يقدّم كتاب “شذرات من الذاكرة السينمائية” للمخرج المغربي سعد الشرايبي قراءة معمّقة في تاريخ السينما المغربية، مستعرضًا أهم التحولات الفنية والثقافية التي عرفها هذا الفن منذ نشأته إلى اليوم. ويأتي هذا العمل بوصفه محاولة واعية لتوثيق الذاكرة السينمائية الوطنية، في سياق يتسم بندرة الكتابات التي تؤرخ لمسار السينما المغربية وتفكك علاقتها بالمجتمع والتاريخ.
وينطلق الشرايبي من قناعة راسخة بأن حماية الذاكرة السينمائية تشكّل ضرورة ثقافية وتاريخية، خاصة في ظل ضعف التوثيق الذي يطال المجالات الثقافية والسينمائية في المغرب والعالم العربي. ويؤكد أن ضياع هذه الذاكرة لا يعني فقدان أرشيف فني فحسب، لانها خسارة جزء من الهوية الجماعية، وهو ما يجعل الكتابة عن السينما فعل مقاومة للنسيان وسعيًا للحفاظ على التجربة الإبداعية للأجيال القادمة.
ويسعى الكتاب إلى استعادة محطات مفصلية من تاريخ السينما المغربية، من خلال التوقف عند تطور النصوص التشريعية المنظمة للقطاع، ومسار المركز السينمائي المغربي، ودور المهرجانات السينمائية في ترسيخ الحضور الثقافي للفن السابع. ويتناول كذلك تجربة نوادي السينما والفيدرالية الوطنية لها، بوصفها فضاءات أساسية لنشر الثقافة السينمائية وبناء وعي نقدي لدى الجمهور المغربي.
ويربط المؤلف السينما بالسياق السياسي والاجتماعي، متوقفًا عند الفترات الحساسة التي أثّرت في حرية التعبير، وعلى رأسها مرحلة سنوات الرصاص. ويحلل كيف دفعت هذه المرحلة المخرجين إلى البحث عن أساليب تعبيرية بديلة، تعتمد الرمز والتلميح، ليجعل السينما تتحول إلى شهادة بصرية تحفظ الذاكرة الجماعية وتعيد مساءلة التاريخ.
ويؤكد الشرايبي أن الصورة السينمائية تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الذاكرة الجمعية، لا من أجل توجيهها بشكل مباشر، وإنما من أجل تحفيزها على التفكير في قضايا الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية. ويبرز أن السينما، من خلال القصص المستمدة من الواقع، تخلق نماذج إنسانية متخيلة تظل عالقة في ذهن المشاهد، وتدفعه إلى إعادة النظر في ذاته وفي العالم المحيط به.
ويستحضر الكاتب لحظات من تجربته الشخصية في صناعة الأفلام، كاشفًا عن التداخل العميق بين الخيال والواقع داخل العملية الإبداعية، ويبرز كيف يمكن للشخصيات السينمائية أن تبدو حقيقية في نظر الجمهور، بما يعبر عن قوة السرد السينمائي وقدرته على خلق تفاعل وجداني يتجاوز حدود الشاشة.
ويتتبع الكتاب تطور السينما عالميًا، منذ بداياتها كوسيلة للترفيه، مرورًا بتحولها إلى أداة لسرد القصص المتخيلة، ثم إلى وسيلة لتقديم الشهادة عبر الفيلم الوثائقي، وصولًا إلى اكتسابها بعدًا ثقافيًا وفكريًا. ويناقش تأثير التطور التكنولوجي في تعزيز قوة الصورة، مع طرح تساؤلات نقدية حول دور السينما في تثقيف الذوق الجمالي أو تكريس الاستهلاك السريع للصورة.
ويشدد الشرايبي على أن قيمة الفيلم لا تكمن في موضوعه بقدر ما تكمن في طريقة التفكير فيه وصناعته، معتبرًا أن زاوية النظر والأسلوب الإخراجي هما ما يحددان مستوى العمل السينمائي. ويبرز أهمية المتفرج الفاعل، الذي يعيد مشاهدة الفيلم في ذهنه بعد انتهاء العرض، مقابل المتفرج السلبي الذي يستهلك الصورة دون تأمل.
ويستعرض المؤلف تأثير المدارس السينمائية العالمية والعربية في تشكيل رؤيته الفنية، مشيرًا إلى سينما أوروبا الشرقية والألمانية والفرنسية، إضافة إلى سينما أميركا اللاتينية والعالم العربي والمغرب. ويبرز هذا التنوع انفتاح السينما المغربية على التجارب الإنسانية المختلفة، وقدرتها على التفاعل مع قضايا كونية بأساليب محلية.
وينظر الشرايبي إلى مستقبل السينما بنوع من التفاؤل الحذر، في ظل التحولات الرقمية وانتشار وسائل التعبير البصري الجديدة. ويعبّر عن إيمانه باستمرار سحر قاعة السينما وتجربة المشاهدة الجماعية، مؤكدًا أن الصورة ستظل أداة فعالة للتعبير وبناء الوعي، شرط الحفاظ على جودة الإنتاج وتوسيع قنوات التوزيع.
ويخلص الكتاب إلى أن “شذرات من الذاكرة السينمائية” لا يكتفي بتوثيق مسار السينما المغربية، وإنما في فتح أفق التفكير في دور السينما بوصفها ذاكرة حية وأداة ثقافية فاعلة. ويجعل من الكتابة عن السينما فعلًا نقديًا يربط الماضي بالحاضر، ويدعو إلى قراءة الصورة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في فهم المجتمع وتاريخه.
المصدر: الناقد الجديد





Leave a Reply