عبدالرحيم الشافعي
يشكل مهرجان “فوتو طنجة” في دورته الأولى محطة ثقافية وفنية واعدة، إذ يطمح إلى ترسيخ مدينة طنجة كفضاء دولي للحوار البصري وتبادل التجارب الفوتوغرافية، عبر استضافة معارض ولقاءات تجمع أسماء بارزة في عالم الصورة. ولا يكتفي المهرجان بعرض الأعمال الفنية، وإنما يفتح نقاشاً حول مكانة التصوير الفوتوغرافي بوصفه وسيلة للتوثيق والتأويل الجمالي في آن واحد، مستثمراً الرصيد الثقافي الذي تزخر به المدينة. وفي هذا السياق، يحتضن المعهد الفرنسي بالمغرب أحد أبرز معارض الدورة، الذي يضع الجمهور أمام تجربة بصرية مختلفة للفنان والمخرج المغربي داوود أولاد السيد.
ويكشف معرض “زمن رمشة عين”، المقام برواق دولاكروا بالمعهد الفرنسي بالمغرب من 17 يونيو إلى 31 غشت، عن جانب أقل تداولاً في التجربة الفوتوغرافية لداوود أولاد السيد، أحد أبرز الأسماء التي صنعت ملامح التصوير الفوتوغرافي المغربي المعاصر. ويتولى متحف الفن الإفريقي المعاصر المعدين (MACAAL) الإشراف الفني على هذا المشروع ضمن برنامجه خارج الجدران، في تعاون مع المعهد الفرنسي بالمغرب وبدعم من مؤسسة أليانس. ويأتي هذا المعرض ليؤكد أن الصورة الفوتوغرافية لا تزال قادرة على مساءلة الذاكرة الجماعية وإعادة قراءة تفاصيل الحياة اليومية من منظور إنساني عميق، بعيداً عن الصور النمطية أو الخطابات الجاهزة.
ويطرح داوود أولاد السيد في هذا المشروع ستاً وثلاثين صورة فوتوغرافية ملونة، من بينها أربع وعشرون صورة تُعرض لأول مرة، في اختيار يحمل دلالة رمزية تحيل إلى عدد اللقطات التي تتسع لها اللفة الفيلمية التقليدية. ويكشف هذا الخيار عن وفاء الفنان لعالم التصوير التناظري الذي رافقه لأكثر من أربعة عقود، حينما تتحول كل صورة إلى لحظة متأنية في مواجهة الزمن، بعيداً عن سرعة الإنتاج الرقمي. كما تمنح الأعمال الملونة فرصة لاكتشاف وجه آخر من تجربته، بعدما ارتبط اسمه طويلاً بالصور بالأبيض والأسود التي صنعت فرادته البصرية.
ويرصد الفنان عبر عدسته تفاصيل المغرب الشعبي، مستحضراً فناني الشارع، والحكواتيين، والباعة المتجولين، ومرتادي الأسواق، والوجوه العابرة التي تشكل النسيج الحقيقي للحياة اليومية. ولا يسعى أولاد السيد إلى صناعة مشاهد استعراضية أو تقديم صورة فولكلورية عن المجتمع، لأنه يقترب من الإنسان بوصفه مركز الحكاية، فيلتقط الإيماءات العابرة، ولحظات الانتظار، وحركة الأجساد داخل الفضاء العام، ليحول التفاصيل البسيطة إلى وثائق بصرية نابضة بالحياة، تحتفظ بقدرتها على إثارة التأمل حتى بعد مرور عقود على التقاطها..
ويستمر المعرض بعرض فيلم لداوود أولاد السيد، في تأكيد واضح على العلاقة العضوية التي تجمع بين ممارسته الفوتوغرافية وتجربته السينمائية. فالفنان لا يفصل بين الصورة الثابتة والصورة المتحركة، لانه يعتبرهما لغتين بصريتين تتقاطعان في الاهتمام بالإنسان والزمن والمكان. ومن خلال هذا التداخل، تبدو أعماله امتداداً لمشروع فني واحد، ينحاز إلى التفاصيل الصغيرة ويمنحها قيمة جمالية ووثائقية، لتصبح الصورة أداة لحفظ الذاكرة الجماعية ورواية التحولات الاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقود الماضية.
منذ أثر من ثلاثين سنة، يطور داود أولاد الصياد عملاً فوتوغرافياً عميقاً يتغذى من الثقافة الشعبية المغربية. يجعل من الهوامش إقليمه المفضل: فنانو الشارع والمُسليون المتجولون والناس العاديون يحتلون قلب سرده البصري. بدون تزيينات، كل صورة تلتقط لحظة خام، منتزعة من الواقع. معروف بولائه للتصوير الفوتوغرافي التناظري، يدافع أولاد الصياد عن شكل من الخطأ القصدي، تاركاً المادية الحقيقية للوسيط تشبع صوره بالنسيج والعمق. إذا كان عمله مرتبطاً بشكل واسع بسلاسل قوية بالأبيض والأسود، فإن هذا المعرض يركز على مجموعة منتقاة من الصور الملونة لم تُعرض من قبل، وهو جانب أكثر حذراً من ممارسته، نادراً ما يُعرض. بعيداً عن رؤية خارجية طالما شكّلت التمثيلات، يصور أولاد الصياد من الداخل، في أقرب مكان من الكائنات والإيماءات. من هذا القرب ينبثق الدقة والكثافة في عمله.
#عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #داوود_أولاد_السيد #زمن_رمشة_عين #مهرجان_فوتو_طنجة #فوتو_طنجة #التصوير_الفوتوغرافي #الفوتوغرافيا_المغربية #المعهد_الفرنسي_بالمغرب #طنجة #الفن_المغربي #الثقافة_المغربية #معارض_فنية #النقد_الفني











Leave a Reply