كيف يمكن لسينما بصرية في جوهرها أن تنقل ما يتجاوز الرؤية؟ كيف يستعيد صانعو الأفلام المنتمون إلى ثقافات مهاجرة أو مشتتة أو ما بعد استعمارية ذاكرة تحتمي خارج الأرشيف الرسمي وتتجاوز الصورة الواضحة، لتستقر في الجلد والرائحة واللمس والطعم؟ وكيف ينقلب الفيلم نفسه إلى غشاء حي، إلى جلد يتلامس مع جسد المشاهد ويعيد رسم علاقته بالعالم؟
“جلد الفيلم: السينما البينثقافية، التجسيد، والحواس” للمنظّرة الأميركية لورا يو. ماركس، دراسة رائدة أعادت تشكيل نقاشات نظرية السينما المعاصرة، وفتحت آفاقًا جديدة في فهم العلاقة بين الفيلم والجسد والذاكرة.
تنطلق ماركس من ملاحظة جوهرية مؤثرة: في ظل الهيمنة البصرية الغربية التي تعلي من شأن الرؤية الواضحة والتمثيل الموضوعي، تواجه السينما البينثقافية، أي تلك الأعمال التي ينتجها فنانون يعيشون بين ثقافتين أو أكثر، غالبًا في سياق الشتات أو الهجرة، فراغًا تاريخيًا ومعرفيًا عميقًا. التاريخ الرسمي قد محا أو شوّه ذاكرتهم، والأرشيف البصري غالبًا ما يظل غائبًا أو مشوهًا. لذا يلجأ هؤلاء الفنانون إلى استراتيجيات حسية بديلة: يستحضرون الذاكرة عبر الأشياء، وعبر اللمس، وعبر الحواس التي تُعتبر ثانوية في التراتبية الحسية الغربية.
بقراءة صبورة عميقة لكتاب ماركس، ننكشف على حقيقة أن السينما البينثقافية لا تسرد حكايات فحسب، لأنها تستحضر أجسادًا مهجورة، وتوقظ حواسًا منومة، وتجبّر الآلام المدفونة
تعتمد ماركس على أسس فلسفية وجمالية متينة لبناء نظريتها. تستلهم من فلسفة جيل دولوز، خاصة نظريته في التحول من صورة-الحركة إلى صورة-الزمن، وترتبطها بتجربة الشتات والهجرة. كما تستند إلى الفينومينولوجيا الجسدية عند موريس ميرلو-بونتي، وإلى مفاهيم من الأنثروبولوجيا المعرفية والنظرية ما بعد الاستعمارية. من هذا المزيج الثري تولد فكرتها الرئيسية: الرؤية اللمسية.
وتعد الرؤية اللمسية طريقة جذرية في المشاهدة تجعل العين تلمس الصورة بدلًا من أن تسيطر عليها من مسافة آمنة. إنها رؤية تستحضر ذكريات جسدية وثقافية عميقة، وتحول المشاهد من متفرج سلبي إلى مشارك فاعل في استعادة الذاكرة. الكتاب، بهذا المعنى، هو دعوة فنية وسياسية لإعادة التفكير في السينما كتجربة جسدية متعددة الحواس، وكأداة حيوية لاستعادة ما فقدته الذاكرة الجماعية في سياقات الشتات والهجرة والمنفى.
تؤكد ماركس أن الصور في السينما البينثقافية لا تقتصر على كونها تمثيلات بصرية، فهي في الحقيقة مواقع للتنقيب الأركيولوجي في الذاكرة. عندما تعجز الثقافة المهيمنة عن توفير سرد خطي واضح، تتحول الصورة إلى فضاء ينضح الزمن عبره، ويُعاد فيه تشكيل الماضي بشكل متجزئ وناقص، فتغطي الفجوات التي تركها التاريخ الرسمي. بهذا تصير الصورة أثرًا أعمق من كونها دليلًا، وذاكرة الصورة تتشكل من الفجوات والصمت.
تنتقل ماركس من الصورة إلى الشيء المادي كناقل للذاكرة الحية. الأشياء في السينما البينثقافية لا تنحصر في كونها ديكورات عابرة، فهي في الواقع أشياء استذكار تحتفظ بآثار أحداث طواها النسيان. ساري حريري ترتديه الأم، طبق طعام من الطفولة، أدوات يومية متآكلة، كل هذه تشكل جسورًا عابرة بين الماضي والحاضر، وبين الوطن والمكان الجديد. الأشياء غالبًا ما تظهر ناقصة أو مشوهة، تمامًا كما الذاكرة ذاتها، وهذا بالذات يضاعف قدرتها على استثارة الحواس بأسلوب يفوق تقديم سرد منتظم.
هذا يشكل جوهر النظرية في الكتاب، إذ تستعرض ماركس مفهومها الأشهر والأكثر شجاعة. على نقيض الرؤية البصرية التقليدية التي تسيطر على المسافة والوضوح والهوية، تغيّر الرؤية اللمسية من طبيعة نظر العين، فتجعلها تلامس سطح الصورة بدلًا من السيطرة عليها، فتستحضر ذكريات اللمس والجلد والملمس. اللقطات المقربة جدًا، والصور الحبيبية الضبابية، والانتقالات المتئدة، والتركيز على الأسطح الحسية، كل هذا يحول العين إلى أداة لمس. بهذا التحول يصير الفيلم ذاته جلدًا يتلامس مع جلد المشاهد، ويبني تجربة تعاطف جسداني تتخطى الحدود الكلاسيكية للتمثيل البصري.
كتاب “جلد الفيلم” دعوة غير مسبوقة لإعادة صياغة العلاقة بين السينما والجسد، بين الثقافة والحاسة، بين الفن والذاكرة
وتركز ماركس على أن هذه الاستراتيجية الحسية تحمل دلالة سياسية عميقة يستحيل التغاضي عنها. فهي تمثل مقاومة مباشرة للهيمنة البصرية الاستعمارية التي اختزلت الثقافات الأخرى إلى مشاهد للاستهلاك البصري، إلى موضوعات مسلوبة الفاعلية. في تناقض صارخ مع الصورة الاستعمارية التي تدّعي الموضوعية والشمولية، تعترف السينما البينثقافية بحدود الصورة ونقصانها، وتستعيد للجسد المهاجر أو المنفي قوته في الوصول إلى ذاكرته الحسية بأساليب تتجاوز مألوف التمثيل البصري.
وتكتشف ماركس في الاستراتيجيات الحسية البديلة بصيص أمل، وإمكانية لعودة علاقة معاشة بالعالم، علاقة جسدية فورية تسبق التجريد والتنظير. الرائحة والطعم والملمس، هذه الحواس التي تنتمي إلى القرب والحميمية، تقاوم من طبيعتها التجريد والسيطرة. في أعمال الشتات، يتحول الطعام والرائحة إلى وسائط حقيقية لاسترجاع الوطن المفقود عميقًا داخل الجسد نفسه، وهكذا ينقلب المستشعر الجسداني إلى أرشيف يحمله المهاجر في عمق أنسجته أينما تاه.
وتتسع حجج ماركس لتشمل الحواس الأخرى، مثل الشم والتذوق والسمع والإحساس بالحركة، وتطرح فكرة محورية تمامًا: أن الذاكرة الثقافية في سياق الشتات تتجمع في المادة اليومية التي تلمس الجسد وتجعل الحواس المهملة تستيقظ. فالطعم والرائحة، تحديدًا، يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالذاكرة الوجدانية والثقافية. كلاهما حواس تعيش قريبًا من الجسد، محصنة من التجريد، عصية على الاختزال المباشر. عندما يستحضر الفيلم رائحة طعام الطفولة أو طعم لغة مندثرة، يثير الحواس عبر تركيبة من الصورة والصوت والإيقاع. وهكذا تنبثق السينما البينثقافية كمستشعر يُحمل: أرشيف جسداني حي يصطحبه المشاهد معه، يعيد إنعاش إمكانيات الذاكرة الحسية، ويعيد نحت علاقته بوطنه الضائع وموروثه الثقافي.

ولعل ما يرفع نظرية لورا يو. ماركس فوق التنظير المعتاد أنها لا تترك السينما معلقة في فراغ، وإنما تثبتها في الحياة الجسدية الملموسة للمشاهدين والفنانين. السينما البينثقافية، برؤيتها، تشكل ممارسة حية تنفجر من حاجة صادقة: حاجة أولئك الذين مزقتهم الهجرة عن وطنهم أو أفقدتهم ثقافتهم إلى استرجاعها بطرق مبتكرة وشجاعة.
ويبرز كتاب “جلد الفيلم” دعوة غير مسبوقة لإعادة صياغة العلاقة بين السينما والجسد، بين الثقافة والحاسة، بين الفن والذاكرة. لا يطالب المشاهد بأن يستهلك الفيلم عبر العقل وحده، وإنما يستحضره ليشهد بجسده بأكمله، بجلده وشمّه ورطوبة لسانه وسمعه وانقباض عضلاته. وهذا تنبيه مؤثر للعودة إلى علاقة أكثر أصالة بالفن، علاقة لم تُشوّه بعد الانقسام الديكارتي الكاذب بين العقل والجسد، بين التفكر والإحساس.
ويبرز عند انتهائنا من قراءة “جلد الفيلم” أن لورا يو. ماركس نسجت مشروعًا فلسفيًا وسياسيًا عميق التكامل، مشروعًا ينقّح الحكم الظالم على الحواس التي أهانها الفكر الغربي الحديث، ويشق طريقًا جديدًا يفهمنا كيف يمكن للفن أن يسترجع ما اختلسه النسيان في عالم الشتات والعولمة والاغتراب. وأن الفيلم ليس نافذة نطل من خلالها على كون بعيد، إنه غشاء حي نمسه بكل ما فينا من حياة. والمشاهد يقف عند حافة عملية تذكر جماعية؛
هكذا، بقراءة صبورة عميقة لكتاب ماركس، ننكشف على حقيقة أن السينما البينثقافية لا تسرد حكايات فحسب، لأنها تستحضر أجسادًا مهجورة، وتوقظ حواسًا منومة، وتجبّر الآلام المدفونة. وفي عصر يتآمر على الاندماج القسري والنسيان الجماعي، تبقى هذه السينما، بلحمها الحساس وجلدها النابض، شاهدًا حيًا على تلك الذاكرة التي ترفض بعناد أن تستسلم للموت.
#صحيفة_الناقد_الجديد #لورا_ماركس #جلد_الفيلم #كتاب_جلد_الفيلم #النقد_السينمائي #نظرية_السينما #السينما_والجسد #السينما_والحواس #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_السينمائي_المغربي








Leave a Reply