عبدالرحيم الشافعي – الناقد الجديد
عاد محمد دياب إلى السينما المصرية بفيلم “أسد”، بعد مسيرة أثبت خلالها قدرته على تقديم أعمال ضخمة بصريًا وفكريًا، من تجاربه المصرية المبكرة إلى مشاركته العالمية في مسلسل “مون نايت”. وخاض هذه المرة تجربة تاريخية جمعت بين الدراما والأكشن والثورة الإنسانية، في محاولة لتجاوز الحدود التقليدية للسينما التجارية المصرية وتقديم عمل يراهن على الصورة والإنتاج واللغة البصرية قبل اعتماده على عناصر الكوميديا أو التشويق التقليدي.
ضم الفيلم مجموعة من النجوم، يتقدمهم محمد رمضان ورزان جمال وماجد الكدواني وعلي قاسم وأحمد داش وكامل الباشا، وقدم عالمًا تاريخيًا واجتماعيًا غنيًا بالتفاصيل. ودارت الأحداث حول “أسد”، الطفل الذي اختُطف وبِيع عبدًا، قبل أن يكبر وسط القهر والعنف والاستغلال، ثم يقع في حب سيدته “ليلى”. ومع حملها منه بعد زواج سري، اشتعلت شرارة ثورة العبيد في مصر، وتحول التمرد الفردي إلى حركة جماعية ضد العبودية والظلم.
اختار الفيلم بذلك طريقًا مختلفًا عن غالبية الأعمال التجارية التي نافسته في موسم عرضه، إذ لم يعتمد على الكوميديا الخفيفة أو الأكشن المباشر وحدهما، بل بنى رهانَه على الملحمة التاريخية وعلى خلق عالم كامل له ملامحه البصرية والاجتماعية. وجعل هذا الاختيار “أسد” أقرب إلى مشروع سينمائي طويل النفس، بينما اتجهت أعمال أخرى إلى مخاطبة الجمهور من خلال الإيقاع السريع والضحك والمواقف الجماهيرية.
عانى السيناريو في بعض مشاهده من ضعف الحوار، خصوصًا في المشاهد التي جمعت “أسد” بـ”يكن” أو “ليلى”، إذ بدت بعض الجمل مباشرة وأقل قوة من المشهد البصري نفسه. واحتوى الفيلم في المقابل على مشاهد عنف ودماء قاسية عكست واقع العبودية، لكنها جعلته أكثر ملاءمة لجمهور ناضج يبحث عن تجربة سينمائية واقعية وقاسية، وهو ما يضعه أيضًا في موقع مختلف عن الأفلام الكوميدية التي تستهدف جمهورًا أوسع وأكثر تنوعًا.

نجح محمد دياب في إدارة العدد الكبير من الممثلين بصورة متوازنة، وحافظ على إيقاع جماعي لم يطغَ فيه نجم على آخر رغم تعدد الشخصيات والخطوط الدرامية. وقدم محمد رمضان أداءً مقبولًا في دور “أسد”، إلا أن بعض ملامح شخصياته السابقة، مثل “جعفر العمدة” و”رفاعي الدسوقي”، ظهرت أحيانًا في طريقة الكلام والحضور الجسدي. وبرز كامل الباشا بصورة أكثر إقناعًا في دور “السيد محروس”، مقدمًا شخصية جمعت بين الهيبة والخطر والإنسانية، بينما قدم علي قاسم واحدًا من أبرز أداءات الفيلم في دور “يكن”، معتمدًا على النظرات والصمت.
تفوق الجانب البصري، إذ جاء التصوير وتصميم المشاهد والملابس والمؤثرات البصرية بمستوى إنتاجي ضخم كشف اهتمامًا كبيرًا بالتفاصيل، ومنح الفيلم في كثير من مشاهده مظهرًا قريبًا من الأعمال العالمية. وأضافت موسيقى هشام نزيه بعدًا ملحميًا إلى التجربة، بينما حافظ أحمد حافظ على إيقاع الفيلم رغم طوله وتعدد شخصياته وخطوطه الدرامية، وبرز خصوصًا في مشاهد الثورة والاشتباكات التي جمعت بين الحماس والفوضى المنظمة مع الحفاظ على وضوح الأحداث.
نافس “أسد” في موسم عيد الأضحى فيلم “7 Dogs”، الذي اختار بدوره طريق الإنتاج الضخم والأكشن الجماهيري، وجمع أحمد عز وكريم عبد العزيز في بطولة عمل يعتمد على الحركة والإثارة وحضور نجمين يتمتعان بجاذبية جماهيرية كبيرة. وحقق “7 Dogs” انطلاقة تجارية قوية، متفوقًا على “أسد” في شباك التذاكر خلال أيام العيد، وهو ما أظهر بوضوح أن الجمهور التجاري اتجه بصورة أكبر إلى الأكشن المباشر والإيقاع السريع.
واختلف “أسد” عن “7 Dogs” في طبيعة الرهان رغم تشابه حجم الإنتاج والطموح، إذ اعتمد الأول على التاريخ والتحولات الاجتماعية والثورة، بينما اعتمد الثاني على الأكشن والمطاردات ونجومية بطليه. وكشف هذا التباين أن السينما المصرية والسعودية باتتا قادرتين على تقديم أفلام ذات ميزانيات كبيرة، لكن كل عمل يحاول الوصول إلى الجمهور من بوابة مختلفة؛ فـ”7 Dogs” يراهن على الفرجة والحركة، بينما يراهن “أسد” على العالم التاريخي والملحمة البصرية.
وواجه “أسد” أيضًا فيلم “برشامة”، الذي اتخذ مسارًا مختلفًا تمامًا بالاعتماد على الكوميديا والموضوعات الأقرب إلى الحياة اليومية. ونجح الفيلم في جذب الجمهور تجاريًا، ليؤكد أن المنافسة في الموسم لم تكن بين أفلام متشابهة، بل بين نماذج متعددة من السينما المصرية، من الكوميديا الجماهيرية إلى الأكشن الضخم وصولًا إلى الدراما التاريخية.
وأظهر هذا التباين أن قوة “أسد” لا يمكن قياسها بالإيرادات وحدها، لأن الفيلم دخل المنافسة برهان مختلف عن الأعمال التي اعتمدت على الكوميديا أو الحركة السريعة. وبينما تستطيع الأفلام الكوميدية الوصول إلى شرائح جماهيرية واسعة بفضل سهولة موضوعاتها وخفة إيقاعها، يحتاج الفيلم التاريخي الملحمي إلى جمهور مستعد لمتابعة عالم أكثر تعقيدًا، وإلى وقت أطول لبناء تجربته وشخصياته.
ووضع حضور محمد رمضان الفيلم أيضًا أمام مقارنة أخرى، إذ يمثل النجم واحدًا من أكثر الأسماء ارتباطًا بالنجاح الجماهيري في السينما المصرية، لكن “أسد” طلب منه تقديم شخصية مختلفة عن الصورة التي ترسخت في عدد من أعماله السابقة. وبدل الاعتماد على شخصية البطل المعاصر صاحب الحضور الطاغي، حاول الفيلم وضعه داخل سياق تاريخي يعتمد على التحول الشخصي والثورة الجماعية، وهو تحدٍ فني لا يرتبط بحجم الإيرادات فقط، بل بقدرة النجم على تغيير صورته أمام الجمهور.
أكدت المنافسة كذلك أن التعاون المصري السعودي أصبح جزءًا مهمًا من صناعة الأفلام الضخمة في المنطقة، إذ قدم موسم 2026 أكثر من نموذج على هذا الاتجاه. وأصبح “أسد” و”7 Dogs” مثالين مختلفين على اتساع حجم الإنتاج المشترك وطموح السينما العربية إلى بناء أعمال قادرة على المنافسة جماهيريًا وفنيًا، وهو اتجاه أشارت إليه قراءات تناولت حركة السينما المصرية خلال النصف الأول من العام.
وأثبت “أسد” أن الرهان على الفيلم التاريخي الملحمي يظل أكثر صعوبة من الاعتماد على الكوميديا أو الأكشن المباشر، لكنه في الوقت نفسه يمنح السينما المصرية مساحة لتجربة أشكال جديدة من الإنتاج. ورغم ثغرات السيناريو والحوار، قدم الفيلم تجربة بصرية وسمعية لافتة، وطرح أسئلة حول الحرية والقهر والكرامة، ليصبح حضوره في موسم 2026 مهمًا ليس فقط باعتباره فيلمًا ينافس على شباك التذاكر، وإنما باعتباره محاولة لتوسيع حدود ما يمكن أن تقدمه السينما المصرية تجاريًا وفنيًا.
#أسد #فيلم_أسد #محمد_دياب #محمد_رمضان #رزان_جمال #ماجد_الكدواني #علي_قاسم #كامل_الباشا #السينما_المصرية #السينما_العربية #أفلام_2026 #الأفلام_المصرية #الدراما_التاريخية #الفيلم_التاريخي #الملحمة_السينمائية #الأكشن_السينمائي #الثورة_والعبودية #العبودية #الحرية_والكرامة #النقد_السينمائي #نقد_الأفلام #النقد_الفني #الإخراج_السينمائي #محمد_دياب_أسد #هشام_نزيه #أحمد_حافظ #7Dogs #برشامة #شباك_التذاكر #موسم_عيد_الأضحى #صناعة_السينما_المصرية #السينما_المصرية_المعاصرة #صحيفة_الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي






Leave a Reply