عبدالرحيم الشافعي –الناقد الجديد
اعتماد الصحف المغربية على أخبار وكالات الأنباء، وإعادة تدوير الأفكار والمواد الصحفية، ينهي تدريجيا عصر الصحافة الاستقصائية ويخلف جيلا من المحررين الذين يفضلون المادة الجاهزة على البحث والمغامرة الصحفية.
تلك الأقلام التي تختار التلقين والسطحية، وتعتمد على المعلومات التي تبعثها لها الوكالات، أصابها حتما الكسالى، فبدلا من العمل الدؤوب والاجتهاد والجد والكد والسعي للحصول على المعلومات الموثوقة كما يفعل المراسلون الذين يمتهنون اكتشاف الحقيقة وسط زحام الاكاذيب، ويدقون على الأبواب الموصدة من أجل اقتناص فكرة اصلية، فإن لم يفعلوا المراسلون ذلك، فمن يفعل؟ المحررون؟ المعلقون؟ وما الذي يعرفه المحررون حقا، ولا شك فيه غير ما يأتي به المراسل من قاع البئر؟
فما ترسله الوكالات، ليس الا الخبر يوزع بلغات مختلفة، والأسوأ أنه ينشر في كل الصحف والجرائد إما بنفس الصيغة، أو تجتهد أحد الأقلام وتتوسع في الخبر قليلا حتى يكتسب بعض الخصوصية، أي ليصنعوا الاختلاف، والاختلاف في الحقيقة لا يأتي بالتوسع ولا بصناعة الأخبار، إنما يأتي بفكرة أصلية، ثم بالتحليل والبحث والتنقيب، فصحافة الرأي و صحافة الاستقصاء، والمراسلون هم من يحملون الصفات والسمات المطلوبة التي تعتمد البحث والسرد والأسلوب، والعجيب الغريب أنهم ليسوا خريجي معاهد الصحافة، وهي هي الجوكر في هذا العالم المزيف.
ولا تتوقف المشكلة عند حدود الاعتماد على أخبار الوكالات وإعادة صياغتها، وإنما تمتد إلى ظاهرة أخرى لا تقل خطورة على المهنة، وهي إعادة تدوير أفكار الآخرين والاستيلاء على جهودهم الصحفية والفكرية. فهناك أقلام لا تبحث عن فكرة من واقعها، ولا تنقب عن موضوع جديد، ولا تفتح ملفا مجهولا، وإنما تنتظر أن يقوم صحفي أو كاتب آخر بالبحث والاجتهاد وطرح فكرة جديدة، ثم تأتي بعد ذلك لتعيد تقديم الفكرة ذاتها بعبارات مختلفة، وكأنها ولدت للمرة الأولى على صفحاتها.
السرقة ليست دائما نسخا حرفيا للجمل والكلمات. هناك سرقة أكثر هدوءا وأشد التباسا، تتمثل في سرقة الفكرة والزاوية والأسئلة وطريقة المعالجة. وقد يغير القلم السارق العنوان، ويعيد ترتيب الفقرات، ويستبدل الكلمات، لكنه لا يستطيع إخفاء أنه لم يأت بجديد، وإنما أعاد تدوير ما أنتجه غيره.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد تشابه طبيعي في تناول الأخبار والموضوعات، فالقضايا العامة من حق الجميع أن يكتبوا عنها، وإنما يتعلق الأمر بالزاوية الصحفية والفكرة الأصلية والجهد الذي يبذله صاحبها للوصول إليها. فالصحفي قد يقضي أياما أو أسابيع في البحث والاتصال بالمصادر ومراجعة الوثائق ومقارنة المعلومات حتى يصل إلى فكرة أو معالجة معينة، ثم يظهر قلم آخر فيستولي على جوهر الفكرة، ويعيد ترتيبها وتغيير ألفاظها، ثم يقدمها للقارئ وكأنها نتاج اجتهاده الخاص.وهذا النوع من الممارسة يطرح سؤالا أخلاقيا ومهنيا قبل أن يكون مجرد مسألة تحريرية:
أين الأمانة الصحفية؟ وأين احترام جهد الآخرين؟ وأين حق صاحب الفكرة في أن ينسب إليه السبق الفكري والصحفي؟
فالسرقة ليست دائما نسخا حرفيا للجمل والكلمات. هناك سرقة أكثر هدوءا وأشد التباسا، تتمثل في سرقة الفكرة والزاوية والأسئلة وطريقة المعالجة. وقد يغير القلم السارق العنوان، ويعيد ترتيب الفقرات، ويستبدل الكلمات، لكنه لا يستطيع إخفاء أنه لم يأت بجديد، وإنما أعاد تدوير ما أنتجه غيره.
ومن حق الصحفي أن يستفيد من أعمال زملائه، وأن يبني على تحقيق سابق أو فكرة منشورة، لكن الفرق كبير بين التطوير والاستيلاء. فالتطوير يعني أن يأخذ الصحفي ما نشر قبله، ثم يذهب أبعد منه، ويضيف وثيقة أو شهادة أو معلومة أو تحليلا جديدا. أما أن يأخذ الفكرة نفسها ويقدمها باعتبارها إنجازا شخصيا دون الإشارة إلى صاحبها، فذلك يفرغ العمل الصحفي من إحدى أهم قيمه: الأمانة.
والقلم الذي يعيش على أفكار الآخرين، كما يعيش غيره على أخبار الوكالات، لا يصنع صحافة جديدة؛ إنه يكتفي بإعادة إنتاج ما هو موجود. وإذا كان نقل الخبر الجاهز دون إضافة يضعف قيمة العمل الصحفي، فإن الاستيلاء على أفكار الصحفيين والكتاب الذين اجتهدوا قبل غيرهم يضرب المهنة في صميمها، لأن الصحافة في النهاية ليست كلمات تصطف على الورق، وإنما هي فكرة وبحث واجتهاد ومغامرة ووقت وجهد.
ولهذا فإن الأقلام التي تجعل من إعادة تدوير الأخبار والأفكار منهجا دائما، دون بحث أو إضافة أو اعتراف بأصحاب الجهود السابقة، لا تسيء إلى زملائها فقط، وإنما تسيء إلى المهنة نفسها. فالصحفي الحقيقي لا ينتظر دائما ما يكتبه الآخرون ليعيد إنتاجه، وإنما يبحث عن السؤال الذي لم يطرح، والوثيقة التي لم تظهر، والمعلومة التي لم تصل إلى القارئ بعد.
إن الصحافة لا تحتاج إلى عشرات النسخ من الخبر نفسه، ولا إلى عشرات المقالات التي تدور حول الفكرة نفسها بعد تغيير العناوين والكلمات. ما تحتاجه هو قلم قادر على أن يضيف شيئا جديدا. أما القلم الذي لا يملك سوى إعادة التدوير، سواء للخبر أو للفكرة، فإنه يتحول من أداة لإنتاج المعرفة إلى مجرد وسيلة لإعادة توزيعها.
“أمانة الصحفي تظهر في أمانته تجاه صاحب الفكرة والمصدر.”
وتتزاحم اليوم نسبة كبيرة من الصحف المغربية سواء التابعة للأحزاب أو تلك التي تبدو مستقلة ظاهرهيا، فحصول المؤسسة الإعلامية على الدعم الحكومي لاستمرارها يعني أن الاستقلالية رهينة بما تمليه عليها القوانين، وهذا ليس موضوعنا، وإنما ما يهمنا هو أن أغلب الصحف تستقي مصادرها من وكالة الأنباء المغربية أو العربية أو الإفريقية أو الدولية، وهي مليئة بمعلومات حول المؤتمرات الحكومية أو زيارات الزعماء الأجانب أو ما حققته الدبلوماسية المغربية خارجيا، وهذا أمر متوقع، بينما هناك مواضيع تسعى منظمات حقوقية إلى دسها كأخبار بغرض كسب التأييد، مثل قضايا حقوق النساء والنسوية، وقتل الكلاب مؤخرا، وحقوق الطفل، وغيرها من الأخبار التي تبدو في ظاهرها مرتبطة بحقوق الإنسان او الحيوان، لكنها في باطنها تخفي تخطيطات مموهة لحملات خاصة، خذ على سبيل المثال الضجة المفاجئة حول اللغة الأمازيغية وإدراجها في كل شيء، وكأن جميع الأمازيغ في المغرب يفهمون الأمازيغية المكتوبة، لكن في الواقع لا يفهم كتابتها إلا من درسها أكاديميا، وإذا أجريت إحصاء لعدد الدارسين لها، ستدرك أن القضية أعمق وأكبر من أن تكون مسألة أمازيغية، خاصة أن الأمازيغ منتشرون في إفريقيا كلها وليس في المغرب وحده، وهلم جرّا من المواضيع الخبرية المعروفة، والتي رغم ذلك يتم اجترارها مرارا وتكرارا.
والمال الذي يتلقاه الصحفي ياتي أساسا من أموال ضرائب الشعب المغربي، وهو امر لا يخفى على احد، بينما يعاني نفس الشعب الذي يدفع الضرائب من ارتفاع مهول في الأسعار، سواء في المواد الغذائية أو الملابس أو مصاريف التنقلات، كما أن هناك انتهاكات سكنية مكشوفة، وثغرات قاتلة في بعض المؤسسات العمومية، وطغيان صارخ في إداراتها، وغياب تام لدوريات حماية المستهلك، حيث تباع العديد من المواد الغذائية في الأسواق المغربية دون أي رقابة، كما أن العديد من الأدوية في الصيدليات مختفية وسط خروقات غامضة الملابسات، والفوضى تعم الأقسام الدراسية خاصة الجامعات، حيث يباع النجاح ويشترى، والحديث عن امتحانات الماستر والدكتوراه يطول.
“يا من تسرق أفكار الآخرين، وتعيد صياغتها وتدوير أخبار الوكالات ثم تنسبها إلى قلمك، اسأل نفسك قبل أن تسأل عن أجرك: هل هذا رزقٌ على جهدك، أم مالٌ حرام؟”
وتنتقل إلى المجال الفني فتجد ممثل مغربي يوقع عقدا بقيمة 20 مليون سنتيم، لكنه يتقاضى مليونا فقط، ويرصد لإنتاج فيلم مغربي تلفزيوني 150 مليون سنتيم على الورق، لكنه ينتج فعليا بـ100 مليون سنتيم فقط، وقِس على ذلك فيما يحدث في المقاطعات والجماعات المحلية والشركات والقطاعات التي تحصل على دعم الدولة، فأين هي الصحافة الاستقصائية المغربية؟ أين المراسلون المتمرسون في البحث والتنقيب؟ أين صحافة الشعب الحقيقية التي تتحدث عما يضره، وليس فقط عما يحدث بينهم؟ فالصحافة الحقيقية دورها كشف الخطوط الكبرى وكشف الرؤوس المسؤولة التي توقع على القرارات قبل صدورها، فالحديث عن الضعفاء ومشاكلهم وليس فضحا لهم وتعريتهم أمام العالم، فما يجب أن يراه العالم هو من تسبب في ارتفاع المعيشة في المغرب، ولماذا؟ ومن المستفيد؟
فلماذا يستمر التطبيل والتهليل وكأن الشعب المغربي يعيش في رفاهية؟ يمكن لكل منا أن يزور مستشفى عمومي ليشاهد الانحطاط الانساني مثلا ويطلب موعدا، ليرى بنفسه الوحشية والعبثية التي يعيشها المواطن المغربي، ويمكن لكل منا أن يتفحص المقررات الدراسية ومناهجها ليرى الجيل الذي سيتخرج في المجتمع المغربي، ويمكن لكل منا أن يرى الكم الهائل من المواد الإباحية المتاحة مجانا لجميع شرائح المجتمع المغربي بضغطة زر، ويرى مستوى الأخلاق الذي وصل إليه هذا المجتمع، فمن المستفيد أساسا من ترك هذه المواقع منتشرة دون حسيب أو رقيب؟ فلينظر كل منا إلى نوعية الأفلام والمسلسلات التي نشاهدها، والبرامج التي تبثها القناة الثانية، وسنعرف نوعية العقليات التي تسير الثقافة والفن في المغرب، فما إن تسأل نفسك من المستفيد، حتى تدرك أن الجميع يأكل من نفس الكتف، والغرض هو إبقاء الشعب المغربي منشغلا عن ما يفيده حقا مثل طلب العلم والمعرفة والتعامل مع الورقة والقلم والكتاب، بدلا من السهرات والهواتف الذكية ومضيعة الوقت في ملاعب كرة القدم والأسواق التجارية ووسائل التواصل الاجتماعي حيث يضيع عمر الإنسان مجانا.
#الصحافة_المغربية #الصحافة_الاستقصائية #الصحافة_المستقلة #أخلاقيات_الصحافة #أخلاقيات_المهنة #السرقة_الصحفية #سرقة_الأفكار #إعادة_تدوير_الأخبار #إعادة_تدوير_الأفكار #أخبار_وكالات_الأنباء #وكالات_الأنباء #الإعلام_المغربي #الصحافة_والإعلام #المراسل_الصحفي #التحقيق_الصحفي #التحقيقات_الصحفية #صحافة_الرأي #حرية_الصحافة #استقلالية_الصحافة #المهنية_الصحفية #الأمانة_الصحفية #المصداقية_الإعلامية #الإعلام_المغربي_المعاصر #نقد_الإعلام #نقد_الصحافة #الصحافة_والسلطة #الصحافة_والمجتمع #الإعلام_والدعم_الحكومي #الصحافة_والدولة #المجتمع_المغربي #المغرب #الصحافة_الشعبية #صحافة_المواطن #كشف_الفساد #محاربة_الفساد #الفساد_الإداري #الفساد_المالي #صحافة_التحقيق #التحقق_من_المعلومات #السبق_الصحفي #صحيفة_الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي











Leave a Reply