هل رواج الكتب التجارية مقصود؟
يكشف المشهد الثقافي المغربي اليوم عن مفارقة مخيفة تتجاوز أرقام المبيعات وتفضيلات القراء العابرة، لتعبّر عن تحول واضح في طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعرفة، فبينما تمتلئ رفوف المكتبات والمعارض والمنصات الرقمية بعناوين لامعة تعد بالسعادة الفورية والنجاح السريع والحلول الجاهزة لمشكلات الحياة، يتراجع حضور المؤلفات التي تدعو إلى الشك المنهجي والتأمل العميق ومساءلة الواقع بكل تعقيداته التاريخية والاجتماعية والوجودية، وتكشف هذه المفارقة عن أزمة أوسع ترتبط بمكانة الفكر النقدي داخل مجتمع يسعى إلى الحداثة، لكنه لا يمتلك دائماً الأدوات الفكرية الضرورية لفهمها وممارستها، الأمر الذي يطرح تساؤلاً أساسياً حول طبيعة القراءة السائدة: هل يتعلق الأمر بازدهار كمي في الإنتاج الكتابي، أم بانحسار نوعي في القدرة على التفكير المستقل؟
ويزداد هذا السؤال إلحاحاً عندما يفضل القارئ الكتب التي تمنحه شعوراً سريعاً بالطمأنينة على المؤلفات التي تضعه أمام أسئلة صعبة وتدفعه إلى مواجهة تناقضاته الفردية والجماعية، لذلك تتجاوز هذه الإشكالية حدود سوق النشر لتحاكي منظومة التعليم والإعلام والذوق العام، وتستدعي قراءة نقدية تبحث في جذور الظاهرة ونتائجها والسبل الممكنة لمعالجتها.
ما مستقبل من يقرأ هدا النوع من الكتب الضعيفة؟
ينتشر في الأسواق المغربية سيل واسع من كتب التنمية البشرية الفاشلة والروايات الباهتة التي تحقق حضوراً لافتاً بفضل عناوينها الجذابة ووعودها المبسطة، إلى جانب ترجمات عالمية حققت رواجاً كبيراً، وتستجيب هذه الكتب لرغبة واسعة لدى فئات من القراء في الحصول على حلول سريعة لمشكلات معقدة دون الدخول في مسارات طويلة من البحث والتفكير، كما تقدم بعض هذه الأعمال خطاباً يركز على تطوير الذات وتغيير الأفكار والسلوك الفردي، وهو خطاب يجد قبولاً لأنه يمنح القارئ إحساساً بإمكانية التحكم في مستقبله، بينما يغفل تأثير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في تشكيل تجارب الأفراد، وتبرز كذلك روايات خفيفة ومؤلفات نفسية شعبية على واجهات المعارض والبسطات، بينما تتراجع المؤلفات الفلسفية و الأدبية العريقة التي تحتاج إلى قراءة متأنية ومراجعة للمسلمات، وبذلك يتسع حضور القراءة الاستهلاكية التي تمنح إجابات سريعة، على حساب القراءة التي تدرب العقل على التحليل والشك والمقارنة.
ويبرز تراجع حضور عدد من المفكرين المغاربة الذين أسسوا مشاريع فكرية كبرى تقوم على إعمال العقل ومساءلة التراث والحداثة، ومن أبرزهم عبد الله العروي من خلال مؤلفات مثل”الأيديولوجيا العربية المعاصرة” و”مفهوم الدولة” و”مفهوم الحرية” وّمفهوم العقل”، ومحمد عابد الجابري عبر مشروع “نقد العقل العربي” الذي يضم “تكوين العقل العربي” و”بنية العقل العربي” و”العقل السياسي العربي”، كما قدم العروي في أعماله أسئلة عميقة حول التأخر التاريخي وضرورة استيعاب الحداثة باعتبارها مشروعاً متكاملاً، ودعا إلى اعتماد المنهج التاريخاني في قراءة التحولات الفكرية والاجتماعية، بينما اشتغل الجابري على تفكيك آليات العقل العربي في مستوياتها المعرفية والسياسية والأخلاقية، كاشفاً عن بنيات معرفية تؤثر في طريقة إنتاج الأفكار وفهم الواقع، وأسهمت فاطمة المرنيسي بدورها في هذا المسار النقدي من خلال دراساتها التي تناولت صورة المرأة والحريم في الثقافة الإسلامية، ودعت إلى قراءة تاريخية تتجاوز الصور النمطية والأحكام الجاهزة، غير أن هذه المشاريع الفكرية العميقة تواجه حضوراً أقل في السوق مقارنة بالعناوين التجارية الرائجة، الأمر الذي يحرم شرائح من القراء الشباب من الاحتكاك بنصوص تدربهم على القراءة المركبة والتأويل والمقارنة، ويدفع الفكر النقدي تدريجياً نحو موقع نخبوي بدلاً من جعله أداة عامة لفهم المجتمع وتفكيك قضاياه.
هل هناك سياسة خفية وراء انتشار هذه الكتب؟
يفرض سوق النشر المغربي منطقه الاقتصادي على عملية إنتاج الكتب وتوزيعها، فتتجه بعض دور النشر إلى العناوين التي تضمن مبيعات سريعة ودورة مالية قصيرة، بينما تواجه المشاريع الفكرية الجادة صعوبات أكبر بسبب حاجتها إلى جمهور متخصص ووقت أطول للوصول إلى القراء، كما يؤدي ارتفاع تكاليف الورق والطباعة والتوزيع إلى زيادة حذر الناشرين في اختيار الأعمال التي تستحق الاستثمار، فيميل بعضهم إلى المؤلفات القادرة على تحقيق مبيعات مرتفعة خلال المعارض والمواسم الثقافية، وتشير تقارير ومتابعات قطاع النشر إلى حضور قوي للإنتاج الأدبي والروائي مقابل محدودية نسبية في الدراسات الفلسفية والفكرية، كما تضر القرصنة وانتشار النسخ غير القانونية بالناشرين والمؤلفين، وتقلل من العائدات التي يمكن أن تشجع على إعادة طبع الأعمال الفكرية ذات القيمة، وتراجع حضور مؤلفات العروي والجابري والمرنيسي و محمد سبيلا و المهدي المنجرة في الواجهات الأمامية للمكتبات لصالح كتب تحمل أغلفة جذابة ووعوداً بتغيير الحياة خلال أسابيع قليلة، فيحرم القارئ العادي من فرصة اكتشاف مؤلفات قادرة على بناء وعي نقدي طويل الأمد، ويصبح الإنتاج الفكري الجاد مرتبطاً بظروف اقتصادية وثقافية صعبة تهدد استمرارية المشاريع التي تحتاج إلى نفس طويل ورؤية بعيدة المدى.
هل توجد مراقبة لهذه الكتب الرديئة؟
ويدعو الواقع الثقافي المغربي إلى إعادة الاعتبار للمؤلفات التي تبني الفكر وتوسع آفاق المعرفة، وذلك عبر تطوير سياسات النشر والتوزيع والتعليم بما يعيد للكتاب الجاد مكانته داخل الحياة الثقافية، ويحتاج هذا المسار إلى دعم دور النشر الصغيرة التي تستثمر في الأعمال الفكرية والفلسفية والتاريخية، وإلى تعزيز حضور المكتبات العامة التي تستطيع تقريب هذه النصوص من القراء ووضعها في أماكن بارزة، كما يتطلب إصلاح المناهج التعليمية بصورة تجعل القراءة النقدية جزءاً أساسياً من التكوين، فيتدرب التلميذ والطالب على التعامل مع النصوص المركبة ومناقشة الأفكار وتحليل الحجج بدلاً من الاكتفاء بحفظ الملخصات، ويمكن للمنصات الرقمية والإعلام الثقافي أن يسهما في التعريف بمشاريع العروي والجابري والمرنيسي وغيرهم، بالطريقة نفسها التي تحظى بها الكتب التجارية الرائجة، كما تستطيع نوادي القراءة واللقاءات الفكرية والجامعات والمراكز الثقافية خلق فضاءات للحوار حول المؤلفات التي تحتاج إلى نقاش جماعي، وتظل مسؤولية القارئ حاضرة أيضاً في اختيار الكتب التي تضيف إلى معرفته وتوسع قدرته على التفكير، لأن مواجهة الأزمة لا تتطلب إقصاء كتب التنمية الذاتية أو الروايات الخفيفة، وإنما تحتاج إلى تحقيق توازن يمنح الفكر النقدي موقعاً لائقاً داخل المشهد الثقافي.
من المسؤول عن تدفق هذه الكتب؟
ويؤكد هذا الواقع أن مستقبل الثقافة المغربية يرتبط بقدرتها على تحقيق توازن بين الكتاب الذي يمنح القارئ متعة القراءة والكتاب الذي يدفعه إلى التفكير ومراجعة أفكاره ومواقفه، فالقراءة لا ينبغي أن تتحول إلى استهلاك سريع للعناوين الأكثر انتشاراً، وإنما يفترض أن تشكل وسيلة لبناء شخصية قادرة على السؤال والتحليل والتمييز بين الرأي والحجة، ويظل الفكر النقدي ضرورياً لأي مجتمع يريد فهم تحولات عصره ومواجهة تحدياته بعيداً عن التبسيط والأحكام الجاهزة، كما أن إحياء حضور المؤلفات الفكرية لا يقع على عاتق الناشرين وحدهم، لأنه يشمل المؤسسات التعليمية والإعلام الثقافي والمكتبات والجامعات والقراء أنفسهم، ويستوجب هذا المسار توفير بيئة تشجع على النقاش والاختلاف والبحث الحر، لأن المجتمع الذي يقرأ فقط من أجل الحصول على إجابات سريعة قد يجد نفسه عاجزاً عن التعامل مع الأسئلة الكبرى التي تفرضها التحولات الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية، بينما يستطيع المجتمع الذي يقرأ من أجل الفهم والمساءلة أن يطور قدرة أكبر على بناء رؤيته الخاصة، ولذلك يبقى الكتاب الذي يدعو إلى إعمال العقل ومواجهة الأسئلة الصعبة ضرورة ثقافية وليست ترفاً، إذا كان الهدف هو بناء مجتمع مغربي يمتلك أدوات فهم ذاته وقراءة تاريخه والتفاعل الواعي مع العالم من حوله.
#الكتب_الفلسفية #الكتب_النقدية #الثقافة_المغربية #المشهد_الثقافي_المغربي #الفكر_النقدي #القراءة #سوق_الكتب #النشر_المغربي #عبدالله_العروي #محمد_عابد_الجابري #فاطمة_المرنيسي #عبدالرحيم_الشافعي #صحيفة_الناقد_الجديد











Leave a Reply