عبدالرحيم الشافعي
يُعدّ النشاط السينمائي أحد أبرز الوسائل الثقافية التي تسهم في تعزيز الحوار الفني وتقريب الجمهور من تجارب المبدعين، من خلال عروض الأفلام التي تتيح فرصة للتفاعل المباشر مع صُنّاعها. وفي هذا الإطار، احتضن قصر الثقافة مالابطا بمدينة طنجة، مساء الأحد 28 يونيو، عرض فيلم “جبل موسى” للمخرج المغربي إدريس المريني، بحضوره الشخصي، إذ شكل هذا الحدث مناسبة ثقافية وفنية متميزة جمعت بين مشاهدة العمل السينمائي والانفتاح على رؤية مخرجه. كما تضمن البرنامج نقاشًا مفتوحًا مع المخرج عقب العرض، أتاح للحضور فرصة تبادل الآراء حول الفيلم.
تدور أحداث الفيلم السينمائي المغربي للمخرج إدريس المريني حول مروان الذي يلتقي، في ظروف عادية جداً، بحكيم، وهو شاب حبيس كرسي متحرك اختار أن يعيش منعزلاً عن العالم، وحيداً في مواجهة هواجسه الداخلية، غير أن هذا الاقتحام لعالمه الخاص لا يمر دون عواقب وخيمة.
الفيلم من سيناريو عبد الرحيم بهير، وبطولة كل من السعدية أزكون، يونس بواب، سهام أسيف، عبد النبي البنيوي، حسن فولان، عمر عزوزي، هاجر بوزاويت، عبد اللطيف الشكرة، وفايزة يحياوي.
ويركز المريني في “جبل موسى” على رحلة التحول في العلاقات الإنسانية وكيف يمكن للصداقة أن تتأثر وتتطور من خلال التفاهم والتسامح والصبر، مما يعكس عمق العلاقات الإنسانية وتعقيداتها في مواجهة التحديات والصعاب. ويحكي الفيلم قصة شابين الأول يدعى حكيم، شاب ظهر في الفيلم أنه مقعد على كرسي متحرك كان يدرس الطب وعاش قصة حب، ثم بعدها تعرض لحادث سير، نجا من موت محقق يلتقي بعده بمروان أستاذ علم الاجتماع الذي يعشق الفلسفة.
ينتقل إلى بلدة ميرلفت حيث قادته ظروف العمل، فتستقبله السيدة فتيحة أم حكيم وتحاول أن تُقرّب الأستاذ من ابنها لكي يكون صديقه، محاولة بناء علاقة صداقة لم تكن في الأول بالأمر اليسير، لكن بعد محاولات من مروان التقرب من حكيم ينجح في الأخير ويبدأ في فك خيوط الصمت الذي اختاره بعد حادثة السير التي تعرض لها. العمل من سيناريو عبدالرحيم بهير ومن تشخيص كل من السعدية أزكون، يونس بواب، سهام أسيف، عبدالنبي البنيوي، حسن فولان، عمر عزوزي، هاجر بوزاويت، عبداللطيف الشكرة، فايزة يحياوي.
يجد حكيم الذي لعب دوره الممثل يوسف بواب نفسه محاطا بأسئلة عميقة حول مفهوم الخلق والخالق والعلاقات الإنسانية ويشعر بالوفاء في قلبه، لكنه في الوقت ذاته يتعرض لصدمة موت والده، والخيانة الغرامية التي تجعله يبتعد عن التواصل مع الآخرين ويصبح عدوانيا تجاه ذاته، ومع ذلك يأتي لقاؤه مع مروان، أستاذ علم الاجتماع الذي لعب دوره الممثل عبدالنبي البنيوي، ليغير مجرى حياته تماما، إذ يظهر هذا الأستاذ كشخصية مختلفة تماما عن حكيم، حيث يسعى إلى الاستقرار الاجتماعي ورغم أن لديه اهتماما فلسفيا بارزا.
هذا اللقاء يساعد حكيم على استعادة صفاء ذهنه ويقين قلبه وروحه، ويعيد إشعال شغفه بالحياة ويحفزه للبحث عن الجوانب الجميلة والإيجابية في العالم من حوله. يبرز تكوين اللقطات الأولى انتقال مروان إلى الطابق السفلي من الفيلا الصغيرة ويبدأ في استكشافها من الناحية الجمالية، ثم تأتي لقطة مميزة يلاحظ فيها قطعة واحدة في لوحة الشطرنج غير موضوعة بشكل صحيح فيعدلها، هذه الرؤية الأولى الافتتاحية تمثل نقطة تحول مصيرية في دفع القصة إلى الأمام، إذ يبدأ مروان في التفكير بشكل جدي في رحلته المقبلة وكيفية تحقيق توازنه الشخصي مع الأحداث المقبلة.
يتناول السيناريو بشكل عام موضوعا حساسا يتعامل مع قضايا مهمة تمتد عبر العمق الثقافي والاجتماعي في المجتمعين المغربي والعربي، إذ تلامس الأحداث أوجها عديدة من الحياة اليومية والثقافية والدينية والسياسية في المغرب، وتجسدها الشخصيات بأسلوب فني يلقي الضوء على تلك القضايا بطريقة مثيرة وعميقة، ومن خلال التركيز على أهمية العقل والاعتدال والاعتراف بالإيمان وبرب الكون كمطلب أساسي، يشير بذلك إلى أهمية الروحانية والتفكير البناء في مجتمع يعيش تحت تأثير تحولات ثقافية وسياسية. ويبرز الإيقاع الزمني للأحداث التسلسل السردي شديد البطء، رغم أن الإيقاع جزء أساسيا ومثيرا للاهتمام في شد انتباه الجمهور، ويتجلى هذا البطء من خلال الاكتشاف التدريجي بين المكان والزمان والأحداث، وفي
التعرف على أبعاد الشخصيات، إذ يظهر ذلك من خلال الفيلا السكنية لحكيم، والتي تأخذ بنية معمارية مزدوجة تجمع بين الجزء العلوي والجزء السفلي، وبين الداخل والخارج، ويتم تمثيل هذه الهيكلة المعمارية المزدوجة من خلال وجود الأبواب والعتبات والسلالم والشرفات، واستخدام متعدد للإضاءة تتراوح بين الطبيعية والاصطناعية، مما يمنح هذه البنية طابعا فريدا يجعل شخصية حكيم تائهة وسط هذه المساحة الشاسعة.
ويأتي المشهد اللاحق الذي يبرز مروان، الأستاذ الذي يجلس على عرش القصة في هذه المدينة، ليكون القوة المحركة التي تمنح هذا الهيكل الأساسي تماسكا وعمقا دراميا يعكس التطورات السردية والنفسية في الرواية، ويشكل جزءا لا يتجزأ من هذا العالم السردي المميز، حيث تتناغم شخصية مروان مع البنية المعمارية الفريدة للفيلا لتوفير تجربة قراءة غنية بالعواطف والتفاصيل.
نشاهد في متتالية المشاهد شخصية حكيم وهو يعيد تعيين الساعة، إذ يمكن تفسير ذلك على أنها نهاية لحقبة الاستقرار بالنسبة إليه، مما يشير إلى أنه بدأ يجد طريقه نحو التغيير وتحسين وضعه في الحياة، كما يظهر تأثير العلاقات الإنسانية على تطور الأفراد أيضا من خلال تأثر مروان بفضل تواصله مع حكيم.
يبرز المشهد الذي يختتم الفيلم بالشخصيتين مروان وحكيم وهما يلعبان لعبة مرحة ويمكن فهمه كرمز للتواصل الإيجابي والتفاهم الحقيقي بين البشر، وكذلك يمكن اعتباره رمزا للسعادة والانسجام الذين يمكن أن يأتي بهما التواصل الإنساني، فعندما تتحرك الكاميرا بحركة رأسية نحو السماء في نهاية الأمر، يمكن تفسيرها على أنها رمز للبحث عن الحقيقة والروحانية، مما يفتح الباب أمام الانصهار في الوجود الإلهي.
ويمكن أن نقول إن الممثلين يونس بواب، وعبدالنبي البنيوي، والسعدية أزكون، والممثل حسن فولان، والشابة هاجر بوزاويت، قدموا أداء معقولا، يتناسب مع نوع القصة من جهة وسلاسة المخرج في إدارة الممثل من جهة أخرى. كما يظهر اجتهاد جديد وتنوع في أسلوب المخرج المغربي إدريس المريني حيث وازن بين القصة المحكية والرسالة المرجوة بشكل فعال وبطريقة تعكس رؤيته الفنية، إذ نجح في تقديم تجربة سينمائية للمشاهدين تختلف عن أفلامه السابقة، كما أن إدراك المخرج لأهمية تنظيم الأفكار مع الحوار يسهم في إثارة الاهتمام والوقوف على الحبكة الدرامية المعقدة أيديولوجيا بأسلوب ملائم، كل هذا يشير إلى قدرة المخرج على التعبير عن أفكاره ورؤيته بشكل تقني واضح.
#عرض_ومناقشة_فيلم_جبل_موسى #إدريس_المريني #قصر_الثقافة_مالابطا #طنجة #عبدالرحيم_الشافعي #صحيفة_الناقد_الجديد













Leave a Reply