عبدالرحيم الشافعي – الناقد الجديد
يقدم عدد شتنبر 2026 من مجلة “سايت آند ساوند” البريطانية صورة واسعة ومركبة للمشهد السينمائي العالمي، تجمع بين السينما الملحمية والتجارب الشخصية، وبين التقنية والذاكرة، وبين أفلام الحاضر واستعادة أرشيف الماضي. ويضع العدد في واجهته المخرج كريستوفر نولان وفيلمه “الأوديسة”، لكنه لا يتوقف عند مشروع سينمائي ضخم أو عند علاقة المخرج بالتقنيات الحديثة، بل يفتح من خلاله نقاشاً أوسع حول قدرة السينما على استعادة شكلها الملحمي في عصر أصبحت فيه المشاهدة موزعة بين القاعات والمنصات والشاشات الصغيرة. ويوازي العدد هذا النقاش بعودة إلى نيويورك في سبعينيات القرن الماضي، وبتجارب سينمائية تستعيد التراجيديا اليونانية وتعيد صياغتها داخل سياقات محلية معاصرة، إلى جانب حوارات مع بيدرو ألمودوفار ومايتي ألبيردي، ومواد تأبينية تستعيد إرث شخصيات كان لها تأثير عميق في تاريخ السينما والنقد والبرمجة.
يكشف العدد من خلال هذا التنوع عن سؤال مشترك يربط مواده المختلفة، يتعلق بقدرة السينما على تحويل التجربة الفردية والمحلية والتاريخية إلى مادة ذات أفق كوني. وتظهر الملحمة هنا بأشكال متعددة؛ فقد تكون رحلة أسطورية مثل رحلة أوديسيوس، أو مدينة مأزومة مثل نيويورك السبعينيات، أو تراجيديا يونانية يعاد نقلها إلى ويلز، أو قصة شخصية عن الشيخوخة والإبداع، أو تجربة إنسانية تكشف الحدود المعقدة بين الحقيقة والخيال. ويجعل هذا التنوع من العدد قراءة في السينما بوصفها فناً لا يتوقف عن العودة إلى الماضي، لكنه يفعل ذلك من أجل مساءلة الحاضر.
يستهل العدد ملفه الرئيسي بمقابلة مطولة مع المخرج البريطاني كريستوفر نولان حول فيلمه “الأوديسة”، المستوحى من ملحمة هوميروس، ويبحث الحوار في الظروف الفنية والإنتاجية التي سمحت للمخرج بخوض مشروع بهذا الحجم بعد النجاح الكبير الذي حققه فيلم “أوبنهايمر”. ويظهر في حديث نولان أن النجاح التجاري والنقدي لم يمنحه فقط موقعاً أكثر قوة داخل الصناعة، وإنما أتاح له مساحة أوسع لاختيار مشروع شديد الطموح، يستند إلى نص كلاسيكي ويعيد تقديمه لجمهور القرن الحادي والعشرين.
يربط نولان ملحمة العودة إلى الوطن بأسئلة معاصرة تتعلق بالهوية والفقدان والبحث عن المعنى، ويرى أن قوة الحكاية القديمة تكمن في قدرتها على تجاوز زمنها الأصلي والتحدث إلى تجارب إنسانية متجددة. ويضع في الوقت نفسه تجربة المشاهدة داخل القاعة السينمائية في قلب مشروعه، مؤكداً أهمية الجمهور الذي يشاهد الفيلم جماعياً في فضاء صمم خصيصاً للصورة والصوت، في مقابل المشاهدة الفردية على الشاشات المنزلية. ويصر نولان على استخدام تقنية “آيماكس” والفيلم السينمائي منذ بداية المشروع، ولا يتعامل مع هذه الخيارات باعتبارها مجرد أدوات لرفع جودة الصورة، وإنما يجعلها جزءاً من تصور الفيلم نفسه. ويصبح الحجم الهائل للصورة وطبيعة العرض السينمائي وسيلة لإعادة بناء الإحساس بالملحمة، بحيث تتحول التقنية إلى عنصر سردي يساهم في إنتاج التجربة وليس مجرد وسيلة لتسجيلها. ويتابع العدد ملف نولان بتقرير تقني معمق حول الصعوبات التي رافقت استخدام كاميرات “آيماكس” الكبيرة والثقيلة، إذ واجه فريق العمل تحديات مرتبطة بتحريك الكاميرات داخل مواقع التصوير المختلفة وبالتوفيق بين حجم المعدات ومتطلبات الحركة والمرونة. ويكشف التقرير أن اختيار الفيلم السينمائي وتقنية “آيماكس” يفرض على الإنتاج حلولاً لوجستية وهندسية معقدة، خصوصاً عندما يكون الهدف هو استخدام هذه المعدات في مواقع متنوعة وفي مشاهد تتطلب حركة واسعة.
“`html “`يضع هذا الجانب التقني مشروع نولان داخل مسار طويل من البحث عن إمكانات الصورة السينمائية الكبرى، حيث لم تعد التقنية مجرد وسيلة لتسجيل المشهد، بل أصبحت جزءاً من الطريقة التي يفكر بها المخرج في علاقة الجمهور بالصورة. ويظهر إصرار نولان على الفيلم السينمائي الحقيقي في سياق دفاعه عن ملمس الصورة وعن التجربة التي يرى أنها ترتبط بهذا النوع من التصوير والعرض. وينتقل العدد بعد ذلك من الملحمة الهوميرية إلى نيويورك سنة 1976، عبر مقال لبيكا فويلكر يقارن بين فيلم “سائق التاكسي” لمارتن سكورسيزي وفيلم “أخبار من الوطن” لشانتال أكرمان. ويعيد المقال قراءة العملين باعتبارهما وثيقتين سينمائيتين لمدينة واحدة في لحظة تاريخية مضطربة، مع اختلاف جذري في النظرة والأسلوب والموضوع.
يستخرج المقال من “سائق التاكسي” صورة لمدينة تعيش العزلة والعنف والتوتر، بينما يقرأ “أخبار من الوطن” من خلال الاغتراب والذاكرة والمسافة والانفصال عن المكان. ويمنح مرور خمسين عاماً على تصوير العملين أهمية إضافية لهذه المقارنة، لأن المدينة التي ظهرت في السبعينيات تتحول إلى أرشيف بصري يمكن من خلاله قراءة أسئلة الحاضر حول الهوية والانتماء والمكان. ويربط المقال بين الماضي والحاضر من خلال قدرة الصورة السينمائية على الاحتفاظ بأشياء تتجاوز الحكاية الأصلية، فالمدينة التي تسجلها الكاميرا تصبح مع مرور الزمن ذاكرة بصرية، ويمكن للأجيال اللاحقة أن تعود إليها لاكتشاف تفاصيل اجتماعية وثقافية وسياسية ربما لم تكن هي الموضوع المباشر للفيلم.
ويقدم الكاتب المسرحي غاري أوين تجربة تحويل مسرحيته “إيفيجنيا في سبليت” إلى الفيلم الويلزي “إيفي أو بلايناو”، ويشرح كيف انتقلت التراجيديا اليونانية من سياقها الأصلي إلى واقع اجتماعي معاصر في ويلز. ويضع الفيلم الحكاية داخل فضاء متأثر بالتقشف الاقتصادي، وينقلها من شوارع كارديف إلى جبال غوينيد، بما يمنح الطبيعة دوراً أساسياً في إعادة بناء الطابع الملحمي للعمل. ويشرح أوين أهمية اختيار اللغة الويلزية بدلاً من الإنجليزية، لأن اللغة تصبح في هذه الحالة جزءاً من هوية الفيلم ومن علاقته بالمكان. ويظهر الانتقال من المسرح إلى السينما باعتباره عملية إعادة كتابة بصرية، لا مجرد تحويل حرفي للنص، حيث تكتسب المناظر الطبيعية والصورة والمكان قدرة على التعبير عن الصراع والتراجيديا بطريقة مختلفة عن الخشبة. ويجمع الفيلم بذلك بين التراث الكلاسيكي والواقع الاجتماعي المعاصر، ويكشف كيف يمكن للأسطورة القديمة أن تجد حياة جديدة داخل مجتمع محلي بعيد جغرافياً وثقافياً عن اليونان القديمة، من دون أن تفقد قدرتها على طرح أسئلة تتعلق بالمصير والتضحية والهوية والجماعة.
يحاور العدد المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار في مقابلة مطولة حول فيلمه “كريسماس مرير”، الذي يصفه المخرج باعتباره واحداً من أكثر أعماله اقتراباً من السيرة الذاتية المتخيلة. ويبحث الحوار في الحدود المتداخلة بين حياة الفنان وعمله، وفي الطريقة التي تتحول بها الشخصيات الحقيقية والتجارب الشخصية إلى مواد يعاد تشكيلها داخل عالم خيالي. ويتأمل ألمودوفار في علاقته بأصدقائه وعائلته وبالأشخاص الذين يشكلون محيطه، موضحاً كيف يمكن للفنان أن يستمد من الواقع دون أن يحوله بصورة مباشرة إلى مادة للاستهلاك. ويبرز هنا مفهوم “التغذية الفنية”، حيث يصبح المحيط الإنساني مصدراً للشخصيات والأفكار والمواقف، لكن عملية التحويل الفني تظل مرتبطة بالخيال وإعادة البناء.
ينفتح الحوار كذلك على أسئلة الشيخوخة والإبداع والأخلاق والعزلة، ويظهر الفن باعتباره وسيلة للمواجهة الذاتية ولإعادة بناء العلاقة مع الآخرين. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة داخل تجربة ألمودوفار، لأن السينما لديه تتحول باستمرار إلى مساحة للبحث في الذاكرة والرغبة والخوف والعلاقات الإنسانية. ويحاور نيك برادشو المخرجة التشيلية مايتي ألبيردي حول فيلمها الوثائقي “طفل من لحمي ودمي”، الذي يتناول قصة امرأة مكسيكية شابة ادعت الحمل لسنوات بهدف إرضاء أسرتها والهروب من الضغوط الاجتماعية. ويضع الفيلم أمام المخرجة مجموعة معقدة من الأسئلة المتعلقة بالأمومة والمرأة والوهم والواقع، ويجعل من الحالة الفردية مدخلاً لفهم الضغوط التي يمكن أن تفرضها التوقعات الاجتماعية على النساء. وتتعامل ألبيردي مع الشخصية دون إصدار أحكام مبسطة، وتحاول الاقتراب من الجوانب النفسية والأخلاقية للحالة، وهو ما يوسع مساحة الفيلم الوثائقي من تسجيل الواقعة إلى مساءلة دوافعها وتناقضاتها. ويظهر في تجربتها انتقال من الوثائقي الحميمي إلى بحث أعمق في العلاقة بين الحقيقة والخيال، وبين ما يحدث فعلاً وما يعيد الإنسان اختراعه لحماية نفسه.
ويخصص العدد مساحة واسعة لتوني راينز، الناقد والمبرمج والمترجم الذي رحل سنة 2026، من خلال شهادات يقدمها توم تشارتي لمخرجين بارزين، من بينهم بونغ جون هو وجون وو وونغ كار واي. وتستعيد هذه الشهادات الدور الذي لعبه راينز في تعريف الجمهور الغربي بالسينما الآسيوية على مدى عقود، سواء من خلال الكتابة أو الترجمة أو البرمجة وتنظيم المهرجانات. ويظهر راينز في هذه الشهادات باعتباره أكثر من ناقد يكتب عن الأفلام، إذ تحول عمله إلى شكل من أشكال الوساطة الثقافية التي سمحت لأفلام ومخرجين بالوصول إلى جماهير لم تكن تملك دائماً مفاتيح اكتشافهم. وتكشف هذه التجربة أهمية الناقد والمبرمج والمترجم في بناء العلاقات بين الثقافات السينمائية، خصوصاً عندما تكون المعرفة بالسينما الأجنبية محدودة داخل جمهور معين ويرى الناقد ديفيد طومسون الممثل النيوزيلندي سام نيل، مستعيداً مسيرته الطويلة في السينما العالمية وشخصيته المهنية التي جمعت بين النجاح الجماهيري والتواضع. ويقدم طومسون صورة لممثل امتلك حضوراً واضحاً لكنه لم يحوله إلى استعراض للسلطة، وحافظ على علاقة إنسانية ومهنية مع زملائه والجمهور. ويربط النص بين نجاح نيل التجاري وبين قدرته على الحفاظ على صورة إنسانية هادئة، ويجعل من هذه المسيرة مناسبة للتأمل في نوع من النجومية التي لا تقوم فقط على الحضور الطاغي، وإنما على الثقة والاستمرارية والقدرة على الانتقال بين الأعمال والأنواع السينمائية المختلفة.
يعيد العدد نشر مقابلة قديمة مع المخرج الفرنسي كلود شابرول من شتاء 1970-1971، بمناسبة استعادة أفلامه في سينما معهد الفيلم البريطاني. ويتيح هذا الرجوع إلى الأرشيف فرصة لإعادة قراءة مخرج ارتبط بالموجة الجديدة، لكنه ظل يحتفظ بمسافة خاصة عن التصنيفات الجاهزة. ويكشف الحوار عن سخرية شابرول وحدته في تشريح الطبقة البرجوازية الفرنسية، وعن طريقته في الجمع بين الترفيه والنقد الاجتماعي. ويمنح نشر المقابلة بعد مرور عقود قيمة مزدوجة، لأنها توثق خطاب المخرج في لحظة تاريخية، وفي الوقت نفسه تسمح بإعادة قراءة أفلامه من منظور الحاضر.
يخصص العدد تقريراً عن الدورة الأربعين لمهرجان “إيل سينما ريتروفاتو” في بولونيا الإيطالية، حيث تتقاطع متعة مشاهدة الأفلام الكلاسيكية مع العمل المضني في مجال الحفظ والترميم. ويعيد المهرجان طرح سؤال الذاكرة السينمائية، لأن عرض الفيلم القديم لا ينفصل عن الجهود التي بذلت للحفاظ عليه واستعادة نسخته وإتاحته لجمهور جديد. ويبرز التقرير أهمية الترميم باعتباره جزءاً من الثقافة السينمائية وليس مجرد عمل تقني خلف الكواليس، لأن استعادة الأفلام تعني أيضاً استعادة طرق في التفكير والتصوير والأداء وتاريخاً كاملاً من التجارب التي يمكن أن تضيع إذا لم يتم الحفاظ عليها.
يختتم رئيس التحرير مايك ويليامز العدد بافتتاحية تربط بين الملاحم اليونانية القديمة والقصص المعاصرة في ويلز، ويضع مفهوم الملحمة داخل فعل التصوير نفسه. ويشير هذا المنظور إلى أن ضخامة الحكاية لا تتحدد فقط بحجم الأحداث أو بقدم الأسطورة، وإنما بالطريقة التي تختار بها الكاميرا أن تنظر إلى الشخصيات والعالم. ويجمع العدد من خلال هذه المواد المتباعدة ظاهرياً، بين أوديسيوس وشوارع نيويورك، وبين التراجيديا اليونانية وويلز، وبين ألمودوفار وألبيردي، وبين أرشيف شابرول وذاكرة توني راينز وسام نيل. ويكشف هذا الجمع أن السينما قادرة على إنتاج الملحمة من التفاصيل اليومية بقدر قدرتها على استعادة الأساطير الكبرى.
#سايت_آند_ساوند #SightAndSound #مجلة_سايت_آند_ساوند #سبتمبر_2026 #سينما_2026 #السينما_العالمية #النقد_السينمائي #مجلات_السينما #كريستوفر_نولان #الأوديسة #أوديسيوس #هوميروس #ملحمة_الأوديسة #سينما_الأوديسة #آيماكس #IMAX #الفيلم_السينمائي #السينما_الملحمية #مارتن_سكورسيزي #سائق_التاكسي #شانتال_أكرمان #أخبار_من_الوطن #نيويورك_1976 #سينما_السبعينيات #إيفيجنيا_في_سبليت #إيفي_أو_بلايناو #التراجيديا_اليونانية #السينما_الويلزية #بيدرو_ألمودوفار #مايتي_ألبيردي #توني_راينز #سام_نيل #كلود_شابرول #الموجة_الجديدة #السينما_الآسيوية #السينما_الكلاسيكية #ترميم_الأفلام #حفظ_التراث_السينمائي #ذاكرة_السينما #أرشيف_السينما #مهرجان_إيل_سينما_ريتروفاتو #السينما_والذاكرة #صحيفة_الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي











Leave a Reply