ويكشف عدد سبتمبر 2026 من مجلة “أمريكان سينماتوغرافر” عن انشغال واضح بمستقبل الصورة السينمائية، من خلال أفلام ومشروعات تستعيد بعض تقاليد التصوير الكلاسيكي، وتختبر في الوقت نفسه إمكانات التكنولوجيا الحديثة. ويمنح العدد القارئ فرصة للنظر إلى السينما من موقع الكاميرا، لا من موقع الشاشة وحدها، عبر حوارات مع مديري تصوير يتحدثون عن الضوء والعدسات والفيلم والحركة، وعن القرارات الصغيرة التي تصنع في النهاية الهوية البصرية للعمل.
ويستهل العدد ملفه الأبرز بحوار مطول مع مدير التصوير الهولندي هويته فان هويتيما حول فيلم “الأوديسة” للمخرج كريستوفر نولان. ويقف الحوار طويلاً عند قرار تصوير الفيلم بكاميرات آيماكس 70 ملم، وهو اختيار يضع المادة الفيلمية في قلب مشروع بصري واسع الطموح. ويتحدث فان هويتيما عن الصعوبات العملية التي رافقت استخدام هذه الكاميرات، من وزنها وحجمها إلى الضوضاء التي تصدر عنها، فضلاً عن صعوبة التعامل معها في بعض مواقع التصوير.
ويشرح فان هويتيما كذلك سبب تمسكه بالسيلولويد، مستنداً إلى طبيعة الصورة التي تنتجها المادة الفيلمية وإلى ملمسها الحبيبي وطريقة تعاملها مع الضوء. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة مع فيلم مثل “الأوديسة”، الذي يقوم على الإحساس بالاتساع وعلى الرغبة في استعادة صورة سينمائية تستفيد من إمكانات الشاشة الكبيرة. ويبدو اختيار الآيماكس هنا جزءاً من تصور متكامل للتجربة، يبدأ من التصوير وينتهي داخل قاعة العرض.
ويستعيد هذا الخيار أيضاً النقاش حول مكانة الفيلم السينمائي في مرحلة أصبحت فيها الكاميرات الرقمية حاضرة في معظم مراحل الإنتاج. ولا يقدم العدد السيلولويد بوصفه نقيضاً للتكنولوجيا الرقمية، وإنما يعرضه كخيار جمالي له خصائصه الخاصة. ويمنح هذا الطرح النقاش قيمة أبعد من المقارنة التقنية المباشرة، لأنه يضع السؤال الحقيقي أمام صناع الفيلم: ماذا نريد من الصورة، وأي وسيط يستطيع التعبير عنها بأفضل شكل؟
ويكشف الملف المرافق لـ”الأوديسة” عن جانب آخر من التجربة، يتمثل في تطوير أداة إضاءة حملت اسم “البيراهيدرون”. وطوّر فان هويتيما وطاقمه هذه الوحدات التي تعمل بالبطاريات للمشاهد الليلية، مع محاولة محاكاة ضوء النار بطريقة تمنح فريق التصوير حرية أكبر في المواقع الطبيعية. ويكشف هذا الابتكار عن طبيعة العمل خلف الكاميرا، إذ تنشأ بعض الحلول التقنية من احتياجات محددة يفرضها المكان والمشهد، ثم تتحول إلى جزء من اللغة البصرية للفيلم.
وينتقل العدد إلى فيلم “موت روبن هود: الرجل ضد الأسطورة”، من خلال حوار مع مدير التصوير بات سكولا والمخرج مايكل سارنوسكي. ويبحث الطرفان عن معالجة مختلفة لشخصية استقرت طويلاً في المخيلة السينمائية، مع الابتعاد عن الصورة البطولية التقليدية التي ارتبطت بها. ويعتمد التصوير على الإضاءة والتكوين والزوايا للاقتراب من شخصية أكثر تعقيداً، وعلى خلق علاقة متوترة بين الأسطورة والإنسان.
ويمنح هذا الاختيار الفيلم مساحة لإعادة النظر في صورة روبن هود بعيداً عن المعالجات المألوفة. وتتحول الصورة في هذه التجربة إلى عنصر من عناصر إعادة بناء الشخصية، لا إلى إطار جمالي منفصل عنها. ويكشف الحوار عن أهمية التفاصيل البصرية في صناعة المزاج الدرامي، وعن الدور الذي يؤديه مدير التصوير في ترجمة الرؤية الإخراجية إلى إحساس ملموس بالصورة.
يتوقف العدد عند تجربة مدير التصوير تودور فلاديمير باندورو في فيلم “فيورد”، الفائز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان. ويركز المقال على بناء العالم البصري للفيلم وعلى العلاقة المهنية والإبداعية بين باندورو والمخرج. وتبرز القراءة قدرة التصوير على حمل الشحنة العاطفية للعمل، عبر توظيف الضوء والتكوين وحركة الكاميرا في خدمة الشخصيات والسرد.
ويبرز العدد تجربة أكثر تركيباً في فيلم “سبايدر-نوار”، عبر مقابلة مع مديري التصوير داران تيرنان وبيتر ديمينغ. ويعتمد الفيلم معالجة تسمح بتقديم نسختين بصريتين، إحداهما بالأبيض والأسود والأخرى بالألوان، اعتماداً على الإطارات نفسها. ويضع هذا الأسلوب فريق التصوير أمام تحديات دقيقة في الإضاءة والتكوين والمعالجة، خصوصاً مع ضرورة الحفاظ على هوية المشهد في صيغتين مختلفتين.
يطرح “سبايدر-نوار” من خلال هذه التجربة سؤالاً حول قابلية الفيلم الواحد لإنتاج أكثر من تجربة بصرية. وتمنح التقنيات الحديثة صناع السينما مجالاً واسعاً لهذا النوع من التجريب، غير أن قيمة التجربة تظل مرتبطة بالانسجام بين الشكل والمضمون. فالأبيض والأسود أو اللون لا يصبحان مجرد خيارين تقنيين، وإنما يدخلان في تشكيل مزاج الفيلم وطريقة تلقيه.
ويخصص العدد مساحة لتكريم مدير التصوير الراحل جوناثان تايلور، مستعيداً محطات من مسيرته وشهادات عدد من زملائه. ويأخذ هذا التكريم بعداً مهنياً يتجاوز الرثاء، لأنه يضيء على خبرة تتصل بتاريخ تطور الإضاءة والتصوير السينمائي. ويعيد القسم القارئ إلى فكرة أساسية في المهنة: الأدوات تتغير، لكن المعرفة التي يصنعها المصور عبر سنوات العمل تظل جزءاً من ذاكرة السينما.
ويستعرض العدد كذلك مجموعة من المواد المتعلقة بالعدسات والإضاءة ومعدات التصوير، إلى جانب أخبار جمعية المصورين السينمائيين الأمريكية وبرامجها التعليمية وأنشطتها المهنية. وتمنح هذه المواد المجلة توازناً بين القراءة النقدية والمرجع التقني، فتنتقل من تجربة فيلم كبير إلى تفاصيل المعدات التي تساعد المصور على تحويل الفكرة إلى صورة.
ويضع العدد جميع هذه التجارب أمام فكرة واحدة: لا قيمة للتقنية خارج الرؤية التي تستعملها. فالكاميرا المتطورة لا تصنع وحدها صورة عظيمة، والعدسة لا تمنح الفيلم هويته من تلقاء نفسها، والإضاءة لا تصبح لغة سينمائية إلا عندما ترتبط بالمشهد والشخصية والإيقاع. وتظهر قيمة مدير التصوير في قدرته على اتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة، لا في امتلاكه أكبر عدد من الأدوات.
ويبين العدد صورة متوازنة لعلاقة السينما بماضيها ومستقبلها. يستعيد السيلولويد حضوره في “الأوديسة”، وتدخل أدوات إضاءة جديدة إلى مواقع التصوير، وتفتح المعالجة الرقمية في “سبايدر-نوار” إمكانات متعددة للصورة. ولا تبدو هذه الاتجاهات متعارضة؛ فالسينما تستفيد من تاريخها بقدر استفادتها من التكنولوجيا، وتعيد استخدام الوسائل القديمة عندما تجد فيها خصائص تخدم رؤيتها.
ويمنح العدد القارئ في النهاية ما هو أبعد من أخبار الأفلام والمعدات. إنه يتيح النظر إلى السينما من الداخل، إلى العمل الذي يسبق الصورة التي تصل إلى الشاشة، وإلى القرارات التي تحدد لون المشهد وملمسه وعمقه وإيقاعه. وتكشف المواد المنشورة عن مهنة تقوم على الحس الفني بقدر اعتمادها على المعرفة التقنية، وعن مصورين يتعاملون مع الضوء باعتباره مادة سردية لا مجرد وسيلة لإظهار الأشياء.
ويؤكد عدد سبتمبر 2026 من “أمريكان سينماتوغرافر” أن السؤال حول مستقبل الصورة لا ينحصر في الاختيار بين الفيلم والرقمي، وإنما يتصل بقدرة السينمائي على تحويل الأداة إلى لغة. وتمنح أفلام مثل “الأوديسة” و”موت روبن هود: الرجل ضد الأسطورة” و”فيورد” و”سبايدر-نوار” المجلة مادة غنية لهذا النقاش، لأنها تكشف اختلاف الأساليب مع استمرار البحث عن الغاية نفسها: صناعة صورة تحمل روح الفيلم وتبقى في ذاكرة المشاهد.
#عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #صحيفة_الناقد_الجديد #أمريكان_سينماتوغرافر #AmericanCinematographer #النقد_السينمائي #التصوير_السينمائي #السينماتوغرافيا #السيلولويد #آيماكس #IMAX #الفيلم_السينمائي #السينما_الرقمية #مدير_التصوير #الإضاءة_السينمائية #العدسات_السينمائية #اللغة_البصرية #الصورة_السينمائية #التكنولوجيا_السينمائية #الأوديسة #سبايدر_نوار #موت_روبن_هود #فيورد #السينما_المعاصرة











Leave a Reply