عبدالرحيم الشافعي –الناقد الجديد
يكشف محتوى “فيلم كومنت” الأمريكية خلال سبتمبر 2026 عن تحوّل يتجاوز الانتقال من الورق إلى الشاشة، إذ يعيد طرح السؤال حول وظيفة النقد السينمائي في زمن أصبحت فيه المهرجانات أكثر سرعة، وتضاعفت فيها الأفلام والفعاليات والمنصات، وأصبح على الناقد أن يستجيب للحدث تقريباً في لحظة وقوعه. وتواصل المجلة، التي تأسست سنة 1962 وأصبحت من أبرز المنابر المستقلة في النقد السينمائي الأمريكي، العمل ضمن نموذج رقمي جديد بعد تحولها إلى مجلة فصلية، مع الحفاظ على مساحة للمقالات المطولة والبودكاست والحوار النقدي والتغطيات الميدانية. ويكشف هذا النموذج عن محاولة للموازنة بين سرعة الاستجابة التي تفرضها البيئة الرقمية وبين تقاليد الكتابة النقدية التي تحتاج إلى الوقت والتأمل والمقارنة.
ويضع محتوى سبتمبر هذه المسألة أمام اختبار عملي واضح من خلال تغطية مهرجان البندقية في دورته الثالثة والثمانين، حيث تتجاور الانطباعات السريعة مع المقالات النقدية والتسجيلات الصوتية والحوار بين النقاد والمبرمجين. ويبرز من خلال هذه المواد تناقض أساسي: قد تبدو الدورة المهرجانية ضعيفة على مستوى البرمجة العامة، بينما تظهر داخلها أفلام منفردة ذات قوة فنية وفكرية كبيرة. ويصبح هذا التناقض مدخلاً لفهم إحدى أهم وظائف النقد: ألا يكتفي بالحكم على المهرجان بوصفه كياناً واحداً، وإنما يبحث داخله عن الأعمال التي تستحق أن تستقل عن السياق الذي عُرضت فيه.
ويحوّل محتوى “فيلم كومنت” المهرجان إلى فضاء للنقاش المستمر من خلال سلسلة من البودكاستات المسجلة من ليدو البندقية، إذ يتحول الحدث السينمائي إلى تجربة نقدية مفتوحة لا تنتظر انتهاء المهرجان حتى تبدأ في تحليل ما جرى. وتناقش الحلقة الخامسة، “علامات الزمن”، التي تجمع الناقد والمبرمج جوردان كرونك والناقدة أويكو سوفو أوغلو، مجموعة من الأفلام من بينها “كوير إدوارد الثاني” لثيو رولاسون، و”يوم في حياة جو: فصل فايدرا” لجاكلين لينتزو، و”داو” لإيليا خرزانوفسكي، إلى جانب أعمال أخرى. ويربط الحوار بين هذه الأفلام وبين العلامات السياسية والثقافية التي تطبع اللحظة الراهنة، محاولاً قراءة الطريقة التي تستجيب بها السينما لأزمات الهوية والسلطة والذاكرة والتوترات الجيوسياسية.
“`html “`ويمنح هذا الشكل الصوتي النقد مساحة مختلفة عن المقال المكتوب، لأن الاختلاف بين المتحدثين يصبح جزءاً من المادة نفسها. ولا تظهر الأفلام باعتبارها موضوعاً لأحكام نهائية، وإنما باعتبارها نقطة انطلاق لحوار حول علاقتها بالحاضر، وحول الأدوات الشكلية التي تستخدمها لتفكيك هذا الحاضر. ويكشف ذلك عن تحول البودكاست من مجرد وسيلة لنقل الانطباع إلى شكل من أشكال التوثيق النقدي الحي للتجربة المهرجانية.
ويستمر الحوار حول البرمجة من خلال لقاء يجمع مبرمجة مهرجان فيينا إيفا سانجيورجي والناقدة الإيطالية باولا كازيلا، إذ يناقشان أفلاماً مثل “بانكر” و”ماسك” و”العروس الصعبة”. ويكشف هذا الحوار عن منطقة غالباً ما تبقى بعيدة عن الكتابة النقدية التقليدية، وهي المنطقة التي تسبق وصول الفيلم إلى شاشة المهرجان: كيف يُختار الفيلم؟ وما المعايير التي تجعله جديراً بالعرض؟ وكيف تتغير فكرة الأهمية السينمائية تبعاً للسياق الجغرافي والثقافي والمؤسساتي؟
ويبرزجوناثان رومني، في تقريره “حار وبارد”، تشخيصاً قاسياً لدورة البندقية، إذ يصفها بأنها ضعيفة عموماً، من أضعف الدورات التي شهدها خلال خمسة عشر عاماً من حضوره المستمر للمهرجان. ويستخدم رومني الحرارة الخانقة التي سيطرت على ليدو بوصفها خلفية حسية لتجربة المهرجان، قبل أن ينتقل إلى البرمجة التي تجمع، في قراءته، بين عدد كبير من الأعمال المتوسطة وبعض اللحظات الاستثنائية. ويبرز من بينها «امرأة مجهولة» لماي التوخي و”حب ممكن” للي تشانغ دونغ.
ويقرأ رومني “امرأة مجهولة” من خلال بنائها البصري الصارم وشخصية المرأة التي تحمل آثار تاريخ من العقاب الجماعي في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. ويمنح أداء ماثيلد آرسيل الفيلم بعداً داخلياً يقوم على الانتقال من الصمت والانضباط إلى الانفجار المكبوت، فيما يقرأ العمل بوصفه معالجة باردة ومنظمة للعنف التاريخي. ويضع هذا التحليل الفيلم في منطقة تجعل آثار الماضي جزءاً من تكوينها النفسي والاجتماعي.
ويتعامل رومني مع “حب ممكن” باعتباره امتداداً لاهتمام لي تشانغ دونغ بالفوارق الطبقية والتوترات الاجتماعية في كوريا الجنوبية. ويبرز استخدام الفلاش باك واللقطات ذات الطابع الإخباري، إلى جانب انتقال الفيلم من الدراما المنزلية إلى نقد الشركات وصناديق الاستثمار الخاصة التي تنظر إلى العمال باعتبارهم موارد قابلة للاستبدال. ويمنح هذا العمل مثالاً على التناقض الذي يهيمن على قراءة الدورة: قد لا يكون المهرجان متماسكاً بوصفه برنامجاً، لكن بعض أفلامه تستطيع إنتاج أسئلة تتجاوز لحظة العرض نفسها.
ويستكشف بيلج إيبيري وغاي لودج، في بودكاست آخر، مجموعة من الأعمال التي أثارت ردود فعل مختلفة، من بينها “حبر” لداني بويل، و”حب ممكن” للي تشانغ دونغ، و”كثير من السكر” لروبرت غرين. ويضع الحوار هذه الأفلام أمام أسئلة تتعلق بالشكل والأسلوب والطموح السياسي، بدلاً من اختزالها في أحكام ثنائية حول النجاح والفشل. ويظهر “حبر” بوصفه فيلماً افتتاحياً ذا طموح سياسي يتناول السلطة الإعلامية، بينما يقدم “كثير من السكر” تجربة وثائقية هجينة تختبر الحدود التقليدية للشكل الوثائقي.
ويعود محتوى سبتمبر أيضاً إلى مواد من العدد الصيفي الرقمي، وفي مقدمتها الملف الذي كتبه بلير ماكليندون حول فيلم “أحب اللصوص” لبوتس رايلي. ويقرأ المقال الفيلم بوصفه تجربة تجمع بين الأفكار الماركسية والكوميديا البصرية والطاقة الجماعية، من خلال قصة مجموعة من النساء اللواتي يمارسن السرقة المنظمة من متاجر الأزياء الفاخرة بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة الطبقية. ويظهر الفيلم هنا باعتباره مثالاً على قدرة السينما المستقلة الأمريكية على تحويل الأفكار السياسية إلى مادة بصرية وحركية لا تتخلى عن المتعة والغرابة.”
ويفتح مقال إيريكا بالسوم، المصحوب بمقابلة أجرتها ديفيكا غيريش مع لوكرسيا مارتيل، مساحة مختلفة داخل المحتوى، من خلال فيلم “أرضنا”. ويقترب النص من عالم المخرجة عبر موضوعات الأشباح والذاكرة والهوية، مركزاً على قدرتها على مزج الواقعي بالخيالي وبناء عوالم لا يمكن فصلها بسهولة عن التاريخ الذي أنتجها. ويتناول الفيلم مقتل الناشط الأصلي خافيير تشوكوبار سنة 2009 على يد ملاك أراضٍ وضباط شرطة سابقين، قبل أن يوسع الحكاية نحو تاريخ طويل من الاستيلاء الاستعماري على الأرض في الأرجنتين.
ويخصص إيمي توبين ملفاً تعريفياً بالممثلة والكاتبة مايكللا كويل، مستعيداً مسارها من صناعة أعمال تلفزيونية جريئة مثل “قد أدمرك” إلى حضورها السينمائي في أعمال حديثة مثل “الكريستوفرز” و”الأم ماري”. ويقرأ الملف مسيرتها من خلال تعدد وظائفها الإبداعية، إذ تتحرك بين الكتابة والتمثيل والإخراج وبناء الشخصيات.
ويبرز هذا المسار صورة لفنانة تستفيد من الحدود المتحركة بين أشكال الصناعة السينمائية والتلفزيونية، وتستخدم هذه المساحات لإنتاج شخصيات تجمع بين الهشاشة والقوة والسيطرة. ويضعها الملف ضمن جيل من الفنانين الذين لم تعد المهنة لديهم مساراً واحداً، وإنما شبكة من المهارات المتداخلة التي تسمح للفنان بإعادة تعريف موقعه داخل الصناعة.
يستعيد جوناثان روزنباوم في مادة أخرى أعمدة نقدية كتبها للمجلة خلال سبعينيات القرن الماضي، فاتحاً باباً على تاريخ “فيلم كومنت” وعلى التحولات التي عرفها النقد السينمائي خلال العقود الماضية. ولا تبدو العودة إلى هذه المواد كتمرين في الحنين، وإنما محاولة لتذكير القارئ بأن النقد يتشكل من تراكم طويل من الأفكار والاختلافات والمراجعات، وأن النقاشات الحالية لا تبدأ من الصفر.
ويمنح هذا الاسترجاع التاريخي المحتوى الرقمي عمقاً إضافياً، لأنه يربط النقد الذي يُكتب اليوم بنصوص كتبت في سياقات صناعية وثقافية مختلفة. ويظهر بذلك أن الانتقال إلى المنصة الرقمية لا يعني قطع الصلة بتاريخ المجلة، بل يمكن أن يصبح وسيلة لإعادة تدوير ذاكرتها وإدخالها في النقاشات الجديدة.
ويختتم المحتوى النشط في سبتمبر بإعادة إحياء “شبكة النقاد”، إذ يشارك نقاد من بينهم جاستن تشانغ وإيمي توبين وروبرت دانيلز وبيلج إيبيري في تقييم الإصدارات الجديدة. ويمنح هذا القسم القارئ صورة متعددة الأصوات عن السينما الراهنة في نهاية موسم المهرجانات، ويحوّل التقييم من موقف فردي إلى جزء من مشهد نقدي أوسع.
وتكتسب الشبكة أهميتها من تعدد وجهات النظر، لأن قيمة الفيلم تظهر في اختلاف الاستجابات التي يولدها. ويصبح الاختلاف نفسه مادة نقدية تكشف عن تنوع الذائقة والمعايير، وتذكر بأن الحكم على الفيلم لا ينفصل عن موقع الناقد وخبرته والسياق الذي يشاهد فيه العمل.
ويكشف محتوى “فيلم كومنت” خلال سبتمبر 2026 عن نموذج نقدي يحاول الجمع بين زمنين متعارضين: زمن المهرجان السريع، حيث تتلاحق الأفلام والعروض والانطباعات، وزمن النقد المتأني الذي يحتاج إلى العودة والمقارنة والتأمل. ويظهر البودكاست بوصفه أداة للاستجابة المباشرة، بينما تحتفظ المقالات المطولة بوظيفتها التحليلية، وتسمح المواد التاريخية بإعادة ربط الحاضر بذاكرة نقدية تمتد عقوداً.
ويضع هذا المحتوى سؤالاً أوسع أمام النقد المعاصر: ماذا يبقى من سلطة الناقد عندما يصبح الجميع قادرين على إبداء الرأي فوراً؟ ويقترح نموذج “فيلم كومنت” أن الإجابة في إنتاج ما لا تستطيع السرعة وحدها إنتاجه: الذاكرة، والسياق، والجدل، والتحليل، والقدرة على اكتشاف قيمة فيلم داخل مهرجان قد يبدو ضعيفاً في مجمله. وهنا تحديداً يصبح النقد الرقمي امتداداً للنقد التقليدي لا بديلاً عنه، لأنه يستفيد من أدوات اللحظة من دون أن يتخلى عن حقه في التمهل والتساؤل والاختلاف.
#فيلم_كومنت #FilmComment #مجلة_فيلم_كومنت #فيلم_كومنت_سبتمبر_2026 #النقد_السينمائي #النقد_الأمريكي #النقد_السينمائي_المعاصر #النقد_السينمائي_الرقمي #النقد_والسينما #النقد_والحوار #النقاد_وصناع_الأفلام #بودكاست_سينمائي #مهرجان_البندقية #مهرجان_فينيسيا #فينيسيا_2026 #السينما_العالمية #أفلام_2026 #جوناثان_رومني #بيلج_إيبيري #غاي_لودج #جوردان_كرونك #أويكو_سوفو_أوغلو #إيفا_سانجيورجي #باولا_كازيلا #لي_تشانغ_دونغ #داني_بoyle #حبر #كثير_من_السكر #بوتس_رايلي #أحب_اللصوص #إيريكا_بالسوم #لوكرسيا_مارتيل #مايكللا_كويل #أرضنا #السينما_المستقلة_الأمريكية #شبكة_النقاد #ذاكرة_النقد_السينمائي #صحيفة_الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي











Leave a Reply