لن تولد صناعة سينمائية مغربية حقيقية قبل أن يتجاوز الإنتاج السنوي 100 فيلم مغربي مستقل، تقودها استثمارات القطاع الخاص لا الدعم العمومي.
عبدالرحيم الشافعي
رغم كل الجهود المبذولة لتعزيز السينما المغربية والتركيز على جعلها مرآة للهوية الثقافية، إلا أن الفن السابع في بلادنا لا يزال يواجه تحديا هيكليا كبيرا بتحويلها من نشاط فني مدعوم إلى صناعة كاملة الأركان ومستدامة بالمعنى الاقتصادي. فالاعتماد المفرط على الدعم الحكومي والإنتاج السنوي المحدود لا يتناسب مع متطلبات الصناعة العالمية التي تحتاج إلى استثمارات خاصة ضخمة وبنية تحتية عملاقة.
تُعد الصناعة السينمائية عموما مرآة الشعوب، وعنوان حضارتها، وأداة فاعلة في بناء الوعي ونشر الثقافة، وبينما شكّلت السينما المغربية على مرّ العقود مساحة للتعبير عن الهوية والقضايا المجتمعية، حاصدة اعترافات دولية ومحلية، إلا أن هذا الإرث الفني يواجه تحديًا هيكليًا معقدا يتعلق بتحويل هذا النشاط الفني والإبداعي إلى “صناعة” بالمعنى الاقتصادي والإنتاجي الواسع للكلمة. لماذا؟
لأن الحديث عن السينما المغربية غالبًا ما يصطدم بواقع الدعم العمومي المحدود الذي لا يرقى إلى طموح إقامة صناعة ضخمة، وهذا يجعل مفهوم “الصناعة السينمائية” قريبا إلى الأمنية البعيدة أكثر من قربه إلى الواقع المعيش، لأن الفارق شاسع بين إنتاج فني مدعوم وإنتاج صناعي قائم بذاته، ويحتاج إلى رؤوس أموال خاصة ضخمة وبنية تحتية عملاقة تضمن ديمومة الإنتاج وكثافته.
وتُشير الحقائق الاقتصادية العالمية إلى أن الصناعة السينمائية الضخمة هي مشروع استثماري عملاق لا يمكن أن يقوم على أساس الدعم الحكومي المتقطع أو الجزئي وحده، وتحتاج هذه الصناعة إلى تدفقات مالية هائلة، وعادة ما تنهض على أكتاف شركات إنتاج خاصة عملاقة ذات قدرة تمويلية ذاتية، قادرة على تحمل مخاطر الإنتاج والتسويق الدولي. وتأتي المساهمة الحكومية إن وجدت كدعم تكميلي أو تحفيزي، وليس كعمود فقري يرتكز عليه وجود الصناعة بأكملها، بينما الاعتماد المفرط على صندوق دعم الإنتاج السينمائي المغربي يخلق حالة من “الماكرو سينما” التي تنتج أفلاما بميزانيات محدودة لا تسمح بالمنافسة على مستوى تقني يوازي معايير الأسواق العالمية الكبرى.
ويُظهر تحليل كمي لمفاهيم الصناعة السينمائية العالمية أن المقياس الحقيقي لهذه الصناعة يقاس بعدد الأفلام المنتجة سنويا، وهو ما يحدد ديمومة الأستوديوهات وتوظيف آلاف العمال بشكل دائم. ويتجاوز عمالقة مثل هوليوود وبوليوود حاجز الـ1000 فيلم سنويا، وهو ما يضمن حركة اقتصادية مستمرة واكتشاف مواهب متواصلا، بينما يبقى الإنتاج السنوي المغربي، الذي يدور في حدود 40 فيلما، ضعيفا جدا ليتناسب مع مفهوم الصناعة بالمعنى الشامل والفاعل. وهذا العدد الهزيل لا يمثل سوى جزء بسيط من المتطلبات الدنيا لإنشاء دورة اقتصادية مستدامة، ليجعل مفهوم الصناعة في السياق المغربي مجرد حبر على ورق، لا يلامس الواقع الكمي للإنتاج الحالي.
بناء صناعة مستدامة يتطلب جيلاً من التقنيين والكتاب والممثلين والمنتجين المحترفين والمؤهلين للعمل ضمن معايير عالمية
ويُعتبر الحديث عن وجود “صناعة سينمائية” في المغرب بمثابة ادعاء غير مدعوم بالبيانات والأرقام الفعلية للإنتاج والتوزيع والاستثمار الخاص، فالصناعة تتطلب سلسلة قيمة متكاملة ومستمرة، تبدأ من التمويل الخاص، مرورا بورش عمل للكتابة السينمائية، ثم أستوديوهات ومختبرات ضخمة، وصولاً إلى شبكات توزيع واسعة النطاق وقادرة على ضمان استرداد رأس المال وتحقيق الربح. وعندما يكون الإنتاج السنوي ضعيفا، والميزانيات محدودة، والأستوديوهات المحلية قليلة، فإن هذه السلسلة تتعثر وتتفكك.
وتُعدّ الأستوديوهات الضخمة والمجهزة بأحدث التقنيات ركيزة أساسية لأي صناعة سينمائية كبرى، إذ توفر بيئة مغلقة ومتحكّما بها لإنتاج المشاهد المعقدة بأقل التكاليف وبأعلى جودة، وهذا النوع من البنية التحتية المتخصصة ما زال بعيد المنال عن السينما المغربية التي تعتمد بشكل كبير على المواقع الطبيعية.
وعلى الرغم من أن مدينة ورزازات أصبحت وجهة مفضلة للأستوديوهات الأجنبية، إلا أنها في الواقع تتحول إلى مجرد موقع للتصوير يخدم الإنتاجات الأجنبية الضخمة، حينما يتم استئجارها واستخدامها دون أن تستفيد السينما المغربية المحلية بشكل فعلي ومباشر في تطوير قدراتها الإنتاجية الخاصة بها من خلال هذه البنيات، بينما غياب أستوديوهات ضخمة مملوكة وموجهة للإنتاج المغربي يُعد عائقا كبيرا أمام أي تحول نحو الصناعة.
وتستغلّ الإنتاجات السينمائية العالمية، منذ زمن بعيد، المغرب كواجهة تصوير مذهلة بفضل تنوع تضاريسه، من المدن العتيقة إلى الصحاري الشاسعة والجبال الشاهقة، وهذا ربما يجلب العملة الصعبة ويخلق فرص شغل مؤقتة. لكن السؤال المحوري هو: هل السينما المغربية استفادت فعليا من هذه الميزة الجذابة؟ إن الواقع يظهر أن أغلب هذه الاستفادة تقتصر على تقديم خدمات لوجستية ومواقع تصوير ممتازة للغرباء. فالسينما المغربية ما زالت لا تمتلك البنية الإنتاجية التي تمكّنها من استغلال هذه الواجهة بنفس القدر والكثافة، وهذا يجعل الحديث عن استفادة وطنية مباشرة وشاملة مجرد تطبيل إعلامي، لأن مجرد كون المغرب وجهة تصوير لا يعني بالضرورة وجود صناعة سينمائية مغربية قائمة بذاتها.
إن الصناعة تحتاج إلى استمرارية وكثافة لكي تكون ذات تأثير اقتصادي وثقافي ملموس ومستدام، ويجب إدراك أن الصناعة السينمائية تشمل منظومة متكاملة تبدأ من التكوين الأكاديمي والمهني لجميع الحرف السينمائية، لأن بناء صناعة مستدامة يتطلب جيلاً من التقنيين والكتاب والممثلين والمنتجين المحترفين والمؤهلين للعمل ضمن معايير عالمية.
ويُلاحظ في المغرب أن هناك فجوة بين الطموح وواقع الاحترافية في بعض التخصصات، وهذا يعيق القدرة على استيعاب مشاريع إنتاج ضخمة بشكل كامل ومستقل، فالتكوين الجيد والمستمر هو حجر الزاوية الذي يضمن جودة المنتج السينمائي وقدرته على المنافسة وجذب المستثمرين الكبار.
ويتبين أن القطاع الخاص للإنتاج السينمائي لا يزال مترددا في ضخ استثمارات كبيرة ومستدامة في الإنتاج السينمائي، نظرا لضعف ضمانات الربح وصعوبة استرداد رأس المال في سوق توزيع محلي ما زال محدودا، لأن غياب آليات جذب استثمار خاصة فعالة وكافية هو التحدي الأكبر الذي يعيق تحويل السينما من فن مدعوم إلى صناعة قائمة بذاتها. وتظل الحلول المتمثلة في التسهيلات الضريبية، والضمانات البنكية، وتطوير البنية التحتية، وعقد شراكات دولية قوية هي المفتاح لتحرير رؤوس الأموال الخاصة وتشجيعها على خوض غمار الاستثمار في الإنتاج السينمائي، بعيدا عن الركون الدائم إلى الدعم الحكومي.
وتُسيطر الأفلام ذات الميزانيات المحدودة على حصة الأسد من الإنتاج السينمائي المغربي، وهي ظاهرة ناتجة مباشرة عن شح الموارد وعدم كفاية الدعم الحكومي مقارنة بمتطلبات الإنتاج الضخم، وهذا النوع من الإنتاج، وإن كان مهما على المستوى الفني والإبداعي، فإنه يضعف القدرة التنافسية للسينما المغربية على المستوى الدولي ويقلل فرص تسويقها التجاري في الأسواق الكبرى. ولكي تصبح هناك “صناعة”، يجب أن تكون هناك أفلام “Blockbusters” أو إنتاجات عالية الجودة، قادرة على جذب الجمهور وتحقيق إيرادات ضخمة، وهذا يتطلب ميزانيات تفوق بكثير ما هو متاح حاليا.
ويُعتبر تطوير شبكات التوزيع والتسويق الدولي شرطا لا غنى عنه لإرساء صناعة سينمائية حقيقية، قادرة على استرداد تكاليف الإنتاج وتحقيق الأرباح. فالإنتاج الضخم دون قدرة على الوصول إلى أسواق أوسع يبقى استثمارا خاسرا أو فنّا محليا، والسينما المغربية ما زالت تواجه تحديات كبيرة في اختراق الأسواق الدولية خارج دائرة المهرجانات، وفي إنشاء قنوات توزيع مربحة ومستدامة. وللتحول إلى صناعة، يجب أن تتجاوز نظرة الفيلم الإطار المحلي إلى السوق العالمية، وذلك بالاستثمار في التسويق المتخصص والشراكة مع الموزعين الدوليين.
والواقع الحالي يؤكد أن مفهوم “الصناعة السينمائية” في المغرب لم يتحقق بعد، لذلك استغلال الواجهة السياحية للبلاد يجب أن يتجاوز خدمة الإنتاجات الأجنبية إلى خلق قيمة مضافة للإنتاج المغربي نفسه. ولتحقيق هذا التحول يجب على المغرب أن يتبنى إستراتيجية وطنية طموحة تشجع على ضخ رؤوس الأموال الخاصة الضخمة، وتطوير البنية التحتية، وتكثيف الإنتاج السنوي إلى ما يزيد عن 100 فيلم ليتسنى لها الالتحاق بركب الصناعات السينمائية العالمية.
#السينما_المغربية_ووهم_الصناعة #الصناعة_السينمائية_المؤجلة #السينما_المغربية #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #صحيفة_الناقد_الجديد











Leave a Reply