الناقد الجديد – عبدالرحيم الشافعي
تكشف متابعة عدد شتنبر 2026 من مجلة “فيلم أند ديجيتال تايمز” عن صناعة سينمائية لم تعد تنظر إلى التقنية أدوات مساعدة، وإنما باعتبارها جزءاً من عملية بناء الصورة وصياغة اللغة السينمائية نفسها. وتتحرك المجلة داخل منطقة تلتقي فيها الكاميرا بالعدسة والإضاءة بنظام نقل الإشارة، ويلتقي الاختيار التقني بالقرار الجمالي، إذ يصبح السؤال الأساسي كيف يمكن استخدامه لخدمة الحكاية والصورة وتجربة المشاهدة. ويمنح هذا المنظور المجلة موقعاً خاصاً داخل الصحافة المتخصصة، لأنها لا تكتفي بعرض المنتجات الجديدة، وإنما تربطها بتجارب المصورين والمخرجين وفرق التصوير، وتقدم للقارئ صورة عن الطريقة التي تتحول بها التكنولوجيا إلى ممارسة يومية داخل مواقع التصوير.
يأتي عدد شتنبر 2026 الإصدار 137، بالتزامن مع معرض “آي بي سي” في أمستردام، ويحافظ على الصيغة التي أصبحت تميز المجلة، من خلال الجمع بين قصة إنتاجية طويلة وتقارير تقنية دقيقة عن الكاميرات والعدسات وأنظمة الإضاءة ونقل الإشارة والملحقات. ولا يقدم العدد هذه المواد على شكل كتالوج للمنتجات، وإنما يحاول باستمرار ربط المعدات بالاستعمال الفعلي داخل مشاريع سينمائية حقيقية، بما يسمح للقارئ بفهم العلاقة بين التكنولوجيا والقرار البصري.
ويفتتح العدد بقصة غلاف مطولة حول فيلم “مالستروم”، يتولى خلالها المصور السينمائي الهولندي ثيخمن دورنيك، بالتعاون مع إيلي فان كليف، تقديم تفاصيل تجربة الإنتاج. ويبدأ التقرير من المعدات الأساسية، وعلى رأسها كاميرا “أليكسا 35” وعدسات “سوبر سبيدز” وزوم “24-290″، قبل أن ينتقل إلى العدسات المتخصصة من “كاملوت” و”كاملُكس” وكيف جرى اختيارها بما يتناسب مع الطابع البصري للفيلم. ويشرح التقرير كذلك طبيعة المواقع والصعوبات اللوجستية المرتبطة بها، ثم يتوقف عند التصوير الجوي واستخدام الزوم في اللقطات الديناميكية، وإدارة التركيز والتنسيق بين أفراد الطاقم والأقسام المختلفة.
ويصل التقرير في نهايته إلى المظهر البصري النهائي وملفات “لوت”، مع إرفاق مجموعة من الإطارات المختارة وتعليقات مباشرة من دورنيك وصور من خلف الكاميرا. ويكشف هذا البناء التحريري عن الفلسفة الأساسية للمجلة، إذ لا تقدم المعدات بوصفها منتجات منفصلة، وإنما تشرح كيف تتحول مجموعة من الخيارات التقنية إلى صورة سينمائية داخل ظروف إنتاج حقيقية.
ويبرز العدد بعد ذلك قراءة موسعة لكاميرا “سوني إف إكس 5″، فيستعرض واجهاتها المختلفة وشاشتها المتحركة وإطارها الإلكتروني والقوائم الداخلية، قبل الانتقال إلى أوضاع المستشعر والدقة ومعدلات الإطارات. ويركز التقرير بصورة خاصة على قيم “آيزو” الأساسية وتأثيرها في الأداء تحت ظروف الإضاءة المختلفة، ثم يدعم الشرح بإطارات من أعمال المخرج غاريث إدواردز لإظهار النتائج التي يمكن تحقيقها في سياقات تصوير فعلية. ويمنح هذا الأسلوب التقرير وظيفة تتجاوز التعريف بالكاميرا، ليصبح أقرب إلى دليل عملي لمن يفكر في إدخالها إلى مشروع سينمائي.
ويقترب العدد في مادة أخرى من الطرف المقابل تماماً في عالم المعدات، من خلال كاميرا “دي جي آي أوسمو بوكيت 4 بي” الصغيرة، التي تظهر ضمن مشروع “فاميلياريتي” مع الممثلة الفرنسية إيزابيل هوبير. ويبحث التقرير في الطريقة التي يمكن بها لكاميرا صغيرة مثبتة على جيمبال ثلاثي المحاور أن تتحول من أداة مخصصة لصناع المحتوى إلى وسيلة قادرة على إنتاج صورة ذات طابع سينمائي. ويتناول اللغة البصرية للمشروع والإعدادات التقنية المستخدمة والبعد الشعري للتصوير بهذه الأداة المحمولة، موضحاً كيف يمكن لحجم الكاميرا ومرونتها أن يفتحا إمكانات جديدة لبناء علاقة أكثر حميمية مع الشخصية المصورة.
“`html “`ينتقل العدد من الصورة إلى البنية التحتية التي تسمح لها بالوصول والعمل داخل أنظمة الإنتاج الحديثة، فيتناول معالج الوسائط “إيه جيه إيه إف إس 8” الذي يدعم “12 جي-إس دي آي” وبروتوكول “إس إم بي تي إي إس تي 2110″، ثم يتوقف عند بطاقات التحويل “إيه جيه إيه أو جي-فايدو 4” التي تسمح بتحويل الإشارات بين “إس دي آي” والألياف البصرية. ويكشف هذا الجانب عن اهتمام المجلة بالمراحل التي تقع خلف الصورة نفسها، إذ إن صناعة الصورة الرقمية لا تنتهي عند التقاطها بالكاميرا، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة لنقلها وإدارتها وحفظها داخل بيئات الإنتاج والبث.
ويعود العدد إلى تجربة إنتاجية أخرى من خلال “تريجر أند ديرت”، حيث يشرح المصور إدوارد غولدنر استخدام كاميرا “بلاك ماجيك أورسا سينما 17 كي 65″، ويربط قدراتها في التصوير واسع النطاق بمتطلبات سرد يعتمد على التفاصيل الدقيقة. ويقدم التقرير ملاحظات إنتاجية عن المعدات وظروف العمل، إلى جانب صور خلف الكاميرا وتعليقات من أعضاء الفريق، ليبين كيف يمكن لتكنولوجيا التصوير فائقة الدقة أن تخدم الحكايات الواقعية والدرامية التي تعتمد على ملمس الصورة وتفاصيل التراب والطين والبيئة المحيطة.
ويستعرض العدد كذلك مجموعة واسعة من المعدات الجديدة، فيتناول “كارتوني لامبدا 15” ونظام “هايبر رول” المخصصين للحركة السلسة، ثم ينتقل إلى زوم “كانون سينما سيرفو 40-1200 ملم”، مع تجربة ميدانية للمصور آرون مندز. ويقدم جون إنغستروم تجربة تجمع بين نظام “فوجي فيلم جي إف إكس” وعدسات “أنجينيكس أوبتيمو” وتقنية “شيمبفلوج” للتحكم في مستوى الحدة، إلى جانب عرض عدسات “فوجينون” الجديدة ذات الزوم الآلي، ومنها “جي إف 19-35 ملم” و”جي إف 32-90 ملم”، وعدد من الملحقات المرتبطة بها.
ويمنح العدد للعدسات مساحة خاصة، وهو ما يعكس استمرار مركزيتها في تشكيل المظهر السينمائي حتى داخل البيئة الرقمية. ويغطي خط “سيغما إيه إف سينما” من خلال زومي “28-45 ملم” و”28-105 ملم”، كما يتناول توسيع خط “سيغما أيزو” ليضم إحدى عشرة عدسة برايم كاملة الإطار بفتحة قصوى “تي 1.3”. ويتوقف كذلك عند إضافة “لايتز سينما” توافق “جي ماونت” إلى عدسات “هيكتور”، وإضافات “آي دي ماونت” إلى سلسلتي “سوميلوكس سي” و”هيوغو”، بينما تحظى عدسات “زايس هورايزن 2 إكس كاملة الإطار أنامورفيك” بتغطية تفصيلية تشمل تصميمها البصري وأنظمة التحكم اللاسلكي بها.
ويختتم العدد سلسلة تقاريره التقنية بتغطية وحدات الإضاءة “نانلايت إف سي 1200 بي” و”1200 سي”، وكاميرات “أتوم” بنسختيها العادية و”تو”، قبل الانتقال إلى ملاحظات ميدانية من معرض “آي بي سي” في أمستردام. وتربط هذه الخاتمة بين المعدات والتجربة الميدانية، بحيث يعود العدد إلى المكان الذي بدأت منه قصته: الصناعة وهي تختبر أدواتها الجديدة داخل فضاء مهني يلتقي فيه المصنعون والمصورون والمخرجون وبيوت التأجير ومختلف العاملين في صناعة الصورة.
وتكشف قراءة عدد شتنبر 2026 أن التحول الرقمي لم يعد يعني فقط استبدال الفيلم الكيميائي بالكاميرا الرقمية، وإنما أصبح تحولاً شاملاً يمتد إلى العدسات والإضاءة وتسجيل الإشارة ونقل البيانات وإدارة الألوان وشاشات المراقبة وحتى طريقة تعامل المصور مع موقع التصوير. وتظهر القيمة الأساسية للمجلة في أنها تتابع هذا التحول من داخل الممارسة، فتسأل باستمرار كيف يستخدم المحترف الأداة، وما الذي تضيفه إلى الصورة، وما الذي تغيره في سير العمل.
تضع المجلة بذلك التكنولوجيا داخل سياقها السينمائي، فلا تجعل دقة المستشعر أو عدد وحدات البكسل أو سرعة العدسة غاية مستقلة، وإنما تربطها دائماً بالسؤال الجمالي والدرامي. وتكشف القصص الإنتاجية التي يتضمنها العدد أن القرار التقني يظل مرتبطاً برؤية المصور والمخرج وبطبيعة المشروع وبالمكان وبالزمن وبالميزانية وبالطاقم، وهو ما يمنع اختزال السينما الرقمية في سباق نحو أحدث الأجهزة.
وتؤكد تجربة “فيلم أند ديجيتال تايمز” أن الصحافة التقنية المتخصصة يمكن أن تؤدي وظيفة ثقافية داخل الصناعة السينمائية، لأنها تحفظ خبرات العاملين وتوثق طرق استخدام الأدوات وتشرح التحولات التي قد تبدو في ظاهرها تقنية محضة، بينما تؤثر في النهاية في شكل الصورة وفي طبيعة العمل وفي علاقة السينمائي بأدواته. ويظهر عدد شتنبر 2026، بهذا المعنى، بوصفه وثيقة عن صناعة تتحرك بسرعة، وعن سينما أصبحت التقنية فيها جزءاً من لغتها اليومية.
#عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #صحيفة_الناقد_الجديد #فيلم_أند_ديجيتال_تايمز #النقد_السينمائي #السينما_الرقمية #التكنولوجيا_السينمائية #التصوير_السينمائي #الكاميرات_السينمائية #العدسات_السينمائية #الإضاءة_السينمائية #صناعة_السينما #اللغة_السينمائية #التحول_الرقمي #المعدات_السينمائية #IBC2026 #السينما_المعاصرة #المغرب











Leave a Reply