أعمال درامية كورية وصينية تتحدى الإنتاج الغربي
يشهد الإنتاج التلفزيوني والدرامي على مستوى العالم في العام الحالي تحولات كبرى تعكس تبدلات عميقة في اهتمامات الجمهور وتطلعاته الفكرية والنفسية. فبينما تسعى المؤسسات الإنتاجية في أوروبا والعالم الغربي إلى تفكيك القوالب الفانتازية الكبرى وإعادة صياغتها برؤى واقعية تميل إلى الغموض النفسي وتشريح التعقيدات السياسية والاجتماعية، تواصل الدراما الآسيوية، المتمثلة في الإنتاجات الكورية والصينية، إحداث اختراق غير مسبوق في الأسواق العالمية. يعتمد هذا النجاح الآسيوي على طرح مضامين جريئة تدمج بين الإثارة القانونية، وصراع الطبقات، والرحلات عبر الزمن، واستشراف المستقبل، مما أدى إلى كسر الحواجز الثقافية وجذب ملايين المشاهدين حول العالم، وإعادة رسم خارطة المنافسة بين منصات البث الرقمي والشبكات التقليدية.
تتسم الإنتاجات الغربية بالتركيز على أبعاد الغموض النفسي، وتفكيك خبايا السياسة المظلمة، وتقديم العوالم الملحمية بمنظور واقعي وثقيل. ومن أبرز هذه الأعمال مسلسل “فارس من الممالك السبع” (الولايات المتحدة وبريطانيا)، وهو من إنتاج شبكة “إتش بي أو”، وتأليف الكاتب جورج آر. آر. مارتن، ويضم طاقماً تمثيلياً واعداً يقوده الممثل البريطاني بيتر كلافاي في دور “سير دنكان”، والطفل ديكستر سول أنسيل في دور “إيج”. تدور أحداث هذا العمل قبل تسعين عاماً من وقائع ملحمة “صراع العروش”، وتستعرض مسيرة الفارس الجوال الشجاع “سير دنكان الطويل” ومرافقه الصغير الذكي “إيج” الذي يخفي هويته الملكية كأحد أمراء سلالة التارغاريان، حيث يجوبان الممالك السبع في رحلة تستكشف قواعد الفروسية وخفايا المؤامرات السياسية الناشئة. وقد حقق المسلسل نجاحاً جماهيرياً واسع النطاق بمتوسط بلغ أربعة وعشرين مليون مشاهد لكل حلقة عبر شاشات المنصة، ونال تقييم أربعة وثمانين من عشرة على موقع “آي إم دي بي”، ليصبح الحصان الأسود للدراما الفانتازية الحديثة.
و يبرز مسلسل “المتأججة” (الولايات المتحدة) الذي يعد من ابتكار الكاتبة إليزابيث ميريويذر، وإنتاج شركة “سيرتشلايت تليفيجن” لصالح منصة “هولو”، وبطولة كل من النجمة إيمي روسوم والممثلة الصاعدة لولا بيتيكرو. يمثل هذا العمل دراما بوليسية تحوي أبعاداً نفسية شديدة التعقيد، وتصور صراعاً محتدماً ومطاردة ضارية بين عميلة لمكتب التحقيقات الفيدرالي تدعى “أليس بلاك” وقاتلة متسلسلة بالغة الدهاء تستهدف كبار رجال الأعمال المتورطين في ملفات الفساد، ليضع المشاهد أمام مأزق أخلاقي دائم بين معايير العدالة الصارمة والرغبة في الانتقام. وقد تجاوز المسلسل حاجز ثلاثة وأربعين مليون ساعة مشاهدة خلال الأسابيع الخمسة الأولى من عرضه، وشهدت حلقته الأخيرة ارتفاعاً بنسبة تسعين بالمائة في معدلات المشاهدة بفضل التوصيات والمشاركات الجماهيرية، محققاً تقييم قبول بلغ ثمانية وتسعين بالمائة على موقع “روتن توميتوز”.
وتواصل الدراما الآسيوية تصدرها للمشهد العالمي بفضل الأفكار المبتكرة والجرأة في معالجة القضايا الاجتماعية والنفسية. يأتي في مقدمة هذه الأعمال مسلسل “تلقين الدرس” (كوريا الجنوبية) من إنتاج شبكة “نتفليكس”، وبطولة النجم العالمي لي جونغ جاي إلى جانب نخبة من أبرز نجوم الدراما الكورية. ويعبر هذا العمل عن دراما تغوص في التشويق النفسي والاجتماعي المظلم والمعقد، وتتناول إشكاليات الطبقية والعدالة في المجتمع الكوري المعاصر، إذ تظهر شخصيات غامضة لتنفيذ خطط قاسية وتدميرية تستهدف الفاسدين وأصحاب النفوذ بهدف تقويم الانحرافات المجتمعية بالقوة. وقد تصدر هذا المسلسل قائمة الأعمال الكورية الأكثر مشاهدة على مستوى العالم خلال النصف الأول من العام، محققاً ثمانية وأربعين مليوناً ومائتي ألف مشاهدة على شبكة “نتفليكس”، وحصل على تقييم أربعة وثمانين من عشرة على موقع “آي إم دي بي”.
ويظهر مسلسل “التاج المثالي” (كوريا الجنوبية) من إخراج بارك جون هوا، وبطولة النجمة والمغنية آي يو والنجم الصاعد بيون وو سوك، لصالح شبكة “إم بي سي” ومنصة “ديزني بلس”. تقع أحداث العمل في إطار بديل ومثير للاهتمام يفترض استمرار العمل بنظام الملكية الدستورية في كوريا الجنوبية خلال القرن الحادي والعشرين؛ حيث تتكلل مساعي وريثة مجموعة اقتصادية عملاقة بالزواج من أمير مهمش ومقصي عن الحكم، لتتداخل مشاعر العاطفة مع خبايا المؤامرات السياسية داخل بلاط القصر. وقد حقق المسلسل انتشاراً واسعاً وكسر الأرقام القياسية للتقييمات المحلية مسجلاً نسبة مشاهدة بلغت ثلاثة عشر وتسعة من عشرة بالمائة وفق مؤسسة “نيلسن كوريا”، متحولاً إلى ظاهرة جماهيرية عالمية وآسيوية عبر منصات البث الرقمي.
ولا يقل مسلسل “عودة القاضي” (كوريا الجنوبية) أهمية، وهو من بطولة النجم المخضرم جي سونغ، وإخراج شبكة “إم بي سي”. يقدم هذا العمل طرحاً مبتكراً يمزج بين الأطر القانونية وعناصر الفانتازيا، ويحكي قصة قاضٍ متورط في شبكات الفساد يلقى حتفاً غامضاً في المستقبل القريب عام ألفين وخمسة وثلاثين، ليفاجأ باستيقاظه وعودته للوراء عشر سنوات إلى عام ألفين وخامسة وعشرين محتفظاً بذاكرته الكاملة، وهذا دفعه لوضع خطة محكمة لاجتثاث شبكة الفساد من جذورها تكفيراً عن أخطائه. وقد سجل المسلسل أعلى معدلات مشاهدة تلفزيونية محلية وصلت إلى ثلاثة عشر وستة من عشرة بالمائة، بينما تخطت نسب المشاهدة الرقمية عبر الإنترنت حاجز سبعة عشر بالمائة في مختلف دول شرق آسيا.
ويطرح مسلسل “الربيع المبكر” (الصين) من بطولة النجم جينغ بوران والنجمة الصاعدة سون تشيان. دراما اجتماعية ورومانسية واقعية تبتعد عن قوالب الفانتازيا التاريخية والشعبية المعتادة في الدراما الصينية، لتركز على التحديات المهنية والضغوط النفسية التي تواجهها الأجيال الشابة في الحواضر الصينية الكبرى وصعوبة الصمود في بيئات العمل القاسية. وقد حقق المسلسل سابقة تاريخية للدراما الصينية بوصوله إلى المركز الخامس في الترتيب العام للمنصة العالمية، متجاوزاً عتبة عشرة آلاف نقطة شعبية على منصة “يوكو” المحلية.
#الدراما_العالمية #الدراما_الآسيوية #الدراما_الكورية #الدراما_الصينية #الدراما_العالمية_2026 #المسلسلات_العالمية #المسلسلات_الكورية #المسلسلات_الصينية #السينما_العالمية #النقد_السينمائي #النقد_الدرامي #صناعة_الدراما #منصات_البث_الرقمي #نتفليكس #ديزني_بلس #الدراما_والذكاء_السوقي #المنافسة_الدرامية #الإنتاج_التلفزيوني #الدراما_والجمهور #الثقافة_الآسيوية #هوليوود #الدراما_المغربية #صحيفة_الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي
للاطلاع على صفحة الناقد الفني والسينمائي المغربي عبدالرحيم الشافعي ومقالاته المنشورة في صحيفتي «العرب» و«ميدل إيست أونلاين»:
عبدالرحيم الشافعي – صحيفة العرب
عبدالرحيم الشافعي – ميدل إيست أونلاين






Leave a Reply