تفتتح الفنانة التشكيلية ملاك تاغي، ابنة الواحد وعشرين ربيعاً، فصلاً جديداً في المشهد الفني المعاصر، كونها لا تكتفي برسم اللوحات بل تعيد صياغة مفهوم “المقاومة بالجمال”، فتنطلق ملاك من رؤية فلسفية ترى في الفن أداة للتحرر الفكري والنفسي، محولةً تجربتها الشخصية من مجرد موهبة شابة إلى مشروع فني متكامل يرتكز على “سيكولوجية النجاح” والتمكين الذاتي. فمنذ انطلاقتها الأولى عام 2021 وصولاً إلى نضجها الراهن في عام 2026، استطاعت بناء ركيزة صلبة مكنتها من فهم أدواتها بشكل أعمق وإدارة مسارها بذكاء وحكمة، متجاوزةً العفوية البدائية نحو تخطيط استراتيجي يجعل من كل لوحة رسالة.



وتستحضر ملاك في ذاكرتها بداياتها التي لم تكن مفروشة بالورود، حين واجهت تحدياً أسرياً جوهرياً تمثل في رفض والدها القاطع لدخولها المجال الفني في البداية، وهو موقف كلاسيكي يواجه العديد من المبدعات في مسيرتهن نحو تحقيق الذاتـ إذ واجهت ملاك هذا الصدام باستراتيجية نفسية ذكية تعتمد على لغة الإنجاز بدلاً من الجدل العقيم، مؤمنةً بأن العمل الملموس والنتائج الواقعية هي السبيل الوحيد لفرض الذات وإقناع المحيط بجدوى شغفها. واعتمدت في سبيل ذلك على مبدأ الاستقلال المادي والتمويل الشخصي، حيث كانت توفر ميزانية أدواتها ولوحاتها من جهدها الخاص بالتوازي مع مسارها الدراسي، وهذا صقل جوهرها النفسي وجعلها تتقوى من الداخل في مواجهة تقلبات الحياة، محولةً الرفض إلى وقود للاستمرار.


وتُبرز أعمال ملاك تاغي حرصاً شديداً منذ البدايات على حضور البصمة الأنثوية في كل موضوع تتناوله، فهي تسعى لاستعادة صورة الأنثى مرهفة الإحساس التي كادت تتلاشى في ظل هيمنة الماديات وتسارع العصر الرقمي. وتحمل لوحاتها رسالة فلسفية تعيد الاعتبار للرقة، والمشاعر الجميله، والحس الأنثوي المفقود، محاولةً من خلال ألوانها ومواضيعها أن تكون صوتاً بصرياً لتلك الأنثى التي بدأت ملامحها تندثر مع مرور الوقت وضغوط النمطية الاجتماعية. هي الريشة بصيغة أنثى التي تتكلم بلغة الوجدان، محاولةً الحفاظ على جوهر الأنوثة كقيمة جمالية وروحية تأبى أن تكون مجرد سلعة أو رقم عابر.
وتُجدد الفنانة الشابة تقنيات اشتغالها باستمرار، موازنةً ببراعة نادرة بين استخدام الريشة وسحر الفحم، وبين هويتها المهنية كمصممة أزياء وممارستها الإبداعية كفنانة تشكيلية، ليخلق نوعاً من التلاقح الفني بين القماش واللوحة. وتُدين ملاك في هذا التميز والتكوين الرصين لأساتذة عمالقة أمثال الأستاذ حسن أبو حفص والأستاذ كطبان، الذين ترعرعت فنياً على أيديهم واستلهمت من خبراتهم ما زادها فخراً واعتزازاً بهويتها المغربية. فهؤلاء الأساتذة لم يمنحوها التقنية فحسب، لانهم غرسوا فيها احترام المهنة والبحث الدائم عن التجديد.
وتطمح ملاك تاغي اليوم إلى بناء قاعدة جماهيرية واسعة وترسيخ اسمها كعلامة فارقة في الساحة الفنية كموهبة صاعدة، رافعةً راية بلادها في المعارض الوطنية بكل تواضع وشموخ يعكسان ثقتها في مشروعها. وتظل وفية للريشة والقلم، حريصةً على تقديم إصدارات فنية تليق بذائقة الجمهور المغربي وتنافس المحترفين، مؤكدة من خلال كل عمل جديد أن مسيرتها هي رحلة مستمرة من الوفاء للفن وللذات الأنثوية المبدعة التي ترفض الانكسار مهما بلغت التحديات، لتبقى ملاك تاغي قصة نجاح تُكتب بالألوان والإصرار.



المصدر: الناقد الجديد













Leave a Reply