ليس كل كلام ثرثرة، وليست كل ثرثرة فارغة. في الصفحة الخامسة والسبعين من “هايش مايش”، يعترف الراوي بأن فيه بلابلة أي أنه كثير الكلام لكنه يُصرّ في الوقت ذاته على أن هذا الكلام المتدفق لا يُسقط ما في العروق من عرق الرجولة الحقيقية. ,هذا التوتر بين الثرثار الظاهر والصامد الباطن هو ما يجعل هذا المقطع من أكثر لحظات الرواية صدقًا وعمقًا.
“راكم عارفين العرب إلا ما كان فيهم شي علة تيكون فيهم العصاب والمعدة هشيشة… أنا فيا البلابلة… تخراج العينين ولكن بلا هوانا فينا عرق تاع الرجولة… حنا ما تانرضاوش… علاش حيت هاد الدنيا ما عطاتنا والو إيلا النفس… والنفس هي الروح… وحنا إلا تنازلنا على الروح هي تنازلنا على الحياة… وما فيا ما نموت دابا ألور كو نقدر نربح فالتيرسي… يطيح قدامي شي بزطام… ولا نلقا شي مرا تزعط فيا وتصوفيني… الواحد هو لي ما يفقدش الأمل… يالله غا نبدا نهلل”
حين يقول الراوي “أنا فيا البلابلة”، هو لا يشكو ولا يعتذر؛ هو يُقدّم نفسه بكل ما فيه، بما في ذلك كونه ثرثارًا كثير الكلام. لكن الجملة التي تليها مباشرة تقلب التوقعات: “تخراج العينين ولكن بلا هوانا فينا عرق تاع الرجولة” . أي أن الثرثرة هي الجلد الخارجي لإنسان يحمل في أعماقه شيئًا صلبًا لا يُكسَر.
وهذه المفارقة هي في صميم المونولوغ “هايش مايش” رواية ثرثارة بامتياز، مليئة بالكلام المتراكم والجمل التي تُولد بعضها بعضًا. لكن تحت كل هذا الكلام يسري عرق صامت من الرفض والكرامة والإصرار على البقاء. الراوي يعرف ذلك عن نفسه ويُعلنه.
ويرصد الراوي الحال بدون مواربة: الدنيا لم تُعطِ إلا النفس. لا مال، لا جاه، لا امتيازات. لكنه يأخذ هذه الحقيقة المُرّة ويُحوّلها إلى منطق مضاد: إذا كانت النفس هي كل ما أُعطيت، فهي آخر ما يمكن التنازل عنه. فالفقر هنا يصبح سببًا إضافيًا للتمسك بما بقي.
“والنفس هي الروح… وحنا إلا تنازلنا على الروح هي تنازلنا على الحياة”. جملة تقول بالدارجة ما تقوله الفلسفات بمجلدات، وتقوله بأكثر إقناعًا لأنها تأتي من شخص يقف في وسط حياة قاسية حقيقية.

“وما فيا ما نموت دابا ألور كو نقدر نربح فالتيرسي”. وهذه القفزة الخاطفة من الموت إلى لعبة الورق هي توقيع هشام العسري الأسلوبي الأعمق. الراوي لا يُهوّل الموت ولا يتجاهله؛ هو يضعه في حجمه الحقيقي داخل حياة يومية فيها أيضًا مال ونساء وورق وأمل عابر. هذا هو المنطق الداخلي للإنسان المهمّش: الحياة والموت والفرح والخسارة كلها في نفس الجيب.
“يطيح قدامي شي بزطام… ولا نلقا شي مرا تزعط فيا وتصوفيني”. ولا يطلب الراوي كثيرًا: لحظة حظ، اهتمام عابر، ابتسامة من مكان ما. وهذا التواضع في الطلب هو ما يجعل إعلانه عن الأمل بعدها مباشرة أشد وقعًا: لم يطلب المستحيل ومع ذلك لم يُعطَ، ورغم ذلك لا يزال يُهلّل.

ويُغلق المقطع بجملة “الواحد هو لي ما يفقدش الأمل… يالله غا نبدا نهلل”. فالأمل هنا لا يُعلَن بصوت منخفض أو بتأوّه داخلي وإنما يُعلَن بتهليل. الراوي الثرثار، الذي بدأ المقطع بالاعتراف بكلامه الكثير، يُنهيه بالتحوّل من الكلام إلى الفعل: من وصف الحال إلى الاحتفال بالوجود رغمه.
وهنا يكتمل الدور: بدأ بالبلابلة أي الثرثرة وانتهى بالتهليل. والكلام الذي بدا في البداية عرضًا للضعف أصبح في النهاية الطريق نحو الفرح. هكذا تعمل “هايش مايش” وتأخذك من أسفل الجرح إلى الاحتفال به، دون أن تكذب عليك لحظة واحدة.
وما يجعل هذا المقطع استثنائيًا هو أنه يُقدّم إنسانًا كاملًا: ثرثارًا ومقاومًا، مُرهَقًا وصامدًا، ساخرًا وحالمًا في آنٍ واحد. لا يُجمّل الراوي صورته ولا يكسر نفسه أمام القارئ. يقف كما هو بكل تناقضاته، ويُعلن من هذا المكان تحديدًا: الواحد هو لي ما يفقدش الأمل.
هايش مايش — هشام العسري
الصفحة 75 | الطبعة الأولى 2025
#هايش_مايش #هشام_العسري #رواية #النقد_الأدبي #الأدب_المغربي #الدارجة_المغربية #الأمل #الكرامة #الصمود #الفقر #الفلسفة #الكتابة #نصوص #قراءة #تلخيص #مراجعة_كتب #الإنسان #الحياة #النجاة













Leave a Reply