الناقد الجديد
يعرض “عزيزي الصغير” حالياً في قاعات السينما المغربية، مقدماً للجمهور قصة عائلية قوية.
يصل الفيلم المغربي “عزيزي الصغير” إلى قاعات السينما المغربية بحكاية إنسانية تنطلق من علاقة شقيقين لتطرح أسئلة أوسع حول الأخوّة والاستقلال والحق في أن يعيش كل إنسان حياته وفق إيقاعه الخاص. ويقترب العمل من هذه القضايا عبر علاقة سارة وآدم، التي تشكل محور الرحلة وتمنح الفيلم حساسيته العاطفية، إذ تحتفظ سارة تجاه شقيقها الأكبر بصورة “الأخ الصغير”، في إشارة تختصر سنوات من المودة والارتباط والعيش المشترك. ومن خلال هذه العلاقة، يرسم الفيلم مساراً عائلياً تتداخل فيه المحبة مع الخوف من المستقبل، والرغبة في الحماية مع الحاجة إلى الاستقلال، فيما تتحول الرحلة التي تجمع الشقيقين إلى فرصة لإعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها كل منهما إلى الآخر وإلى ذاته. ويضع العمل هذه العلاقة في قلب حكايته بعيداً عن الأحكام المسبقة، ليفتح مساحة للتفكير في معنى أن يكون الإنسان قريباً من شخص يحبه، من دون أن يتحول هذا القرب إلى قيد يمنعه من اختيار طريقه الخاص.
ويختار الفيلم أن ينظر إلى آدم أولاً بوصفه إنساناً كاملاً، له مشاعره وطريقته الخاصة في فهم العالم وإيقاعه اليومي، بعيداً عن اختزاله في تشخيص أو صورة نمطية جاهزة. وتتحرك سارة بدورها داخل مساحة أكثر تعقيداً من دور الأخت التي تتولى الحماية، فهي شابة تحاول اكتشاف ذاتها وبناء مستقبلها، وفي الوقت نفسه تجد نفسها أمام مسؤولية عاطفية تجاه شقيقها ورابطة يصعب فصلها عن تاريخها الشخصي. ومن هذا التداخل بين الحب والمسؤولية والرغبة في التحرر، تتشكل إحدى أهم طبقات الفيلم، إذ لا يضع العمل العائلة في مواجهة الحرية، ولا يتعامل مع الاستقلال باعتباره قطيعة مع الروابط القريبة، وإنما يبحث عن إمكانية أن تمنح العلاقة الأسرية أفرادها مساحة للنمو واكتشاف الذات. وتمنح هذه المقاربة الحكاية بعدها الإنساني، لأنها تنقل الاختلاف من خانة الموضوع الذي يحتاج إلى شرح أو خطاب إلى جزء طبيعي من الحياة اليومية والعلاقات بين الأشخاص.
وتتسع الرحلة خارج حدود العلاقة بين الشقيقين لتصبح أيضاً نافذة على المغرب بتنوعه الجغرافي والبصري والإنساني، إذ ترافق المناظر والأصوات والوجوه سارة وآدم في محطاتهما المختلفة، وتمنح انتقالاتهما معنى يتجاوز مجرد الحركة من مكان إلى آخر. وتتحول كل محطة إلى مساحة لمواجهة الذات وإعادة اكتشاف العلاقة، فيما يسمح الطريق للشخصيتين بالخروج من الإطار المألوف الذي جمعهما لسنوات، ومشاهدة العالم من زاوية جديدة. ويمنح هذا البعد المكاني الفيلم إيقاعاً خاصاً، لأن الرحلة الخارجية تتقاطع باستمرار مع رحلة داخلية يعيشها كل من سارة وآدم، فتتغير المسافات بينهما بقدر ما تتغير نظرتهما إلى حياتهما المشتركة. وبهذا يصبح المغرب جزءاً من التجربة الدرامية، حاضراً في التفاصيل اليومية والفضاءات والوجوه، ومشاركاً في تشكيل المزاج العام للحكاية من دون أن يفقد الفيلم تركيزه على العلاقة الإنسانية التي تقوده.
وتستند المخرجة كريمة الكنوني في بناء “عزيزي الصغير” إلى تجربتها الشخصية مع شقيقها، فتحول سنوات من الذاكرة المشتركة والعلاقة العائلية إلى مادة سينمائية تبحث عن صدى لدى الجمهور. وتكتسب هذه الخلفية أهمية خاصة في الطريقة التي يقترب بها الفيلم من شخصيتي سارة وآدم، إذ تنبع الحكاية من تجربة معاشة قبل أن تنتقل إلى الشاشة، وهو ما يمنحها حساسية تجاه التفاصيل الصغيرة التي تصنع العلاقات بين أفراد الأسرة. كما استفاد الممثلان نسرين آدم وإسماعيل الفلاحي، اللذان يجسدان الشخصيتين الرئيسيتين، من فرصة التعرف إلى شقيق المخرجة قبل التصوير، وهي خطوة ساعدتهما على بناء علاقة طبيعية بين الشخصيتين وعلى الاقتراب من تفاصيلها اليومية بعيداً عن الأداء المصطنع. وتنعكس هذه الخلفية في لحظات الفيلم التي تعتمد على التفاعل والعفوية أكثر من اعتمادها على الخطاب المباشر، فتمنح العلاقة بين سارة وآدم حضوراً قريباً من الحياة وتترك للمشاعر مساحة كي تتشكل داخل المشهد.
ويضع “عزيزي الصغير” المحبة في منطقة تتجاوز الكلام إلى الأفعال اليومية، فيطرح الأخوّة بوصفها علاقة يمكن أن تمنح السند وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام الاستقلال والنمو. وتصبح الحرية داخل هذه الحكاية مرتبطة بالقدرة على أن يكون كل فرد نفسه، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الأشخاص الذين يشكلون جزءاً من حياته، فيما تتحول علاقة سارة وآدم إلى مساحة لاكتشاف معنى المساندة حين تتغير احتياجات الإنسان مع مرور الوقت. وبهذا المسار، يقترب الفيلم من موضوع الاختلاف من زاوية عائلية وإنسانية، ويترك للجمهور فرصة قراءة العلاقة بعيداً عن الشعارات المباشرة أو الأحكام الجاهزة.
ويستند “عزيزي الصغير” إلى رؤية مخرجته كريمة كنوني، وهي مخرجة وكاتبة سيناريو مغربية درست السينما في مدرسة “إسرا” بمدينة نيس، قبل أن تبدأ مسيرتها المهنية في مجال الإنتاج وتتجه لاحقاً إلى الإخراج، ثم تعود إلى المغرب عام 2011 وتخرج فيلمها القصير الأول “Ferraille” عام 2017. ويشكل “عزيزي الصغير” تجربتها الأولى في مجال الأفلام الروائية الطويلة، وقد شاركت في كتابة السيناريو إلى جانب دافيد فيلمين، مستندة في بناء الحكاية إلى تجربتها الشخصية مع شقيقها.
وتلتقي هذه التجربة مع رؤية المنتجة رشيدة السعدي، مؤسسة شركة الإنتاج المستقلة “جانابرود”، التي أسستها عام 2007 وركزت من خلالها على دعم أفلام المؤلف المرتبطة بالواقع الاجتماعي والثقافي المغربي، إلى جانب إنتاج أفلام قصيرة ووثائقية وروائية. وتندرج تجربة “عزيزي الصغير” ضمن الأعمال التي اختارت الشركة دعمها، لتلتقي في الفيلم رؤية كنوني الإخراجية مع اهتمام السعدي بالإنتاج السينمائي المغربي وبالحكايات القريبة من المجتمع وتفاصيله الإنسانية.

#عزيزي_الصغير #كريمة_الكنوني #نسرين_آدم #إسماعيل_الفلاحي #السينما_المغربية #أفلام_مغربية #السينما_المغربية_الجديدة #الأفلام_المغربية #السينما_الإنسانية #الأخوّة #الحرية #الاستقلال #العائلة #الاختلاف #سينما_المغرب #قاعات_السينما_المغربية #النقد_السينمائي #الثقافة_المغربية #عبدالرحيم_الشافعي #صحيفة_الناقد_الجديد











Leave a Reply