يأخذ الفيلم الكوري “عالم الحب” للمخرجة يون غا-إيون المشاهد إلى منطقة حساسة من عمر المراهقة، مستكشفاً تعقيدات هذه المرحلة أمام جراح الماضي وضغوط المحيط الاجتماعي التي تعترض طريق بناء الذات وتقرير المصير. وعُرض الفيلم، الذي يمتد على مدى مئة وتسع عشرة دقيقة، ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في الدورة التاسعة عشرة للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، بعد عرضه العالمي الأول ضمن قسم المنصة في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، وحصوله على جائزة المنطاد الذهبي في مهرجان القارات الثلاث بنانت، إلى جانب جائزة لجنة التحكيم روبرتو روسيليني وجائزة الجمهور في مهرجان بينغياو السينمائي الدولي.
يضع الفيلم في مركز حكايته لي جو-إن، طالبة في السابعة عشرة من عمرها، تتمتع بروح مرحة وحضور حيوي وتحظى بتقدير زملائها. تسير حياتها المدرسية في مسار طبيعي إلى أن يطلق أحد التلاميذ عريضة جماعية يوقعها الجميع باستثناء جو-إن، فتجد نفسها فجأة في مواجهة موجة من الأحكام والاتهامات. يعيد هذا الحدث إلى السطح جرحاً قديماً يرتبط بصدمة اعتداء جنسي تعرضت له خلال طفولتها، فتدخل في مواجهة جديدة مع الماضي، وسط نظرات المحيط وضغوطه ورسائل مجهولة تشكك في سلوكها وتضع حياتها الخاصة تحت المجهر.
تمنح يون غا-إيون بطلتها مساحة واسعة للخروج من صورة الضحية التقليدية، فتتبع خطواتها في مواجهة الضغط الاجتماعي ومحاولة فهم الجرح القديم واستعادة علاقتها بذاتها. جو-إن ليست شخصية تبحث عن الشفقة، وإنما مراهقة تحاول استيعاب تجربتها وإعادة بناء صورتها عن نفسها بعيداً عن الوصمة. ومع تصاعد الأحداث، تصر على رفض اختزال حياتها في حادثة مؤلمة أو تسمية جاهزة، وتتمسك بحقها في اختيار طريقها، وفي اختبار مشاعر الحب والعلاقات والانفعالات المتشابكة التي ترافق هذه المرحلة العمرية.
ويأتي “عالم الحب” امتداداً لانشغال المخرجة بمرحلتي الطفولة والمراهقة، بعد تجربتيها السابقتين “عالمنا” و”منزلنا”. وتختار في هذا العمل منظوراً سردياً متعدد الزوايا، يتيح متابعة شخصيات أخرى إلى جانب جو-إن، ورصد التجارب التي تتقاطع وتتفاعل في الخفاء حتى حين لا تصل آثارها مباشرة إلى البطلة. ويمنح هذا البناء الفيلم قدرة على الانتقال بين الكوميديا المراهقة الخفيفة والدراما الاجتماعية العميقة، قبل استعادة نبرة أكثر هدوءاً وأملاً، من دون إفراغ القضية من ثقلها الإنساني أو التقليل من أثر الصدمة.
ويشكل أداء سيو سو-بين في دور لي جو-إن إحدى نقاط القوة اللافتة في الفيلم. تقدم الممثلة الشابة شخصية تتحرك بين الحيوية والمرح والثقة بالنفس، ثم تنزلق تدريجياً نحو لحظات الانكسار والاضطراب العاطفي، في أداء طبيعي يمنح الشخصية صدقيتها ويجعل حضورها قريباً من تفاصيل الحياة اليومية لطالبة في المرحلة الثانوية. وإلى جانبها، تقدم الممثلة المخضرمة جانغ هاي-جين شخصية الأم بصورة تتجاوز النموذج التقليدي، فتجسد امرأة تحمل جانباً من ألم ابنتها وترافقها في طريق التعافي، مع الحفاظ على مساحة إنسانية خاصة بها.
ومن خلال رحلة جو-إن، يفتح الفيلم نقاشاً حول الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الناجيات من العنف الجنسي، وحول الميل إلى وضعهن داخل قوالب جاهزة تختصرهن في الألم أو الشفقة. يقاوم العمل هذه النظرة عبر التأكيد على أن الجرح جزء من التجربة، وليس تعريفاً نهائياً لصاحبته. فالتعافي يبدأ من الاعتراف بالتجربة ومواجهتها، ومن استعادة القدرة على الاختيار والتعبير والعيش خارج حدود الوصمة الاجتماعية.
ويبرز “عالم الحب” تجربة تنتمي إلى تيار السينما الكورية المستقلة التي تواصل حضورها في المهرجانات الدولية، مستفيداً من حساسية المخرجة في الاقتراب من عالم المراهقين وتعقيداتهم النفسية والاجتماعية. ويقود حضور الفيلم في المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا إلى قراءة العمل ضمن فضاء سينمائي يهتم بتجارب النساء وأسئلتهن، فيدعو إلى النظر إلى المراهقة بعيداً عن الأحكام الجاهزة، وإلى التعامل مع الناجية باعتبارها إنسانة كاملة، قادرة على الضحك والغضب والحب والخطأ والتعافي، واستعادة حقها في امتلاك قصتها وحياتها.











Leave a Reply