يطرح الواقع السينمائي المغربي سؤالاً حاداً ومتكرراً. إذ يمنح المركز السينمائي المغربي عشرات الملايين من الدراهم سنوياً كتسبيقات على المداخيل لإنتاج أفلام روائية ووثائقية، ثم تخرج هذه الأعمال إلى القاعات بإيرادات شبه معدومة. بينما تنجح في المقابل أفلام غير مدعومة أو منتجة ذاتياً في حصد مئات الآلاف من التذاكر وملايين الدراهم. ويكشف هذا التناقض عن خلل بنيوي في منظومة الدعم، ويطرح السؤال الأهم:
لماذا تواصل الدولة تمويل أعمال لا تحظى بالقبول الجماهيري، ولا تحقق في الوقت نفسه تقديرًا فنيًا أو نقديًا واضحًا، سوى حضورها في المهرجانات ضمن سباق أرانب تحكمه الواسطة؟
يوضح تقرير نشره المركز السينمائي المغربي لسنة 2025 أرقاماً واضحة. إذ ينتج المغرب 26 فيلماً روائياً طويلاً باستثمارات إجمالية تقارب 596 مليون درهم، بينما يساهم صندوق دعم الإنتاج الوطني بـ73.5 مليون درهم فقط. يبيع الجمهور في القاعات نحو 2.19 مليون تذكرة بإيرادات تصل إلى 129.78 مليون درهم، وتستحوذ الأفلام المغربية على حوالي نصف هذا الرقم. بينما يتصدر القائمة أعمال تجارية مثل “صديقي” لرؤوف الصباحي و”روتيني” للطفي آيت الجاوي و”عائلة فوق الشبهات” لهشام الجباري، وهي في معظمها إنتاجات خاصة أو ذاتية تعتمد على الكوميديا والنجوم والقصص القريبة من الناس.
وتتعثر في المقابل غالبية الأفلام المدعومة رسمياً.إذ تسجل أعمال مصنفة ضمن “سينما المؤلف” (أي المسنطح الذي لا يؤلف أساسا) أرقاماً هزيلة لا تتجاوز بضعة آلاف من التذاكر، رغم حصولها على دعم قبل الإنتاج يصل إلى ثلاثة ملايين درهم أو أكثر. بينما تفشل هذه الأفلام في استقطاب الجمهور المحلي حتى عندما تحقق حضوراً في مهرجانات دولية، فتخرج من القاعات بسرعة بعد أسابيع قليلة من العرض. فيحين يفسر النقاد هذا الفشل باختلاف اللغة السينمائية: تتحدث أفلام المهرجانات بلغة التجريب والرمزية والمواضيع الثقيلة، بينما يبحث الجمهور المغربي عن الترفيه المباشر والفكاهة والقصص التي تعكس حياته اليومية، وهذه الرؤية فاشلة أساسا كنقادها.
ويكمن الخلل أولاً في معايير الدعم نفسها. إذ تركز لجان الدعم غالباً على الجوانب الفنية والسيناريو والرؤية الإخراجية، دون ربط كافٍ بقدرة العمل على الوصول إلى الجمهور أو استرجاع جزء من التكلفة. ويؤدي هذا إلى تكرار أسماء معينة وخطابات فنية معزولة عن السوق، بينما تتحمل الشركات الخاصة مخاطر الإنتاج والتوزيع والتسويق بنفسها فتنجح لأنها تضع الجمهور في صلب الحسابات منذ البداية. ثم يغيب ثانياً الربط بين الدعم والتوزيع والعرض، فلا توجد آلية تلزم أو تحفز المستفيدين على بناء استراتيجية تسويقية قوية أو اختيار مواعيد عرض مناسبة.
أين الخلل ولماذا تغيب الأعمال التي تنجح في المهرجانات والجمهور معاً؟
ويبرهن استثناء نادر مثل فيلم ّعلى الهامش” لجيهان البحار على أن الجمع ممكن. إذ حصل الفيلم على دعم من الصندوق ثم يحقق أكثر من 138 ألف تذكرة وإيرادات تفوق 7 ملايين درهم، ليحتل مراتب متقدمة في شباك التذاكر. ونجح لأنه يجمع بين معالجة اجتماعية جريئة وأسلوب قريب من الجمهور، فكسر قاعدة الفصل بين “الفني” و”التجاري”. ويؤكد هذا النموذج أن الدعم ليس عائقاً بحد ذاته، وإنما المشكلة في كيفية اختيار المشاريع وفي غياب حوافز تشجع على التوازن بين الجودة الفنية والجاذبية الجماهيرية.

ويفتقر النظام الحالي إلى آلية تقييم لاحقة حقيقية. إذ يستمر منح الدعم لنفس الأسماء أو التوجهات رغم سجل الإيرادات الضعيف، دون ربط واضح بين النتائج السابقة والتمويل اللاحق. كما يغيب أيضاً الاستثمار الكافي في التسويق والتوعية الجماهيرية بالأفلام الفنية، وفي توسيع شبكة القاعات خارج المدن الكبرى. يجعل هذا الواقع المال العام يمول أعمالاً تبقى أسيرة المهرجانات والدوائر النقدية الضيقة، بينما يبني المنتجون الخاصون علاقة مباشرة مع الجمهور ويحققون عائدات ملموسة.
ويحتاج الدعم إلى مراجعة جذرية. أي يجب ربط جزء من التسبيقات بنتائج العرض التجاري أو بعدد التذاكر المباعة، وتشجيع المشاريع التي تثبت قدرتها على مخاطبة شرائح أوسع دون التضحية بالجودة. كما ينبغي أيضاً دعم التسويق والتوزيع بنفس قوة دعم الإنتاج، وفتح المجال أمام جيل جديد من السيناريوهات التي تجمع بين العمق والحيوية. يمكن عندها أن تظهر أفلام مغربية تنجح في مهرجان كان أو برلين ثم تملأ القاعات في الدار البيضاء والرباط وطنجة، بدلاً من الاستمرار في إنتاج أعمال مدعومة لا يجدها أحد، وأخرى ناجحة تجارياً تُتهم بالسطحية.
فهل ستتحول منظومة الدعم إلى أداة لبناء صناعة سينمائية مستدامة تصل إلى الجمهور، أم ستبقى آلية لتمويل أعمال تُنتج ثم تُنسى في الظل؟ يعتمد الجواب على مدى استعداد المركز السينمائي المغربي والمهنيين لمواجهة الحقيقة الرقمية الصريحة: الجمهور موجود، والأموال تُصرف، لكن الجسر بين الطرفين لا يزال مكسوراً في معظم الحالات.
#السينما_المغربية #المركز_السينمائي_المغربي #دعم_السينما #صندوق_دعم_الإنتاج_الوطني #الأفلام_المغربية #الإنتاج_السينمائي #شباك_التذاكر #الجمهور_المغربي #توزيع_الأفلام #تسويق_الأفلام #سينما_المؤلف #سينما_الجمهور #على_الهامش #جيهان_البحار #عبدالرحيم_الشافعي #صحيفة_الناقد_الجديد #النقد_السينمائي #صناعة_سينمائية #المغرب #مهرجانات_سينمائية











Leave a Reply