عبدالرحيم الشافعي
لماذا نحاسب المخرج وننسى المنتج وبقية العناصر؟
تُطرح في الحقل السينمائي والدرامي المغربي مفارقة بنيوية تستحق التوقف والتأمل؛ مفارقة تتجدد مع كل عمل درامي أو سينمائي يُعرض على الشاشات ثم يتعرض لانتقادات حادة أو يفشل في جذب الجمهور. حينها يُشار فوراً إلى اسم المخرج باعتباره المسؤول الأول والأخير عن كل ما ظهر من ضعف في الإيقاع أو سطحية في الحوار أو اختيارات تمثيلية مثيرة للجدل، بينما يُغيَّب تماماً النقاش حول الطبيعة الجماعية الحقيقية لهذه الأعمال، وعن الصلاحيات الواسعة التي تُمنح للمنتج في التحكم في مجريات الإنتاج، من اختيار السيناريو إلى المونتاج النهائي.
وتكشف هذه المفارقة عن خلل هيكلي في توزيع السلطة والمسؤولية داخل المنظومة الإنتاجية المغربية؛ خلل يجعل المخرج يظهر كوجه العمل الوحيد أمام الجمهور، بينما تبقى القرارات الجوهرية في يد أطراف أخرى تملك التمويل والعلاقات الإدارية. ومن هنا تنبع الإشكالية المركزية التي يسعى هذا المقال إلى تفكيكها: كيف يمكن أن يظل المخرج يتحمل وحده تبعات فشل عمل جماعي محض، في الوقت الذي تخوّل فيه الأنظمة القانونية والإدارية للمنتج حق التدخل والتحكم في معظم مراحل الإنجاز؟ وهل يستقيم أن يُحاسب من لا يملك السلطة الكاملة على نتائج يساهم في صنعها آخرون بقراراتهم وضغوطهم وقيودهم؟
وهذه الأسئلة تنبع من واقع يومي يعيشه المخرجون المغاربة بين السينما والتلفزيون، واقع يتداخل فيه الفني بالإداري، والمالي بالرقابي، ويتحول فيه النقد الفني، في كثير من الأحيان، إلى محاكمة شخصية بدل أن يكون تحليلاً موضوعياً لآليات الإنتاج الجماعي.
يتحمل المخرج المغربي دائماً تبعات فشل أي عمل سينمائي أو تلفزيوني أو مسلسل، رغم أن هذه الأعمال تُنتج في إطار جماعي محض يجمع بين السيناريست والممثلين والمصورين ومهندسي الصوت والمونتاج والمنتج والجهات الممولة. ويظل اسمه هو الذي يُربط بالنجاح أو الإخفاق في أذهان الجمهور والنقاد والإعلام، وكأن باقي المساهمين كانوا مجرد أدوات تنفيذية لا رأي لها ولا تأثير في النتيجة النهائية.
بينما يثبت الواقع أن كل حلقة أو مشهد هو نتاج قرارات متعددة ومتداخلة، وأن أي خلل في التمثيل أو الإضاءة أو الإيقاع قد يعود إلى عوامل خارج سيطرة المخرج المباشرة. ومع ذلك يستمر الخطاب الإعلامي والجماهيري في تحميله المسؤولية الكاملة، دون تفريق بين ما يخص رؤيته الفنية وما يخص تدخلات الآخرين. وهذا التناقض يعمق الشعور بالظلم لدى المخرجين المغاربة الذين يعملون في ظروف إنتاجية معقدة.
ويبرز هذا التناقض بشكل أوضح عندما ننظر إلى دفاتر التحملات الخاصة بالقنوات التلفزيونية المغربية، والتي تمنح المنتج صلاحيات واسعة في التحكم في مسار العمل، من اختيار السيناريو إلى المونتاج النهائي. إذ يستطيع المنتج فرض تعديلات على الحوارات أو المشاهد، أو حتى تغيير الممثلين، دون أن يتحمل هو شخصياً تبعات النتائج السيئة أمام الجمهور، بينما يبقى المخرج هو الوجه الظاهر الذي يُحاسب على كل ما يظهر على الشاشة.
وكأن دفتر التحملات نفسه يعترف بأن السلطة الحقيقية ليست في يد المخرج، وإنما في يد من يملك التمويل والعلاقات مع الإدارة. ومع ذلك يستمر النظام الإعلامي في اختزال العمل في شخص واحد.
ويكشف الواقع اليومي لتصوير المسلسلات والأفلام التلفزيونية في المغرب عن سلسلة من الضغوط التي يمارسها المنتج على المخرج، بدءاً من تقليص أيام التصوير، مروراً بفرض ممثلين معينين، وانتهاءً بالتدخل في المونتاج. وهذه الضغوط تجعل الرؤية الفنية الأصلية عرضة للتشويه المستمر، ومع ذلك، عندما يفشل العمل في جذب المشاهدين أو يتعرض لانتقادات لاذعة، يتوجه الجميع إلى المخرج وحده، متجاهلين أن المنتج هو من وقّع العقود، وهو من يحاسب الجهات الممولة، وهو من يقرر الميزانية.
وكأن النظام الإنتاجي مصمم ليكون المخرج درعاً واقياً يحمي الآخرين من المساءلة. وهذا الوضع يكرس ثقافة الإفلات من المسؤولية بالنسبة إلى بعض المنتجين، ويجعل المخرجين في موقع هش دائماً.
يؤكد العديد من المخرجين المغاربة في شهاداتهم الخاصة أن دفاتر التحملات التلفزيونية تحتوي على بنود صريحة تتيح للمنتج الحق في رفض النسخ الأولية وطلب تعديلات جوهرية، وأحياناً فرض مشاهد إضافية أو حذف أخرى لأسباب تجارية أو رقابية. ومع ذلك، عندما يخرج العمل ضعيفاً أو سطحياً، يُشار إلى المخرج باعتباره المسؤول الأول عن المستوى الفني المتدني، بينما يختفي اسم المنتج خلف عبارات عامة عن “ظروف الإنتاج” أو “إكراهات الوقت”.
وهذا الازدواج في المعايير يكشف عن خلل بنيوي في طريقة تقييم الأعمال السمعية البصرية في المغرب، حينما يُفصل بين السلطة والمسؤولية، بشكل يجعل أحدهما يملك القرار والآخر يتحمل العواقب.
ويتساءل المرء كيف يمكن أن يستمر هذا الوضع، رغم أن كل عمل درامي أو سينمائي هو بالضرورة نتاج تفاوض مستمر بين أطراف متعددة، لكل منها مصالحها ورؤيتها. فالممثل قد يرفض أداء مشهد بطريقة معينة، والمنتج قد يصر على إرضاء جهة معينة، والمصور قد يواجه قيوداً تقنية، وكل هذه العناصر تتراكم لتشكل النتيجة النهائية.
ومع ذلك يُعامل المخرج كأنه الإله الوحيد الذي خلق العمل من العدم. وهذا التصور الرومانسي الموروث عن سينما المؤلف الأوروبية لا ينطبق على واقع الإنتاج التلفزيوني المغربي المحكوم بدفاتر تحملات إدارية ومالية صارمة، وإنما يُستخدم أحياناً كوسيلة للهروب من مناقشة المسؤوليات الحقيقية داخل المنظومة.
ويتبين الخلل أكثر حدة عندما نقارن بين الأعمال التي ينجح المنتج في فرض رؤيته التجارية عليها، فتُمدح أحياناً باعتبارها نجاحاً جماعياً، وبين الأعمال التي تفشل، فتنسب فوراً إلى “ضعف رؤية المخرج”. وكأن النجاح له آباء متعددون، بينما الفشل يتيم يُنسب إلى شخص واحد فقط.
وهذه الانتقائية في توزيع الثناء واللوم تكشف عن منطق غير عادل يخدم مصالح بعض الأطراف على حساب أخرى، خاصة أن دفاتر التحملات تمنح المنتج حق التدخل في مراحل العمل تقريباً، بما في ذلك اختيار الفريق التقني أحياناً. وهذا يجعل القول بأن المخرج هو المسؤول الوحيد عن النتيجة النهائية قولاً فارغاً من أي أساس واقعي أو قانوني.
ويطالب الوضع الحالي بمراجعة جذرية لطريقة الحديث عن الأعمال السينمائية والتلفزيونية في المغرب، بحيث لا يُختزل أي مسلسل أو فيلم في اسم مخرجه فقط، وإنما يُنظر إليه كمنتج جماعي يخضع لتوازنات قوى داخلية وخارجية.
ويجب أن يتحمل كل طرف نصيبه من المسؤولية بحسب حجم تدخله الفعلي، خاصة أن القوانين المنظمة للإنتاج التلفزيوني تعطي المنتج أدوات سيطرة واضحة. ومع ذلك يستمر الإعلام والنقد في تكريس أسطورة المخرج الأوحد، وهذا التكريس لا يخدم لا المخرجين ولا تطور الصناعة نفسها، لأنه يمنع فهم الأسباب الحقيقية للفشل والنجاح على حد سواء.
يفترض أن يكون النقد الفني أداة لفهم آليات الإنتاج هذه، وليس مطرقة تُسلط على رأس واحد. لكنه يتحول في كثير من الأحيان إلى محاكمة شخصية للمخرج، بينما يمر المنتج بسلام، حتى لو كان هو من فرض الإيقاع السريع أو الحوارات الضعيفة أو الاختيارات التمثيلية المثيرة للجدل.
وهذا الخلل يغذي شعوراً بالإحباط لدى المخرجين، ويجعل بعضهم يفضلون الانسحاب أو تقديم تنازلات كبيرة مسبقاً لتجنب اللوم اللاحق، بينما يستمر النظام في حماية الأطراف الأقوى مالياً وإدارياً، وهو ما يعيق أي تطور حقيقي في مستوى الأعمال المقدمة للجمهور.
يحتاج الفن السابع إلى نقاش صريح حول توزيع المسؤوليات داخل دفاتر التحملات نفسها، بحيث لا يبقى المخرج مجرد منفذ لقرارات منتج يملك السلطة دون أن يتحمل تبعاتها الجماهيرية. ويجب أن يُعترف بأن العمل الجماعي يعني مسؤولية جماعية، وأن تحميل شخص واحد وزر فشل منظومة كاملة هو ظلم بنيوي مستمر منذ سنوات.
ويظل السؤال معلقاً حول متى سيتوقف هذا التقليد الذي يجعل المخرج درعاً بشرياً يتحمل ضربات الجمهور والنقاد، بينما يختفي أصحاب القرار الحقيقيون خلف بنود دفاتر التحملات والصلاحيات الإدارية. ومتى سيعترف الجميع بأن الفيلم أو المسلسل التلفزيوني المغربي هو نتاج منظومة كاملة، وأن العدالة النقدية تقتضي توزيع اللوم والثناء بحسب حجم التدخل الفعلي، لا بحسب ظهور الاسم على الشاشة. وإلا فإن الصناعة ستبقى أسيرة هذا التناقض الذي يضعف المخرجين ويقوي هيمنة المنتجين دون محاسبة حقيقية.
#صحيفة_الناقد_الجديد | #لماذا_نحاسب_المخرج_وننسى_المنتج_وبقية_العناصر | #النقد_السينمائي | #السينما_المغربية | #الإنتاج_السينمائي | #المخرج_المغربي | #عبدالرحيم_الشافعي











Leave a Reply