يكشف الفيلم المغربي الإسباني “زنقة مالقة” منذ مشاهده الأولى عن علاقة ملتبسة بين الحكاية والفضاء الذي يحتضنها، رغم حضوره ضمن المسابقة الرسمية للدورة التاسعة عشرة للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا. يعتمد العمل اللغة الإسبانية في معظم حواراته، ويستند إلى موضوعات وتصورات تنتمي بدرجة كبيرة إلى فضاء سردي أوروبي، بينما تتحرك الحكاية داخل فضاء مغربي. ويمنح هذا الاختيار البيئة المغربية حضوراً مكانياً أكثر منه ثقافياً، فتتراجع خصوصياتها الاجتماعية داخل بناء الشخصيات وإدارة الصراع وتشكيل العالم الدرامي.
تهمّش الحكاية حضور الدارجة والعربية والأمازيغية، وتمنح اللغة الإسبانية مساحة واسعة داخل الحوار والبناء الدرامي. ويمكن قراءة هذا الاختيار في ضوء المرجعية الشخصية للمخرجة مريم توزاني وصلتها بالثقافة الإسبانية، غير أن حضوره المكثف يفتح نقاشاً حول طبيعة فيلم مغربي إسباني يُعرض ضمن مسابقة تهتم بالسينما النسائية في سياق مغربي وعربي. وتتحول اللغة هنا إلى عنصر أساسي في تحديد هوية الفيلم، في وقت يمنح فيه غياب اللغات المحلية العمل نبرة أقرب إلى الفضاء الأوروبي، رغم ارتباط الحكاية بمكان وشخصيات مغربية.
“`html “`ويعزز حضور شركات الإنتاج والتمويل الأوروبية هذا الانطباع، خصوصاً مع تعدد الجهات المشاركة في إنجاز الفيلم مقارنة بحجم الحكاية ومتطلباتها الفنية. ويطرح هذا المعطى سؤالاً حول تأثير الشراكات الإنتاجية في صياغة صورة المغرب داخل العمل، والزاوية التي ينظر من خلالها إلى واقعه الاجتماعي. ويقترب الفيلم من المغرب عبر حكاية فردية وهموم شخصية قابلة للوجود في مجتمعات مختلفة، مع اعتماد معالجة هادئة ومجردة تمنح الأولوية للتجربة الذاتية على حساب التفاصيل الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالبيئة المحلية.
ويحافظ العمل على صورة قابلة للتلقي خارج السياق المغربي، فيما يظل انخراطه في الأسئلة المرتبطة بالمجتمع المغربي محدوداً. ويستند الفيلم إلى تجربة المخرجة الشخصية وعلاقتها بجدتها، ويحول هذه الذاكرة إلى منطلق للحكاية، فيما تظل المادة الذاتية في حاجة إلى امتداد درامي أكثر قوة. ويتقدم السرد بإيقاع بطيء، وتبقى الشخصيات لفترات طويلة داخل دائرة من الحزن والحنين، مع تحولات محدودة في دوافعها ومساراتها الداخلية، فيقترب البناء أحياناً من استعادة ذاكرة شخصية أكثر من تشييد حكاية سينمائية ذات تصاعد درامي واضح.
ويُضخّم العمل بنيته الإنتاجية قياساً إلى حجم الفكرة التي يحملها، فالحكاية في جوهرها قادرة على القيام داخل إنتاج محدود أو متوسط، بينما يمنح تعدد جهات الإنتاج الأوروبية الفيلم ثقلاً إنتاجياً واسعاً لا ينعكس بالدرجة نفسها على البناء الدرامي. ويثير هذا التفاوت سؤالاً حول العلاقة بين حجم الإمكانات الإنتاجية وطبيعة الحكاية، ومدى الحاجة الفعلية إلى هذا الامتداد الإنتاجي حتى يصل العمل إلى صورته النهائية.
ويقدم الممثلون أداءً متقناً يمنح الشخصيات حضوراً إنسانياً مقنعاً، ويولي الفيلم اهتماماً واضحاً باختيارهم وتوجيههم. ويصطدم هذا الجانب بحدود السيناريو، الذي يترك الشخصيات داخل فضاء عاطفي محدود، من دون منحها مساحة كافية من التناقضات والتحولات. وتغيب الانعطافات الدرامية القوية، وتظل الصراعات محدودة، فينفصل الأداء الجيد في بعض اللحظات عن هشاشة البناء الدرامي.
ويعتمد التصوير على الهدوء والإضاءة الناعمة والتكوينات البصرية المصقولة، مع حضور واضح لحساسية جمالية قريبة من السينما الأوروبية. وتمنح هذه الاختيارات الفيلم أناقة بصرية، غير أنها لا تتحول دائماً إلى وسيلة لإنتاج دلالات اجتماعية أو رمزية عميقة. وتبدو بعض اللقطات مكتفية بجمالها الشكلي، من دون ارتباط قوي بطبقات الحكاية وأسئلتها، فتتحول الجمالية في بعض المقاطع إلى قيمة مستقلة عن المضمون.
وتساهم الموسيقى والأجواء الهادئة في صناعة إحساس بالحميمية والعاطفة، فيما تظل هذه الحميمية محدودة الصلة بالتفاصيل الاجتماعية والثقافية التي تمنح العلاقات الأسرية المغربية خصوصيتها. وتقترب العلاقات بين الشخصيات من نموذج عاطفي ذي حساسية أوروبية، وتتراجع في المقابل الملامح التي يمكن أن تربط هذه العلاقات بمحيطها المغربي. وينتج عن ذلك عالم درامي يبدو قابلاً للنقل إلى سياقات مختلفة، أكثر من كونه عالماً متجذراً في خصوصية المكان المغربي.
ويطرح حضور الفيلم ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا في دورته التاسعة عشرة سؤالاً يتجاوز تصنيفه كإنتاج مغربي إسباني، ليصل إلى طبيعة الهوية السينمائية التي يحملها. وترتبط المخرجة بالمغرب من خلال أصلها وتجربتها، كما يرتبط جزء من عملية الإنتاج به، وتتحرك الحكاية داخل فضاء مغربي، بينما تدفع اللغة وخيارات السرد والجماليات البصرية نحو حضور إسباني وأوروبي قوي.
وتكشف هذه المفارقة عن مسافة بين الانتماء الإنتاجي والهوية السردية، إذ يحقق “زنقة مالقة” حضوراً تقنياً وإخراجياً لافتاً، مستفيداً من أداء تمثيلي متقن وصورة بصرية أنيقة، في وقت تظل فيه علاقته بالمرجعية المغربية موضع نقاش. ويفتح الفيلم من خلال هذه المنطقة الفاصلة نقاشاً حول حدود الشراكة السينمائية العابرة للبلدان، وحول قدرة الحكاية المغربية على الاحتفاظ بخصوصيتها وهي تتحرك داخل منظومة إنتاجية ولغوية وجمالية تنتمي بدرجات متفاوتة إلى فضاء أوروبي.
#زنقة_مالقة #فيلم_زنقة_مالقة #مريم_توزاني #السينما_المغربية #السينما_الإسبانية #السينما_المغربية_الإسبانية #الفيلم_المغربي #الأفلام_المغربية #السينما_المغربية_المعاصرة #النقد_السينمائي #نقد_الأفلام #النقد_الفني #التحليل_السينمائي #الهوية_السينمائية #هوية_الفيلم #السينما_والهوية #السينما_واللغة #اللغة_في_السينما #اللغة_الإسبانية #الدارجة_المغربية #العربية_في_السينما #الأمازيغية_في_السينما #السينما_والثقافة #السينما_والمجتمع #المغرب_والسينما #السينما_المغربية_والأوروبية #الإنتاج_السينمائي #الإنتاج_المشترك #الإنتاج_المغربي_الإسباني #السينما_الأوروبية #الشراكة_الإنتاجية #تمويل_الأفلام #الإنتاج_السينمائي_المغربي #السينما_والذاكرة #الذاكرة_الشخصية #العلاقات_الأسرية #الجدة_والحفيدة #المرأة_في_السينما #سينما_المرأة #المخرجات_المغربيات #مريم_التوزاني #المهرجان_الدولي_لفيلم_المرأة_بسلا #مهرجان_سلا #مهرجان_سلا_2026 #الدورة_19 #المسابقة_الرسمية #جماليات_الصورة #التصوير_السينمائي #الموسيقى_السينمائية #الأداء_التمثيلي #السيناريو_السينمائي #صحيفة_الناقد_الجديد
.











Leave a Reply