المخرجة المغربية صفاء بركة تكشف في هذا الحوار كواليس اخر أعمالها وتتحدث عن خبايا الانكسار العائلي كدراما رمضانية عائلية.
تعود المخرجة المغربية صفاء بركة إلى الشاشة الصغيرة بعمل جريء يجمع التشويق البوليسي بالعمق الإنساني الخام، إذ تحمل السلسلة عنوان “شكون كان يقول” ويغوص في أعماق التهميش الاجتماعي، العنف الأسري، والصراع النفسي الذي تعيشه ثلاث نساء نشأن في ظل مؤسسة خيرية. وتراهن صفاء على لغة واقعية صلبة تخاطب الأسرة المغربية دون مساحيق ولا تجميل، وتضع المرأة في قلب الرواية لتكون مرآة لمجتمع بأكمله.
وتؤكد صفاء بركة أن مسلسل “شكون كان يقول” يمثّل أكثر من عمل درامي جديد؛ لأنه نقطة تحول ناضجة في مسيرتها الإخراجيةـ إذ تسعى من خلاله إلى تقديم قصة قريبة جداً من نبض الشارع المغربي، تبرز تفاصيل الحياة اليومية بكل صدقها وخشونتها وتناقضاتها، بعيداً عن أي محاولة لتلميع الواقع أو تقديمه بشكل مثالي. وترى في كل تجربة فنية مسؤولية أخلاقية وفنية كبيرة، لأن التلفزيون بحسب رأيها لا يزال أقوى وسيلة لتشكيل الوعي الجماعي وتوجيه الحوار المجتمعي، في حين تضع نصب عينيها دائماً أن تكون الرسائل التي يحملها العمل مدروسة بعناية، مؤثرة إيجاباً، وقادرة على فتح نقاش حقيقي داخل البيوت المغربية.
ويتميّز المسلسل بجرعة تشويق بوليسية غير مسبوقة في أعمال صفاء بركة السابقة، إذ ينطلق من وقوع جريمة غامضة في الحلقات الأولى، ثم يبدأ تحقيق معقد يكشف تدريجياً أن كل شخصية بغض النظر عن عمرها أو وضعها الاجتماعي أو مكانتها، وتحمل دافعاً محتملاً لارتكاب الفعل. ويجمع العمل بين بناء التشويق السردي والصوري وبين الغوص العميق في الطبقات النفسية للشخصيات، خاصة النسائية منها. ويبتعد تماماً عن تقديم نماذج مثالية أو بطولات مبالغ فيها، مفضلاً تقديم نساء حقيقيات يصارعن تناقضات داخلية وخارجية، يخطئن، يتألمن، يقاومن أو يستسلمن.
وتضع المخرجة المرأة في مركز الحكاية لأسباب عميقة وواعية، وتعتبرها نواة الأسرة ومرآة المجتمع؛ فحين نروي قصتها بصدق نروي في الواقع قصة المجتمع بكل تعقيداته، بينما تنحاز صفاء بركة إلى قضايا المرأة ليس انطلاقاً من عاطفة عمياء، وإنما من إيمان راسخ بمسؤولية الفنان عن إعطاء صوت لمن يُهمش أو يُسكت. وتسعى إلى فضح التحديات النفسية والاجتماعية واليومية التي تواجهها المرأة المغربية: الضغوط الأسرية، النظرة المجتمعية، الصراع بين الرغبة في الاستقلال والخوف من الرفض، الشعور بالذنب المزمن، والتناقض بين ما تُريد أن تكونه وما يُفرض عليها أن تكونه.
ويتبع العمل ثلاث مسارات درامية متوازية لثلاث شابات: مروة، أسماء، وسناء. نشأن جميعاً داخل جدران مؤسسة خيرية، ثم خرجن إلى عالم قاسٍ يفرض عليهن اختيارات حاسمة، فتختار مروة أن تطوي صفحة الماضي الأليم بإرادة حديدية وتبني مستقبلاً بيدها، بينما تتمرد أسماء على دور الضحية وتسعى للسيطرة على حياتها مهما كان الثمن. أما سناء فتبقى عالقة في دور المفعول بها، تتلقى الأحداث دون أن تقودها، بينما تظل الأخرى أسيرة هوية اليتيمة والضحية، يسحبها الماضي إلى الوراء كلما حاولت التقدم. وتتعدد المسارات لتُظهر أن الظروف المتشابهة لا تُنتج بالضرورة مصائر متشابهة؛ الفرق يكمن في الوعي، في الشجاعة الداخلية، في القدرة على اتخاذ القرار وتحمّل نتائجه.
ويؤكد المسلسل رسالة جوهرية: كل إنسان مسؤول في نهاية المطاف عن حياته وعن اختياراته، حين يرفض فكرة أن الماضي أو الظروف هي الحكم النهائي على مصير الإنسان، بينما يبرز أن الألم يمكن أن يتحول إلى وقود للتغيير عوض أن يبقى قيداً يُكبل صاحبه. ويمجّد الشخص الذي يرفض أن يُعلّق فشله على شماعة الطفولة الصعبة أو الظلم الاجتماعي، ويمنح الأمل لمن يملك الإرادة الكافية لإعادة كتابة قصته بيده، حتى لو بدأ من نقطة الصفر.

Winter Fashion Women’s Coat 2025 Hooded Zipper Ladies Jacket
السعر الآن: MAD 207.85 (السعر الأصلي: MAD 243.00)
اشتري الآنويجمع العمل بين طاقات شابة وخبرات مخضرمة ليخلق ديناميكية خاصة أمام الكاميرا. يعتمد على فريق كتابة ثابت أثبت نجاحه على مدى سنوات، لأن الثقة والانسجام بحسب بركة ـ أغلى ما يمكن أن يملكه أي مشروع فني. وتمنح أدواراً محورية لثلاث ممثلات: ابتسام لعروسي التي تجمعها بها شراكة فنية طويلة وثقة مطلقة في قدرتها على التقمّص العميق، فرح الفاسي التي فاجأتها باجتهادها الاستثنائي وشغفها الذي لا ينضب واقتراحاتها الدائمة التي أثرت الشخصية، ووسيمة الميل التي قدمت، رغم أنها معروفة أساساً كمغنية، أداءً درامياً مدهشاً ومفاجئاً في شخصية أسماء، مؤكدة أن الموهبة الحقيقية تتجاوز التخصص الواحد حين تلتقي بالعمل الجاد.
ويتعمد العمل مواجهة مواضيع حساسة كالعنف الأسري، الإهمال، التهميش الاجتماعي، والصدمات النفسية المتراكمة دون خوف من إثارة الجدل، بينما ترفض صفاء فكرة أن تجاهل هذه الظواهر يمحو وجودها. وتسعى إلى معالجتها بمسؤولية فنية عالية: طرح إنساني يحترم كرامة المتلقي، يبتعد عن الاستغلال الدرامي الرخيص، ويفتح باب النقاش بدلاً من إغلاقه، والهدف ليس الصدمة بحد ذاتها، وإنما إيقاظ الوعي ودفع المجتمع للتأمل في أسباب هذه الظواهر وسبل مواجهتها.
وتختتم صفاء بركة حديثها بطموح واضح: أن يجد المشاهد نفسه داخل العمل، أن يشعر أن القصة تتحدث عنه أو عن أحبائه، أن يخرج من المشاهدة وقد أُضيف إلى وعيه شيء حقيقي. وتراهن كل الرهان على الصدق كسلاح وحيد قادر على اختراق القلب والعقل معاً. وتأمل أن يُسجّل “شكون كان يقول” خطوة نوعية في مسار الدراما المغربية المعاصرة، ودراما تتجرأ على أن تكون صادقة حتى لو كانت مؤلمة.
المصدر: الناقد الجديد

لمن يرغب في الشراكة والاستثمار في الدعاية والإشهار عبر منصة الناقد الجديد المتخصصة في السينما والفنون والثقافة.
يمكنكم الاطلاع على تفاصيل الفرص عبر صفحة الرعاية والشركاء .













Leave a Reply