “بضع لحظات من السعادة”، بدا أن البندقية لم تخرج من دورتها بإجابة واحدة عن مستقبل السينما، بمجموعة جديدة من الأسئلة حول من يصنع الصورة، ومن يروي الحكاية، ومن يملك حق الوصول إلى المنصة العالمية.
#مهرجان_البندقية #مهرجان_البندقية_السينمائي #مهرجان_فينيسيا #فينيسيا_2026 #الأسد_الذهبي #جوائز_مهرجان_البندقية #جوائز_السينما #السينما_العالمية #أفلام_2026 #النقد_السينمائي #نقد_الأفلام #السينما_والسياسة #السينما_والحرب #السينما_وغزة #القضية_الفلسطينية #السينما_الفلسطينية #السينما_الإسرائيلية #السينما_العربية #السينما_اللبنانية #السينما_المغربية #السينما_النسائية #المرأة_في_السينما #المخرجات_في_السينما #التمثيل_النسائي #بضع_لحظات_من_السعادة #شادن_صفي_الدين_تازي #نازا #يوفال_أبراهام #راشيل_زور #امرأة_مجهولة #مي_الطوخي #ماتيلد_أرسيل #داو #إيليا_خرجانوفسكي #هوليوود #السينما_الأمريكية #المهرجانات_السينمائية #تورونتو_السينمائي #الصحافة_السينمائية #صناعة_السينما #صحيفة_الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي











Leave a Reply