عبدالرحيم الشافعي – الناقد الجديد
جاء فيلم “سفن دوجز” في زمن باتت فيه أفلام الأكشن العالمية والعربية على حد سواء تراهن بشكل مفرط على الصدمة البصرية والانفجارات المتتالية أكثر مما تعتمد على البناء السردي المتماسك أو الشخصيات ذات العمق الإنساني، ليقدم نموذجاً واضحاً لعمل يعرف كيف يبهر العين بميزانيته الضخمة ومشاهده المبهرة لكنه يفشل في أن يترك أثراً حقيقياً في الذاكرة بعد انتهاء العرض. دارت أحداث القصة حول عميل الإنتربول “خالد العزازي” الذي اضطر إلى التعاون مع “غالي أبو داود” أحد أعضاء عصابة “الكلاب السبعة” في مهمة خطيرة لمكافحة تجارة المخدرات، قبل أن تنقلب هذه المهمة إلى سلسلة متلاحقة من الأزمات والمواجهات المعقدة التي بدت في كثير من الأحيان مصطنعة وغير مبررة درامياً. قارن المتفرج هذا البناء السطحي بما قدمته أفلام مثل “جون ويك” التي بنت عالمها الكامل حول شخصية واحدة ذات دوافع واضحة وصراع داخلي مستمر، أو حتى “باد بويز” التي نجحت في المزج بين الأكشن والكوميديا من خلال علاقة إنسانية حقيقية بين بطليها، ليكتشف أن “سفن دوجز” افتقد هذا العمق واكتفى بتقديم مشاهد متلاحقة دون أن يؤسس لصراع درامي مقنع يستحق المتابعة.
أظهر العمل منذ مشاهده الأولى طموحاً إنتاجياً هائلاً وميزانية ضخمة جعلته يبدو قادراً على منافسة أفلام الأكشن العالمية من حيث الحجم والإبهار، حيث صممت مشاهد الحركة بعناية فائقة رغم أن بعضها افتقد المنطق السينمائي، وجاء الإيقاع سريعاً ومكثفاً كأنه سلسلة لا تتوقف من الانفجارات والمطاردات. اعتمد المخرجان “عادل العربي” و”بلال فلاح” على هذا الإيقاع المكثف ليستحضرا أجواء أفلام مثل “جون ويك” و”باد بويز”، لكنهما وقعا في فخ الرهان على الحركة كهدف في حد ذاتها وليس كنتيجة طبيعية لصراع درامي متماسك، فتحولت المشاهد إلى استعراض بصري مبهج لكنه فارغ من المعنى. قارن الناقد هذا النهج بما قدمه “كريستوفر نولان” في أفلامه الأكشن مثل “تينييت” أو “دانكيرك”، حيث جاءت الحركة دائماً في خدمة الفكرة والشخصية لا العكس، ليبرز الفارق الكبير بين فيلم يبني عالمه بذكاء وفيلم يكتفي بتراكم المشاهد دون رابط درامي حقيقي.

كشفت الكتابة ورسم الشخصيات عن الضعف الأكبر في العمل، إذ لم يحظَ أي من الأبطال ببناء نفسي أو دوافع واضحة تجعل المتفرج يتعاطف معهم أو يفهم تحولاتهم، فبدت معظم الشخصيات وكأنها مجرد أدوات لخدمة مشاهد الأكشن لا أفراد لهم صراعات داخلية أو تاريخ سابق يؤثر على قراراتهم. عانى السيناريو من تقطيع واضح في الحبكات وتداخل غير مفهوم في بعض الأحيان، مما جعل التحولات الدرامية تبدو مفاجئة وغير مبررة، وكأن القصة تنتقل من مشهد أكشن إلى آخر دون رابط منطقي أو تطور طبيعي. قارن هذا البناء بما حققه فيلم مثل “كيرة والجن” الذي نجح في رسم شخصياته بعمق عاطفي ودرامي رغم انتمائه لعالم الأكشن والتاريخ، أو حتى أفلام هوليوود الكلاسيكية مثل سلسلة “الموت الصعب” التي بنت شخصياتها على مدار أحداث متماسكة، ليظهر أن “سفن دوجز” اختار الطريق الأسهل وهو الاعتماد على الحركة بدلاً من الاستثمار في الكتابة.
برزت مشاركة الأسماء العالمية الكبيرة في العمل كنقطة مثيرة للجدل، حيث ظهرت هذه النجوم في مشاهد قصيرة جداً لم تخدم القصة بقدر ما سعت إلى إبهار الجمهور عبر حضورها الشكلي فقط، مما أعطى انطباعاً بأن الفيلم يراهن على قوة الأسماء أكثر من قوة الأدوار. حملت ثنائية “كريم عبد العزيز” و”أحمد عز” العبء التمثيلي الأكبر، وأظهرت كيمياء حقيقية بينهما في بعض اللحظات التي ذكّرت المتفرج بقدرتهما على حمل مشاهد كاملة كما حدث في “كيرة والجن”، وأضاف “كريم عبد العزيز” لمسته الكوميدية المعتادة التي خففت من حدة التوتر في بعض المشاهد. قارن هذا الأداء بما قدمه الثنائي نفسه في أعمال سابقة أو بما حققته ثنائيات عالمية مثل “ويل سميث” و”مارتن لورانس” في “باد بويز”، ليكتشف أن الكيمياء موجودة لكن النص لم يمنحها المساحة الكافية لتزدهر وتتحول إلى عنصر درامي مؤثر.
اعتمد الفيلم على مستوى الإبهار البصري على مؤثرات قوية وتصوير سينمائي ديناميكي عزز الإحساس بالحركة، لكنه وقع في فخ الاستخدام المفرط للألوان والمؤثرات التي بدت أحياناً أقرب إلى فيديوهات قصيرة أو محتوى “تيك توك” منها إلى بناء سينمائي متوازن. أثارت الرسوم المتحركة والألوان الغريبة في بعض المشاهد استغراباً كبيراً، إذ قطعت الإحساس بالواقعية بدلاً من أن تعززه، وبدا هذا الأسلوب البصري منفصلاً عن روح الفيلم وكأنه قرار تجريبي أو استعراضي لا يخدم السرد ولا يرفع التوتر الدرامي. قارن هذا الاختيار بما فعله المخرجون في أفلام أكشن واقعية مثل “جون ويك” التي حافظت على أسلوب بصري متماسك يخدم العالم الذي بنته، أو حتى أفلام عربية حديثة نجحت في المزج بين الإبهار والواقعية دون أن تفقد جديتها، ليظهر أن “سفن دوجز” ضحى بالتماسك البصري من أجل الاستعراض اللحظي.
أوحى النهاية المفتوحة بإمكانية وجود جزء ثانٍ، وهو أمر غير مفاجئ في عمل بهذا الحجم الإنتاجي والطموح التجاري، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن رغبة الفيلم في الاستمرار دون أن يقدم ما يستحق المتابعة في جزء جديد. قدم “سفن دوجز” في النهاية تجربة أكشن ضخمة وسريعة ومليئة بالمؤثرات التي تحقق ما يريده تماماً على مستوى الإبهار، لكنه أهمل القصة والشخصيات ولم يمنحهما القدرة على مواكبة هذا الطموح البصري، فبقي عملاً يُشاهَد ويُنسى بسرعة دون أن يترك أثراً حقيقياً في الذاكرة أو يضيف جديداً إلى سينما الأكشن العربية.
#سفن_دوجز #7Dogs #فيلم_سفن_دوجز #السينما_العربية #السينما_المصرية #أفلام_الأكشن #أفلام_الأكشن_العربية #الأكشن_السينمائي #النقد_السينمائي #نقد_الأفلام #النقد_الفني #كريم_عبدالعزيز #أحمد_عز #عادل_العربي #بلال_فلاح #كيرة_والجن #جون_ويك #باد_بويز #كريستوفر_نولان #تينييت #دانكيرك #الموت_الصعب #شباك_التذاكر #صناعة_السينما_العربية #الإنتاج_السينمائي #المؤثرات_البصرية #السينما_والأكشن #السينما_العربية_المعاصرة #صحيفة_الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي






Leave a Reply