هيئة التحرير
تُشكّل أزمة فيلم “سفاح التجمع” واحدة من أبرز الفضائح الإدارية والفنية التي شهدتها السينما المصرية في السنوات الأخيرة، إذ يجمع الحدث بين تناقض صارخ في موقف الجهاز الرقابي، ورد فعل حاد من صانع العمل، وتفاعل واسع من الجمهور والنقاد، بينما يبدأ الأمر بفيلم طموح يستلهم قضية حقيقية شغلت الرأي العام لسنوات، ويحاول الغوص في أعماق النفس البشرية المظلمة، ثم يتحول فجأة إلى ضحية لقرار رقابي متأرجح بين السماح والمنع.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن الجهاز نفسه منح الفيلم الضوء الأخضر بعد جلستي مشاهدة رسميتين مطولتين، وأصدر تصريحًا نهائيًا بالعرض، ليعود بعد ساعات قليلة فقط من بدء العروض ليسحب العمل ويوقفه تمامًا، في حين يترك هذا التراجع انطباعًا قويًا بأن القرار مبني على ضغوط خارجية متأخرة أو حساسية مفاجئة تجاه الموضوع، إذ يصبح السؤال المركزي هنا: كيف يمكن لمؤسسة رقابية أن تمنح ترخيصًا نهائيًا ثم تعلنه باطلاً بعد أن بدأ الجمهور يشاهد ويدفع؟
ويُجيز جهاز الرقابة على المصنفات الفنية الفيلم رسميًا بعد إجراء جلستي مشاهدة كاملتين للنسخة النهائية المصورة، ويُصدر تصريحًا نهائيًا يسمح بعرضه في دور السينما دون أي تحفظات معلنة. يمر الفيلم بمراحل المراجعة والمطابقة المعتادة، ويُطلب من صُنّاعه تعديل بعض الملاحظات التي يقومون بتنفيذها بالكامل قبل إصدار الترخيص، ويُعتبر هذا الإجراء وفقًا للقواعد المعمول بها خطوة نهائية لا رجعة فيها، إذ يتحمل الجهاز الرقابي المسؤولية الكاملة عن المحتوى الذي يجيزه.
ويبدأ العمل عرضه في صالات السينما ليلة وقفة عيد الفطر 2026، ويحقق إيرادات ملحوظة في ساعاته الأولى رغم المنافسة الشديدة في موسم العيد، كما يتفاعل الجمهور معه بشكل إيجابي نسبيًا، وتبدأ بعض التعليقات النقدية الأولية في الظهور على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم يستمر هذا الوضع لفترة قصيرة جدًا قبل أن يصدر قرار مفاجئ بإيقاف العرض وسحب الفيلم من جميع الصالات دون سابق إنذار واضح للجمهور أو لصُنّاع العمل، وهذا يترك هذا التطور انطباعًا بأن هناك خللاً جوهريًا في آلية اتخاذ القرار داخل الجهاز، أو أن عوامل خارجية تدخلت بعد بدء العرض.
ويُبرر جهاز الرقابة قراره بعدم التزام النسخة المعروضة بالسيناريو والحوار المجازين رقابيًا، مدعيًا وجود مشاهد وأحداث لم تُقدَّم في النص الأصلي أو في النسخة التي تمت مراجعتها. ويُضيف أن الفيلم تضمن مشاهد عنف حاد وقسوة تُعتبر مخالفة لشروط الترخيص والتصنيف العمري المحدد، كما يُطالب الجهاز جهة الإنتاج بحذف تلك المشاهد وإعادة تقديم النسخة المعدلة للمراجعة من جديد قبل السماح باستئناف العرض، بينما يبدو هذا التبرير على السطح منطقيًا من منظور رقابي تقليدي، لكنه ينهار عند التدقيق في التسلسل الزمني للأحداث، كما يُثبت محمد صلاح العزب بصفته مؤلفًا ومخرجًا أن النسخة التي عُرضت هي نفس النسخة التي شاهدتها الرقابة مرتين وأجازتها نهائيًا، وأن أي تعديلات مطلوبة كانت قد أُنجزت مسبقًا، ويُشير إلى أن الرجوع إلى السيناريو المكتوب بعد منح التصريح النهائي يُعد إدانة للجهاز نفسه وليس لصُنّاع الفيلم.
ويهاجم محمد صلاح العزب الرقابة بهجوم مباشر وصريح، ويصف ما حدث بأنه اغتيال الفيلم بنجاح أو إجهاض متعمد لجهد سنوات، ويوجه سؤالاً لاذعاً لمسؤولي الجهاز: طلعتوا التصريح النهائي ليه؟، مؤكدًا أن المسؤولية الرقابية تقع عليهم حصريًا بعد إصدار الترخيص الرسمي، كما يُبرز أن المبدع يمارس حريته الإبداعية ضمن الحدود التي يحددها الرقيب، وأن الرقيب هو من يملك أدوات الرفض أو القبول الكامل، ويُشدد على أن أي خلاف في وجهات النظر يجب أن يُحترم، لكن المنع المفاجئ والتنصل من المسؤولية يُعيد المشهد الفني عقودًا إلى الوراء.
ويبين الحدث برمته معضلة أعمق تتجاوز فيلم “سفاح التجمع” نفسه، وتتعلق بمستقبل السينما المصرية الطموحة التي تحاول تناول مواضيع جريئة ومعقدة، إذ تُثير الأزمة تساؤلات حول مدى قدرة النظام الرقابي على مواكبة تطور اللغة السينمائية والتوقعات الجماهيرية في عصر المنصات الرقمية. تُبقي حالة عدم اليقين حول مصير الفيلم. فهل يعود كما هو؟ أم يُقدم بعد تعديلات تُفقده جرأته وهويته؟ سؤالاً مفتوحاً ينتظره الجمهور والوسط الفني بقلق وترقب.
#سفاح_التجمع #أزمة_الرقابة #السينما_المصرية #الناقد_الجديد
























Leave a Reply