لا صناعة سينمائية بدون كرامة التقني
تطرح النقابة الوطنية لتقنيي السينما والسمعي البصري، في رسالتها إلى الأحزاب والمشرّع والحكومة المقبلة، سؤالاً أساسياً حول مستقبل الصناعة السينمائية المغربية: كيف يمكن الحديث عن صناعة قوية وجاذبة للاستثمارات والإنتاجات الوطنية والأجنبية، فيما يظل التقني الذي يقف خلف الكاميرا يواجه أسئلة الأجر والحماية الاجتماعية والسلامة المهنية والتقاعد؟ وتضع النقابة هذه الأسئلة في صميم النقاش العمومي، مطالبة بإدراج مجموعة من المطالب ضمن البرامج الحكومية والميزانيات والإجراءات المقبلة.
وتنطلق الرسالة من واقع مهني يعرفه التقنيون بشكل مباشر، إذ تنتهي عمليات التصوير وتغادر الفرق مواقع العمل، بينما تظل أسئلة كثيرة معلقة: متى يتوصل التقني بباقي أجره؟ وهل جرى التصريح بأيام عمله وأجره الفعلي؟ ومن يتكفل به إذا أصيب أو مرض؟ وأي تقاعد ينتظره بعد سنوات من العمل بين إنتاج وآخر؟ وتربط النقابة هذه الأسئلة بقضايا الاستثمار والحماية الاجتماعية والعدالة الضريبية، معتبرة أن الوعود المتعلقة بتطوير القطاع ينبغي أن تقاس أيضاً بما ستغيره في الحياة المهنية والاجتماعية للعاملين فيه.
وتؤكد النقابة أنها تنطلق من إرادة تجديد العمل النقابي المستقل، والإنصات إلى التقنيات والتقنيين، والتعاون مع جميع الهيئات الممثلة لهم، كما تمد اليد إلى المنتجين من أجل بناء تعاون يقوم على احترام الحقوق والالتزامات. وتضع بذلك كرامة التقني في قلب تصورها للصناعة السينمائية، باعتباره عاملاً أساسياً في نجاح الإنتاج وليس مجرد عنصر خلفي في العملية الإبداعية.
التقني ركيزة للصناعة السينمائية
تعتبر النقابة أن جاذبية المغرب للتصوير لا تقوم فقط على المواقع والبنيات والخدمات، وإنما تستند أيضاً إلى كفاءات تقنية راكمت خبرة في مختلف المهن، وأسهمت في إنجاز الإنتاجات الوطنية والأجنبية. وتطالب، لذلك، بإحصاءات منتظمة حول التشغيل والمسؤوليات والأجور، بما يسمح بتوجيه السياسات المهنية والاجتماعية على أساس معطيات دقيقة حول واقع التقنيين.
وتحدد النقابة ثلاث أولويات لحماية هذه الخبرة، تتمثل في المفاوضات الجماعية، وتطبيق الحقوق القائمة، وبناء حماية اجتماعية تراعي خصوصية العمل السينمائي، الذي يقوم على تقطع العمل وتعدد المشغلين وعدم انتظام الدخل. وتربط بين هذه المستويات الثلاثة، لأن حماية الكفاءة المهنية لا يمكن أن تنفصل عن حماية العامل الذي راكمها.
اتفاقية جماعية تنتظر بداية المسار
تجدد النقابة مطلب إبرام اتفاقية جماعية قطاعية، معتبرة أن هذا المطلب ظل دون تحقيق، رغم أنها تقدمت، بمعية التمثيليات المهنية الأخرى، بمقترح لإطلاق مسار إبرام اتفاقيات جماعية. وتطالب ببدء اللقاءات الأولى لبحث هذا المسار، وتحديد موعد واضح للحوار وجدول أعماله، بمشاركة جميع الهيئات الممثلة للتقنيين، مع احترام الأدوار القانونية للأطراف المخولة بالتفاوض والإبرام، ومواكبة حكومية تحدد الآجال والمسؤوليات.
وتريد النقابة أن تفضي هذه المفاوضات إلى شبكة أجور دنيا حسب المهن والمسؤوليات والخبرة، مع الحفاظ على حق التفاوض بشأن أجر أعلى، إضافة إلى تحديد آجال الأداء والتعويضات وشروط تمديد العمل أو إلغائه. وتطالب كذلك بضبط وقت العمل والراحة والساعات الإضافية، واحتساب التحضير والتفكيك والانتظار والتنقل المهني والعمل الليلي، حتى لا تتحول صعوبات الإنتاج إلى ساعات عمل مفتوحة يتحمل التقني كلفتها الصحية والاجتماعية.
القانون 18.23 والحقوق المهنية
تطالب النقابة بأن يشمل تقييم إصلاح القطاع في إطار القانون 18.23 أثر هذا الإصلاح على علاقات الشغل وتحصيل الحقوق، مع مراعاة مدونة الشغل والقانون 68.16 المتعلق بالفنان والمهن الفنية والتشريع الخاص بحوادث الشغل وقواعد الضمان الاجتماعي. وتضع هذه النصوص القانونية في صلب تصورها لتطبيق الحقوق، مؤكدة أن وجود الإطار القانوني لا يكفي إذا لم تتحول مقتضياته إلى حقوق قابلة للممارسة الفعلية.
وتطالب بعقود مكتوبة وواضحة، يتسلم كل عامل نسخته منها، مع التحقق من مطابقة وثائق الإنتاج لواقع العمل. وترفض النقابة استعمال صفة “مستقل” غطاءً لتجريد علاقة شغل فعلية من ضماناتها، معتبرة أن طبيعة العلاقة المهنية ينبغي أن تنعكس في الحقوق التي يستفيد منها العامل.
السلامة المهنية والحماية من المخاطر
تطالب النقابة بالتحقق من شمول التأمين للأشخاص والمهام والمخاطر المعنية، وبوضع خطة للوقاية تشمل تقييم المخاطر والتجهيز والتكوين وإجراءات المشاهد الخطرة. وتدعو كذلك إلى حماية من يبلغ عن خطر جدي من الانتقام المهني، حتى لا يصبح التنبيه إلى المخاطر سبباً في الإضرار بالمسار المهني للعامل.
وتربط النقابة السلامة المهنية أيضاً بالوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي والتحرش الجنسي والتمييز. وتشير إلى مشاركتها في اللقاء التحسيسي الأول الذي نظمته جمعية اللقاءات المتوسطية للسينما وحقوق الإنسان يوم 13 أبريل 2026 بالدار البيضاء، وتطالب بمواصلة هذا العمل عبر التوعية والتكوين وقواعد السلوك وآليات آمنة وسرية للشكايات والمواكبة.
وتشدد على ضرورة حماية المبلغات والمبلغين والشهود، مع ضمان حقوق جميع الأطراف، بما يجعل مواجهة التحرش والعنف والتمييز جزءاً من شروط العمل داخل مواقع التصوير.
التصريح بالأجر وأيام العمل
تطالب النقابة بمراقبة التصريح بكل أجير عن أيام عمله وأجره الفعلي، وفق القواعد المطبقة على وضعيته. وتوضح أن سلامة ملف الشركة لا تثبت وحدها احترام حقوق كل عامل، لأن نقص التصريح ينعكس على الحماية الاجتماعية والتقاعد.
وتضع هذه المسألة ضمن القضايا الأساسية التي ينبغي أن تحظى بالمراقبة، خصوصاً في قطاع يتسم بتعدد المشغلين وقصر مدة المشاريع وعدم انتظام العمل. فالتصريح لا يتعلق فقط بالإدارة أو بالوثائق، وإنما يرتبط مباشرة بالحقوق الاجتماعية التي تتراكم للعامل خلال مساره المهني.
حماية اجتماعية لا تنتهي بانتهاء التصوير
تطالب النقابة بتصور ممول للحماية الاجتماعية يراعي تعدد المشغلين وقصر المشاريع وعدم انتظام الدخل، مع تحديد كيفية استمرار التغطية وتجميع الحقوق وتحسين المعاشات، ومساهمة كل طرف، والحقوق المضمونة أثناء العمل والتوقف وكيفية الاستفادة منها.
وتقترح إنشاء جمعية مهنية للأعمال الاجتماعية لفائدة التقنيين وأسرهم، على أن يعتمد تمويلها على مساهمات تعاقدية لشركات الإنتاج، ودعم عمومي ضمن اتفاقيات، واشتراكات يحددها الجمع العام للتقنيين، مع مراعاة الدخل وفترات التوقف.
وتطرح النقابة كذلك دراسة مساهمة تضامنية في حدود 0.5 في المائة من مداخيل تذاكر القاعات، لكنها تؤكد صراحة أن هذا المقترح يمثل فرضية للتمويل وليس مورداً قائماً أو مضموناً. وتربط إمكانية اعتماده بتقييم مردوده وأثره، وتحديد أساسه القانوني والجهة التي تتحمل هذه المساهمة وكيفية تحصيلها.
وتشترط النقابة أن تخضع الجمعية المهنية لتدبير ديمقراطي وحسابات شفافة ومراقبة مستقلة ومعايير معلنة للاستفادة، من دون اشتراط الانتماء إلى هيئة بعينها. وتؤكد في الوقت نفسه أن خدمات الجمعية ستكون مكملة للتغطية القانونية، ولن تعفي المشغلين من التزاماتهم ولن تعوض الاتفاقية الجماعية.
تمويل الإنتاج وحماية العاملين
تعتبر النقابة المنتج شريكاً أساسياً في الصناعة، وترى أن استمرار المقاولة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها يخدم مصلحة التقني كما يخدم مصلحة الإنتاج. وتطالب لذلك بزيادة موارد دعم الإنتاج ومراجعة مبالغ الدعم وفق الكلفة الفعلية للأجور والاشتراكات والتأمين والسلامة، إلى جانب ملاءمة آجال صرف الدعم مع حاجيات المشاريع وتنويع التمويل.
وترفض أن يتحول تأجيل الأجور إلى وسيلة لتمويل التصوير، لأن الصعوبات المالية التي يواجهها الإنتاج لا ينبغي أن تنتقل إلى العامل في صورة تأخير لمستحقاته. وتطالب بأن تكون الكلفة الحقيقية للعمل والحماية والتأمين والسلامة جزءاً واضحاً من الحسابات المالية للمشاريع.
وتولي النقابة الأفلام القصيرة اهتماماً خاصاً، مطالبة بدعم يتناسب مع ميزانياتها ودورها في اكتشاف المواهب، ويساعدها على تحمل الأجور والتأمين والولوج إلى المعدات وخدمات ما بعد الإنتاج. وتؤكد ضرورة تناسب حجم المشروع ومدة تصويره مع موارده، مع صون الحقوق والسلامة.
المال العام مقابل احترام الالتزامات
تطالب النقابة بربط المال العام بمراقبة الالتزامات الاجتماعية، والتحقق من أداء المستحقات بأدلة قابلة للمراجعة، ووضع مسطرة سريعة للشكايات وجزاءات متناسبة قد تصل إلى الحرمان المؤقت من دعم جديد عند ثبوت المخالفات، مع ضمان حقوق الدفاع والطعن وحماية مستحقات العاملين.
وتدعو كذلك إلى ربط التحفيزات الضريبية بالتشغيل اللائق والتصريح الاجتماعي والتكوين، مع مراعاة عدم انتظام دخل التقنيين في المعالجة الضريبية، من دون إضعاف حقوقهم. وتضع هذه المطالب ضمن تصور يربط الاستفادة من آليات الدعم والتحفيز العمومي باحترام الالتزامات الاجتماعية والمهنية.
من الحوار إلى التنفيذ
تدعو النقابة إلى لقاء يجمع الجهات الحكومية المختصة والمركز السينمائي المغربي وممثلي المنتجين وجميع الهيئات الممثلة للتقنيين، بهدف إطلاق المفاوضات وضبط آجالها، وتحديد إجراءات تطبيق الحقوق، ودراسة الحماية المرتبطة بالعمل المتقطع وتمويل الأعمال الاجتماعية.
وتطالب بأن يفضي هذا الحوار إلى محضر التزامات معلن يحدد المسؤوليات وآجال التنفيذ والمتابعة، وإلى حوار يحترم التعددية والتوازن واستقلالية الهيئات. كما تطالب بنشر المقترحات المقدمة بشأن القانون 18.23 ومآلها، بما يعزز الثقة ويوضح المواقف أمام العاملين في القطاع.
كرامة التقني معيار تقدم الصناعة
تختصر النقابة معيار التقدم في مجموعة من المؤشرات العملية: أجور تؤدى في آجالها، وتصريحات تعكس العمل والأجر الحقيقيين، وتصوير أكثر أماناً، وحماية اجتماعية يمكن للتقني الاعتماد عليها. وتربط هذه المؤشرات بمستقبل الصناعة السينمائية المغربية، معتبرة أن تطوير القطاع لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الإنتاج والاستثمار أو بقدرته على استقطاب الإنتاجات العالمية.
وتؤكد الرسالة أن البلد الذي يعتز باستقبال الإنتاجات العالمية جدير بحماية الأشخاص الذين ينجزونها، وأن إشعاع الصورة المغربية لا ينبغي أن يتحقق على حساب كرامة من يصنعونها. ومن هذا المنطلق، تحول النقابة مطالبها من ملفات مهنية متفرقة إلى تصور متكامل يربط الاتفاقية الجماعية، وتطبيق القانون 18.23، واحترام القانون 68.16، ومدونة الشغل، والتشريع الخاص بحوادث الشغل، وقواعد الضمان الاجتماعي، بالسلامة المهنية والتصريح الحقيقي والحماية الاجتماعية وتمويل الإنتاج.
وتضع النقابة بذلك رسالتها أمام المشرّع والحكومة المقبلة باعتبارها دعوة إلى الانتقال من الوعود العامة إلى التزامات قابلة للتنفيذ والقياس، بحيث يصبح تطوير الصناعة السينمائية متلازماً مع تحسين شروط العمل داخلها. فالرهان، وفق منطق الرسالة، لا يتعلق فقط بإنتاج أفلام أكثر، وإنما ببناء صناعة تستطيع أن تحمي الأشخاص الذين يقفون خلف كل صورة وكل مشهد وكل إنتاج.
#النقابة_الوطنية_لتقنيي_السينما #تقنيو_السينما #تقنيو_السمعي_البصري #السينما_المغربية #الصناعة_السينمائية_المغربية #حقوق_التقنيين #كرامة_التقني #حقوق_العمال #مدونة_الشغل #القانون_18_23 #القانون_68_16 #حوادث_الشغل #الضمان_الاجتماعي #الحماية_الاجتماعية #السلامة_المهنية #اتفاقية_جماعية #المفاوضات_الجماعية #أجور_التقنيين #التصريح_بالأجور #التصريح_الاجتماعي #عقود_العمل #التقاعد #العمل_السينمائي #الأعمال_الاجتماعية #تمويل_الإنتاج_السينمائي #دعم_الإنتاج_السينمائي #المال_العام #الدعم_العمومي #التحفيزات_الضريبية #التحرش_الجنسي #العنف_القائم_على_النوع #مواقع_التصوير #السلامة_في_التصوير #السينما_والعمل #النقابات_المهنية #صناعة_السينما #حقوق_العاملين_في_السينما #مستقبل_السينما_المغربية #صحيفة_الناقد_الجديد

Leave a Reply