إعادة مغربة الأعمال الأجنبية تفتح سؤال النسخ المقنّع وحدود الإبداع في السينما والدراما
ينطلق موضوع كتابة السيناريو من ملاحظة مباشرة لانتشار ممارسات محددة داخل صناعة الدراما والسينما في المغرب. ويعالج مسألة تتعلق بجوهر العملية الإبداعية المحلية في ظل الاعتماد المتزايد على أعمال أجنبية سابقة. ويتجلى التعقيد من خلال أساليب تعتمد على إعادة استخدام مضامين وهياكل درامية مستوردة، ثم تقديمها في قالب يبدو مغربيًا ظاهريًا. ويدفعنا ذلك إلى التساؤل عن الحدود الفاصلة بين التكييف المشروع والكتابة الأصيلة داخل المشهد الدرامي والسينمائي المغربي.
ويبرز من خلال متابعة الإنتاجات الدرامية المغربية الحديثة اعتماد واضح على اختيار مسلسل أوروبي أو تركي أو آسيوي أو لاتيني قديم، ثم إعادة مغربته. ويتم ذلك عبر تغيير الأسماء والأماكن والإشارات الثقافية، واستبدال اللهجات الأجنبية باللهجة المغربية، مع الإبقاء شبه الكامل على البنية الدرامية الأصلية والأحداث الرئيسية والصراعات. ويؤدي هذا الأسلوب إلى تقديم العمل وكأنه إنتاج مغربي أصيل، بينما يبقى في جوهره نسخة معدّلة من عمل أجنبي.
هل يجوز لنا أن نقبل بـ”تغيير الأسماء والأماكن” كبديل عن الكتابة الحقيقية؟
يكشف التمعن في هذه الممارسة عن سهولة نسبية في التنفيذ مقارنة بكتابة عمل درامي ينطلق من واقع مغربي خام، وهذا يجعلها خيارًا مفضلًا في ظل البحث عن نسب مشاهدة مضمونة وتقليل مخاطر الإنتاج.
ويظهر أسلوب ثانٍ أكثر تداولًا يتمثل في اختيار مسلسل سبق دبلجته إلى العربية، وإعادة كتابة الدبلجة بأسلوب مغربي، ثم إسقاطها على المجتمع المغربي. ويتم في هذه الحالة الاحتفاظ بالصور والمشاهد الأصلية، مع تغيير الحوار بالكامل ليبدو منسجمًا مع اليومي المغربي.
ويسمح هذا الأسلوب بخلق وهم القرب والواقعية المحلية، بينما تبقى الشخصيات والأحداث والبناء الدرامي مستوردة من سياق ثقافي مختلف. ويثير هذا النوع من الممارسة تساؤلات جوهرية حول حدود الإبداع داخل الصناعة المغربية، إذ يتحول الكاتب إلى صائغ حوار محلي أكثر مما هو صانع عالم درامي مستقل نابع من المجتمع المغربي.
ويعتمد أسلوب ثالث على اختيار فيلم سينمائي أجنبي قديم وإعادة ضبطه على الواقع المغربي المعاصر. ويتم ذلك عبر تحديث الحوار وتقريب السياق الاجتماعي وإضافة إشارات محلية، مع الحفاظ على الهيكل الأصلي للقصة. ويهدف هذا التوجه إلى استغلال نجاح العمل الأجنبي وذاكرته لدى الجمهور المغربي، مع منحه مظهرًا محليًا. ويكشف التمعن في هذه الممارسة عن ميل واضح نحو إعادة التدوير، عوض المخاطرة بتقديم سرد مغربي جديد كليًا ينطلق من خصوصيات المجتمع المحلي.
إذا احتفظ العمل بـ”90% من البنية الأصلية” – أين هي الإضافة المغربية؟
ويكشف تتبع هذه الأساليب مجتمعة عن تحول تدريجي في مفهوم الكتابة الدرامية والسينمائية داخل المغرب. ويؤدي الاعتماد المتكرر على أعمال أجنبية جاهزة إلى إضعاف القدرة على إنتاج أفكار خام نابعة من ملاحظة مباشرة للواقع المغربي بكل تناقضاته وتعقيداته. ويظهر ذلك جليًا في تكرار الأنماط الدرامية نفسها وصعوبة التمييز بين عمل وآخر من حيث العمق والخصوصية المغربية.
ويزداد الأمر وضوحًا مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التي تتيح إعادة صياغة النصوص الأجنبية وتعديلها بسرعة كبيرة لتناسب اللهجة والسياق المحلي، وهذا يسهل عملية النسخ ويجعلها أقل تكلفة وأكثر إغراءً أمام المنتجين والكتاب.
يطرح الواقع المغربي الحالي سؤالًا مركزيًا حول طبيعة الكاتب نفسه. فهل يُعتبر من يعيد ترتيب عناصر عمل أجنبي كاتبًا مغربيًا حقيقيًا أم ناسخًا محترفًا؟ ويؤكد التمعن في العملية الإبداعية أن الكتابة الأصيلة تنطلق من رؤية خاصة وملاحظة دقيقة للمجتمع المغربي والإنسان داخله، ثم تتحول هذه الملاحظة إلى عالم درامي مستقل. بينما تعتمد إعادة الصياغة على مضامين مستوردة وتعيد تقديمها بغلاف مغربي، دون أن تضيف بالضرورة عمقًا أو رؤية نابعة من الداخل.
ويؤدي تكرار هذه الممارسات إلى إفقار المشهد الدرامي والسينمائي المغربي على المدى البعيد، إذ يعتاد الجمهور على أنماط مكررة ويقل الطلب على الأعمال التي تحمل مخاطرة إبداعية حقيقية مرتبطة بالواقع المحلي.
ويتضح، بعد استعراض هذه الجوانب، أن الظاهرة داخل المغرب تجمع بين أكثر من مستوى. فيعتمد بعضها على إعادة مغربة الأعمال الأجنبية وتكييفها شكليًا. ويستند بعضها الآخر إلى إعادة كتابة الدبلجة أو تحديث الأفلام الأجنبية لتلائم الواقع المغربي المعاصر.
ويظل السؤال مفتوحًا وعميقًا حول الحدود الفاصلة بين التكييف المشروع والنسخ المقنّع في الصناعة المحلية. ويبقى الكاتب المغربي الحقيقي هو من يمتلك القدرة على كتابة أفكاره الخام انطلاقًا من رؤيته الخاصة للواقع المغربي، لا من يعيد صياغة أفكار مستوردة ويقدمها في قالب يبدو محليًا.
عندما ينقل المخرج “اللقطات والمشاهد” نفسها – أليس هذا سرقة بصرية صريحة؟
ويمتد الأمر نفسه إلى بعض المخرجين الذين ينهجون طرقًا مشابهة في التعامل مع الصورة. فيعمد هؤلاء إلى نقل اللقطات نفسها أو المشاهد أو المتتاليات أو زوايا التصوير من أعمال أجنبية سابقة، ثم إعادة تنفيذها في سياق مغربي.
ويتم تقديم هذه المنقولات على أنها إبداع إخراجي خاص، بينما تبقى في جوهرها استنساخًا بصريًا مباشرًا. ويكشف هذا التوجه عن تراجع في البحث عن لغة سينمائية مغربية مستقلة تعتمد على رؤية خاصة للمكان والإنسان والضوء.
ويبرز التمعن في هذه الممارسات معنى الإبداع والفن في اللغة أصلًا. فيعني الإبداع في اللغة الإتيان بما هو جديد على غير مثال سابق، وإنشاء الشيء من العدم أو من رؤية مبتكرة. ويعني الفن في اللغة الحذق والمهارة في أداء الشيء وإتقانه على وجه جميل وصادق. أما ما يقوم به بعضهم في الحقل الدرامي والسينمائي داخل المغرب، فهو في معظمه محاولات وتقنيات لكسب لقمة العيش أكثر مما هو إبداع أو فن بالمعنى اللغوي الأصيل. ولا يُقصد هنا الجميع بطبيعة الحال، فهناك من يجتهد ويسعى إلى تقديم أعمال نابعة من رؤية خاصة، لكنهم يظلون قلة في المشهد العام.
#الناقد_السينمائي #عبدالرحيم_الشافعي #صحيفة_الناقد_الجديد #السينما_المغربية #دراما_مغربية #كتابة_السيناريو #النقد_الفني #الإبداع_السينمائي #صناعة_السينما #النسخ_المقنع #التكييف_الدرامي #الثقافة_المغربية
للاطلاع على مقالات الناقد السينمائي المغربي عبدالرحيم الشافعي المنشورة في صحيفة «العرب» اللندنية، يمكن زيارة الرابط التالي:











Leave a Reply