الناقد الجديد – عبدالرحيم الشافعي
يكشف العدد 834، الصادر في شتنبر 2026، من مجلة “كراسات السينما” عن رغبة واضحة في استعادة النقد السينمائي بوصفه ممارسة فكرية تسائل شروط إنتاجها وعلاقتها بالتاريخ والسلطة والمجتمع. ويواصل العدد، من خلال ملفاته ومراجعاته ومقالاته التاريخية، تقليداً نقدياً ارتبط بالمجلة منذ تأسيسها سنة 1951، حين تحولت إلى إحدى المنصات الأساسية التي مهدت لظهور الموجة الجديدة الفرنسية، ثم ظلت وفية لفكرة مركزية تتمثل في الدفاع عن السينما باعتبارها فناً يحمل رؤية شخصية للعالم. ويضع العدد هذه الفكرة في مواجهة مباشرة مع أنماط الإنتاج التجاري ومع الميل إلى تحويل السينما إلى صناعة للاستهلاك السريع، مؤكداً أن النقد لا يستعيد أهميته بالعودة الحنينية إلى الماضي، وإنما بقدرته على اكتشاف الأعمال التي تفتح أسئلة جديدة حول الحاضر.
ويستهل العدد افتتاحيته التي كتبها رئيس التحرير ماركوس أوزال بإشادة قوية بفيلم “نوتر سالو” لإيمانويل مارّ، مقدماً إياه بوصفه أحد أبرز أفلام الموسم الفرنسي. ويقرأ أوزال الفيلم من خلال الطريقة التي يعيد بها النظر في فترة حكومة فيشي، لا باعتبارها مرحلة تاريخية مغلقة يمكن إدانتها من موقع أخلاقي مريح، وإنما باعتبارها فضاءً بشرياً معقداً تحركه المصالح والطموحات والخوف والانتهازية والإيديولوجيا والسخرية. ويمنح هذا المنظور الفيلم قوته النقدية، لأنه ينقل الاهتمام من الشخصيات التي يسهل تصنيفها بوصفها شريرة إلى الموظفين والأفراد العاديين الذين وجدوا أنفسهم داخل جهاز سياسي وأخلاقي آخذ في الانهيار.
ويحوّل هذا الاختيار التاريخ إلى أداة لفحص الحاضر، إذ لا تكمن أهمية الفيلم في إعادة تمثيل فيشي فحسب، وإنما في مساءلة الآليات التي تجعل الأفراد يتكيفون مع أنظمة سياسية وأخلاقية متصدعة. ويجد العدد في هذا الجانب تحديداً سبباً للدفاع عن الفيلم وعن السينما المعاصرة التي تجعل المتفرج شريكاً في إنتاج السؤال. وبهذا المعنى، يصبح استحضار الماضي وسيلة لفهم الحاضر.
ويوسع العدد اهتمامه بفيلم “نوتر سالو” من خلال ملف خاص يضم مقابلات مع إيمانويل مارّ، والممثل الرئيسي سوان أرلو، والمونتير، إلى جانب مؤرخ متخصص في الإدارة خلال نظام فيشي. ويكشف هذا الملف عن الطريقة التي تشكلت بها مادة الفيلم انطلاقاً من مراسلات عائلية، قبل أن تتحول الوثائق والذاكرة الخاصة إلى بناء سينمائي يشتغل على المسافة الفاصلة بين التاريخ الكبير والتجربة اليومية للأفراد. ويمنح هذا المسار الفيلم قدرة على الاقتراب من تفاصيل الإدارة الفيشية وممراتها وموظفيها دون تحويلها إلى فضاء كاريكاتوري للشر.
ويضع هذا الاختيار الشخصيات داخل ما يمكن وصفه بمنطقة رمادية لا تسمح بإصدار أحكام سهلة، إذ يتداخل الطموح الشخصي مع الخوف، وتختلط القناعة السياسية بالحسابات الصغيرة، ويتحول الموظف العادي إلى جزء من منظومة أكبر منه. ويجعل هذا التعقيد المسؤولية الفردية محوراً أساسياً في القراءة التي يقدمها العدد، لأن السؤال يتعلق بمن نفذها، ومن صمت عنها، ومن استفاد منها، ومن حاول التكيف معها. ويمنح الفيلم، وفق هذه القراءة، التاريخ بعداً فلسفياً يتجاوز إعادة بناء الحقبة إلى التفكير في قابلية الإنسان للتكيف مع الانهيار الأخلاقي.
ويتابع العدد هذا الاشتغال على علاقة السينما بالواقع من خلال مجموعة من الأفلام الفرنسية المستقلة الجديدة، مستحضراً أعمال برونو دومون وكلير سيمون وفيليكس دو جيفري وغيرهم. ويمنح النقاد هذه الأعمال قراءة تركز على اللغة السينمائية وعلى القرارات الشكلية بقدر تركيزها على الموضوعات التي تتناولها، بما يجعل الصورة والمونتاج والأداء والإيقاع عناصر أساسية في فهم الموقف السياسي والجمالي للفيلم. ويظهر هنا دفاع “كراسات السينما” عن سينما المؤلف بوصفه دفاعاً عن الاختلاف في الرؤية قبل أن يكون دفاعاً عن نموذج إنتاج محدد.
ويضع العدد هذه الأفلام في مواجهة ضمنية مع الصناعة التي تميل إلى توحيد الأشكال وإعادة تدوير الصيغ الناجحة، مؤكداً أن قيمة السينما لا تقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى جمهور واسع، وإنما أيضاً بقدرتها على إنتاج لغة خاصة ومقاومة التوقعات الجاهزة. ويصبح النقد، في هذا السياق، وسيلة لحماية المساحات الهشة التي تستطيع من خلالها السينما المستقلة أن تختبر أشكالاً جديدة في النظر إلى المجتمع الفرنسي وتحولاته.
ويفتح العدد مواجهة أخرى مع السينما الأمريكية الكبرى من خلال قراءات نقدية لأبرز إنتاجات الموسم، وفي مقدمتها فيلم”الأوديسة” لكريستوفر نولان. ويضع النقاد الفيلم أمام سؤال العلاقة بين الملحمة والتكنولوجيا والاستعراض، متسائلين عما إذا كان الحجم البصري والقدرات التقنية قادرين وحدهما على إنتاج تجربة سينمائية تتجاوز الإبهار إلى بناء معنى درامي وفلسفي. ولا يتعامل العدد مع الفيلم من موقع الرفض المسبق للسينما ذات الميزانيات الضخمة، وإنما يستخدمه لاختبار السؤال الأوسع حول ما الذي يبقى من الفيلم عندما تتراجع التقنية إلى مرتبة الأداة ويصبح المطلوب هو بناء عالم سردي قادر على حمل ثقل الأسطورة.
ويتسع هذا النقاش ليشمل أفلاماً أخرى، من بينها “نهاية شارع أوك” لديفيد روبرت ميتشل و”جنس وموت المراهقين في مخيم ميازما”، بما يوضح أن اهتمام المجلة بالسينما التجارية ينطلق من محاولة فحص اللغة التي تنتجها الصناعة المعاصرة، والحدود التي تفرضها أنماط الإنتاج والاستهلاك على الخيال السينمائي.
ويفتح العدد ملفاً تاريخياً واسعاً حول السينما الهندية الكلاسيكية الممتدة من الخمسينيات إلى الثمانينيات، مستعيداً أرشيفات ساتياجيت راي ومسارات الموجة الجديدة الهندية، ومركزاً على أفلام وأسماء لم تحظ، وفق هذا الملف، بما يكفي من الاهتمام في فرنسا. ويعيد هذا الاختيار ترتيب العلاقة مع تاريخ السينما العالمية، لأن السينما الهندية لا تظهر هنا باعتبارها هامشاً ثقافياً أو مرادف للفرجة الجماهيرية، وإنما باعتبارها مجالاً غنياً للتجريب الجمالي والاجتماعي والسياسي.
“`html “`ويستعيد الملف أعمالاً تجمع بين الحساسية البصرية والالتزام الاجتماعي، ويكشف من خلالها عن تعدد التيارات التي شكلت السينما الهندية خلال عقودها الكلاسيكية. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة لأنه يقاوم الصورة الاختزالية التي تحصر السينما الهندية في الأشكال التجارية الأكثر شهرة، ويفتح بدلاً منها الباب أمام تراث سينمائي يرتبط بأسئلة الطبقة والمجتمع والحداثة والهوية، كما يرتبط ببحث مستمر عن لغة فنية قادرة على تمثيل التحولات التاريخية.
يعود العدد إلى تاريخ السينما من خلال مقالات تتناول مسارات ماريا شنايدر ولويز بروكس، إلى جانب أعمال مخرجين مثل جان-بيير ثورن وداغ يوهان هوغيرود ويان ترويل. ويستخدم هذه الأسماء باعتبارها مواد لإعادة التفكير في أسئلة لا تزال حاضرة داخل السينما، وفي مقدمتها علاقة الجسد بالصورة، وموقع المرأة، والتجريب، والذاكرة، والبحث عن أشكال سردية مغايرة.
ويؤكد هذا الحضور المتوازي لأسماء من أزمنة وسياقات مختلفة أن التاريخ السينمائي، بالنسبة إلى المجلة، لا يشكل أرشيفاً ساكناً، وإنما مختبراً يمكن العودة إليه كلما ظهرت أسئلة جديدة. وتصبح إعادة القراءة فعلاً نقدياً يعيد اكتشاف ما لم تستنفده الأفلام السابقة، ويمنح الأعمال القديمة إمكانية الدخول مجدداً في حوار مع الحاضر.
ويتضمن العدد كذلك مراجعات لكتب تتناول “الرود موفي” الأمريكي، وتقارير عن اكتشافات المهرجانات الصيفية في بولونيا ومرسيليا وآنسي، إضافة إلى الجزء الثاني من تحقيق واسع حول سينما ما وراء البحار. ويكشف هذا الامتداد عن تصور للثقافة السينمائية يتجاوز الأفلام الأكثر حضوراً في السوق، ليمنح الكتب والمهرجانات والأرشيفات والأعمال الأقل شهرة موقعاً مركزياً في عملية اكتشاف السينما.
ويؤدي المهرجان وفق هذا التصور، وظيفة تتجاوز العرض إلى إعادة تنظيم الذاكرة السينمائية، بينما يسمح الكتاب بإعادة صياغة الأسئلة التي تثيرها الأفلام داخل سياقات تاريخية ونظرية أوسع. وتتكامل هذه المساحات مع النقد الصحفي في بناء ثقافة سينمائية لا تتعامل مع الفيلم بوصفه منتجاً منفرداً، وإنما باعتباره جزءاً من شبكة من الأفكار والمؤسسات والذاكرات والممارسات.
يختتم العدد مساره من دون التخلي عن الروح النقدية التي ميزت “كراسات السينما” تاريخياً، إذ يضع الأعمال الجديدة بجوار التاريخ، والسينما الفرنسية بجوار هوليوود، والسينما الهندية الكلاسيكية بجوار الاكتشافات المعاصرة، وكأنه يعيد طرح السؤال نفسه من زوايا متعددة: كيف يمكن للسينما أن تظل فناً قادراً على مقاومة الاستهلاك السريع وإنتاج معنى جديد؟ ويظهر أن الإجابة التي يقترحها العدد تكمن في الدفاع عن الاختلاف وعن حق الفيلم في أن يكون تجربة فكرية وجمالية لا تختزل في نجاحه التجاري.
ويجعل هذا المنظور من العدد 834 أكثر من حصيلة لمراجعات الأفلام الجديدة، لأنه يقترح تصوراً لوظيفة النقد نفسه. فالنقد لا يكتفي هنا بتحديد ما يستحق المشاهدة، وإنما يبحث في الشروط التاريخية والجمالية والسياسية التي تجعل بعض الأفلام قادرة على البقاء في الذاكرة، ويعيد فتح الأعمال المنسية أمام الحاضر، ويضع السينما المعاصرة أمام تاريخها وأسئلتها. ومن ثم، تبقى العودة إلى فيشي أو إلى السينما الهندية الكلاسيكية محاولة لاستخدام الماضي لاختبار قدرة السينما اليوم على ابتكار أشكال جديدة من النظر والتفكير.
#كراسات_السينما #CahiersDuCinéma #مجلة_كراسات_السينما #عدد_شتنبر_2026 #النقد_السينمائي #نقد_الأفلام #سينما_المؤلف #سينما_المؤلف_الفرنسية #السينما_الفرنسية #السينما_العالمية #إيمانويل_مار #نوتر_سالو #سوان_أرلو #حكومة_فيشي #السينما_والتاريخ #السينما_والسياسة #السينما_والمجتمع #كريستوفر_نولان #الأوديسة #الأوديسة_كريستوفر_نولان #السينما_الأمريكية #السينما_التجارية #السينما_المستقلة #السينما_الهندية #السينما_الهندية_الكلاسيكية #ساتياجيت_راي #الموجة_الجديدة_الهندية #السينما_الهندية_الجديدة #تاريخ_السينما #ذاكرة_السينما #ماريا_شنايدر #لويز_بروكس #الرود_موفي #مهرجان_بولونيا #مهرجان_مرسيليا #أرشيف_السينما #النقد_الثقافي #صحيفة_الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي











Leave a Reply