أحياناً، يعمد العقلاء إلى ذكر أسماء بعينها أو طرح شكاية ملغّمة لاختبار مصداقية الطرف الآخر على المدى البعيد، وكشف حقيقة مواقفه: هل سيكون واشياً لئيماً أم صديقاً وفياً؟
تثير الوشاية داخل الوسط السينمائي والإعلامي إشكالاً مهنياً وأخلاقياً يتصل بطبيعة العلاقات بين العاملين، ومعايير الاستحقاق، وآليات توزيع الفرص. فعندما تنحرف المنافسة عن مسارها الإبداعي، تتحول السمعة إلى أداة ضغط، وتصبح العلاقات الشخصية وسيلة للتأثير في القرارات المهنية. وتفرض هذه الظاهرة مساءلة ثقافة العمل التي تسمح بتداول الاتهامات دون تحقق، وتمنح الانطباعات الشخصية سلطة تتجاوز قيمة الإنجاز والكفاءة.
تنطلق الإشكالية من تساؤلات أساسية: هل ترتبط الوشاية بسلوك فردي، أم تنشأ داخل بيئة مهنية تشجع النفوذ وتضعف المساءلة؟ وكيف تتحول إلى وسيلة للإقصاء داخل الوسط السينمائي والإعلامي؟ وما آثارها في الثقة بين العاملين، واستقلالية القرارات، وعدالة الاختيار؟ ثم كيف تستطيع المؤسسات المعنية حماية الكفاءات وضمان تكافؤ الفرص؟
تقتضي المقاربة النقدية التمييز بين النقد المهني القائم على معايير قابلة للفحص، وتداول الادعاءات الرامية إلى الإضرار بسمعة الأشخاص أو تقويض فرصهم. فالنقد ضرورة لتطوير الممارسة السينمائية والإعلامية، لأنه يتيح تقويم الأعمال ومناقشة الاختيارات الفنية والتحريرية والإنتاجية. أما الوشاية فتكتسب طابعاً إقصائياً عندما تُنقل معلومات مبتورة، أو تُروّج ادعاءات غير متحققة، أو تُستغل العلاقات الشخصية لتكوين صورة سلبية عن فنان أو مخرج أو منتج أو صحفي أو تقني. ويتحدد الفارق وفق طبيعة المعلومات، ودرجة التحقق منها، والغاية من تداولها، والآثار المترتبة عليها.
الواشي فاشل يخشى أن يفقد مكانة لم يصنعها بكفاءته؛ أو يخشى فقدان مكانة من يدعمونه، فيراقب نجاح الآخرين، وينشغل بإسقاطهم عوض تطوير نفسه. غير أن للجهد حصاده، وللزرع موسمه، ومن جدّ وجد، ومن زرع حصد.
تتفاقم خطورة هذه الممارسة مع تداخل المصالح الشخصية والقرارات المهنية. ففي الوسط السينمائي، ترتبط فرص المشاركة في الأفلام باختيارات المنتجين والمخرجين، والميزانيات المتاحة، ومتطلبات الأدوار، وطبيعة المشاريع. وفي المجال الإعلامي، تتصل الفرص بالسياسات التحريرية، وشروط الإنتاج، ومعايير التوظيف، وطبيعة البرامج والمحتوى. وتتعرض هذه المعايير للاختلال عندما تحل الانطباعات غير المدعومة بالأدلة محل التقييم الموضوعي، أو تُستخدم العلاقات للتأثير في اختيار العاملين واستبعاد المنافسين. وتترتب على ذلك خسارة كفاءات قادرة على الإضافة، وتراجع الثقة في عدالة الاختيارات، وانحسار فرص التجارب الجديدة.
وتكمن خطورة الوشاية في قدرتها على إلحاق الضرر عبر قنوات غير مباشرة. فقد تزرع رواية غير مكتملة الشك في كفاءة شخص أو سلوكه، ثم تنتقل الانطباعات بين الأطراف حتى تُعامل باعتبارها حقائق ثابتة. ويجد الممثل أو المخرج أو الصحفي أو المنتج نفسه مضطراً إلى الدفاع عن سمعته المهنية، مع استنزاف الوقت والجهد اللذين يفترض توجيههما نحو الإبداع والإنتاج والتطوير. وهكذا تتراجع قيمة العمل أمام صراعات جانبية تستنزف الأفراد وتضعف التعاون بينهم.
ومن منظور نقدي، يمثل استمرار هذه الممارسات خللاً في الثقافة المهنية، وترتبط أسبابه بالتنشئة الاجتماعية، وطبيعة العلاقات داخل المؤسسات، وضعف المساءلة، والاختيارات الفردية. أما ربط الوشاية بالأصل أو النسب، فيفتقر إلى أساس موضوعي، ويحوّل النقد من مساءلة السلوك إلى الحكم على الهوية العائلية. ويمكن استخدام استعارة الحمض النووي مجازياً للإشارة إلى نمط سلوكي يتكرر داخل بيئة مهنية حتى يصبح جزءاً من ثقافتها، مع الحفاظ على التمييز بين الاستعارة الأدبية والتفسير العلمي للسلوك الإنساني.
المجد لمن صنعوا أسماءهم بجهدهم، وفرضوا حضورهم بكفاءتهم، وشقوا طريقهم باستحقاق، بعيداً عن الوساطة والمكر والخداع؛ فالأسماء التي يبنيها العمل تبقى، أما الأسماء التي تصنعها الدسائس فتظل رهينة أصحابها.
ويتطلب الإنصاف تجنب تفسير كل خلاف داخل الوسط السينمائي والإعلامي باعتباره دليلاً على الوشاية أو الغيرة أو الرغبة في الإقصاء. فقد تنشأ النزاعات عن اختلاف في الرؤى الفنية، أو تضارب في المصالح الإنتاجية، أو خلاف حول الاختيارات التحريرية، أو تباين في تقدير جودة العمل. ويستلزم التمييز بين هذه الحالات فحص الأدلة، والاستماع إلى الأطراف المعنية، والفصل بين النقد المهني والاتهام الشخصي. فمواجهة الوشاية عبر اتهامات مضادة تعيد إنتاج السلوك ذاته، وتحول النقد إلى وسيلة لتصفية الحسابات.
وتتحمل المؤسسات السينمائية والإعلامية مسؤولية مباشرة في الحد من هذه الظاهرة، عبر اعتماد معايير معلنة لاختيار الممثلين وأطقم الإنتاج والعاملين في التحرير والإعداد والتقديم، والتحقق من المعلومات المؤثرة في القرارات، وفصل الخلافات الشخصية عن التقييم المهني، وإتاحة فرص عادلة للرد على الادعاءات الضارة. كما يتطلب الأمر ترسيخ ثقافة مؤسساتية تحمي حرية النقد، وتفصلها عن التشهير، وتربط المساءلة بالأدلة والمعايير المهنية.
وتقع على العاملين في المجالين مسؤولية الحفاظ على حدود واضحة بين المنافسة المشروعة والصراع الشخصي. فالتعاون ينسجم مع الطموح، والاختلاف يقتضي احتراماً متبادلاً، والنجاح يرتبط بتطوير الأدوات المهنية وتقديم أعمال ذات قيمة. وتُقاس المكانة بجدية التجربة وجودة الإنجاز واحترام الالتزامات، مع إخضاع الجميع للمعايير نفسها، سواء تعلق الأمر بأداء ممثل، أو رؤية مخرج، أو قرار منتج، أو ممارسة صحفي.
تكشف الوشاية داخل الوسط السينمائي والإعلامي عن أزمة في أخلاقيات الممارسة المهنية، تتجلى في توظيف السمعة للضغط على الأفراد، واستعمال العلاقات للتحكم في الفرص. وتتطلب معالجة هذه الأزمة مساءلة السلوك، وفحص الوقائع، وإصلاح الآليات التي تسمح للإقصاء بالتأثير في القرارات. فالمنافسة التي تخدم السينما والإعلام تفتح المجال أمام الكفاءة والتجديد وتعدد التجارب، بينما تؤدي المنافسة القائمة على تشويه الآخرين إلى تقويض الثقة والإضرار بالإنتاج والإبداع.
إن بناء وسط سينمائي وإعلامي أكثر عدلاً يستلزم بيئة مهنية تحترم الكفاءة وحق النقد وكرامة العاملين. وينبغي أن يستند الاختيار إلى جودة الإسهام الفني أو الإعلامي ومدى ملاءمته للمشروع، مع تحييد الشائعات والتحالفات الشخصية عن القرارات. وبذلك تصبح حماية السمعة المهنية وتكافؤ الفرص مسؤولية مؤسساتية وأخلاقية، وشرطاً لتعزيز الثقة واستمرار الإبداع في المجالين السينمائي والإعلامي.
من الغباء أن يكون الإنسان واشياً ساذجاً، فيلتقط صوراً للمحادثات على وسائل التواصل الاجتماعي ويبعثها إلى الخصوم، أو يجري اتصالات هاتفية لإخبارهم بما قاله فلان أو كتبه. والأكثر غباءً أن يحاول الصعود على أكتاف أشخاص بنوا أسماءهم بجهدهم وكفاءتهم، وفرضوا حضورهم بإنجازاتهم، دون الحاجة إلى الاستعانة بأكتاف الآخرين. ثم ينسى أن أعتى أجهزة الاستخبارات تقف على معلومات عن شخص يظنه الناس أتفه رجل في دائرتهم أو منافساً لهم، بينما تضعه جهات أقوى منهم تحت مجهر اهتمامها، في حين يجهل هؤلاء حقيقة قدره ومكانته. فلا تجعلوا ضيق أفقكم مقياساً لقيمة الآخرين، ولا تعتبروا جهلكم بحقيقتهم دليلاً على انعدام أهميتهم. ففوق كل كبير من هو أكبر منه؛ وإذا قيس الكبير بمن هو أكبر منه، تصاغر في عينيه حتى يكاد يصبح لا شيء.
#الوشاية_المهنية #الوسط_السينمائي #الإعلام_المغربي #السينما_المغربية #أخلاقيات_المهنة #الكفاءة_المهنية #تكافؤ_الفرص #العدالة_المهنية #الإقصاء_المهني #تشويه_السمعة #حماية_السمعة #النقد_المهني #التشهير #الشائعات #الصراعات_المهنية #الغيرة_المهنية #المنافسة_غير_الشريفة #النفوذ_الإعلامي #العلاقات_الشخصية #الشفافية_المؤسساتية #المساءلة_المهنية #النزاهة_المهنية #حرية_النقد #احترام_الكفاءات #الثقة_المهنية #حقوق_العاملين #صناعة_السينما #أخلاقيات_الإعلام #الثقافة_المهنية #الإبداع_الفني #الصحافة_المغربية #المشهد_الإعلامي_المغربي #المشهد_السينمائي_المغربي #الناقد_الجديد #عبدالرحيم_الشافعي





Leave a Reply