الناقد الجديد – عبدالرحيم الشافعي
السينما المغربية والأوسكار.. 20 فيلماً وثلاث محطات في القائمة المختصر
منذ سنة 1977، خاضت السينما المغربية رحلة طويلة بحثاً عن الاعتراف في جوائز الأوسكار، من خلال أفلام اختارتها البلاد لتمثيلها في فئة أفضل فيلم دولي. وقدمت المغرب، إلى غاية سنة 2024، عشرين فيلماً تنوعت موضوعاتها بين الفقر والتهميش والهوية والذاكرة والعنف والتحولات الاجتماعية، غير أن ثلاثة أعمال فقط بلغت القائمة المختصرة، من دون أن يصل أي منها إلى الترشيحات النهائية. وتكشف هذه الحصيلة مساراً سينمائياً حافلاً بالتجارب، وتطرح أسئلة حول شروط المنافسة الدولية، وسبل تعزيز حضور الأفلام المغربية خارج حدودها.
ولا تعني هذه النتيجة بالضرورة أن الأفلام المختارة تفتقر إلى القيمة الفنية، إذ تخضع المنافسة لاعتبارات متعددة، تشمل طبيعة الاختيارات الفنية، وآليات الترويج، ومدى انتشار الأعمال لدى النقاد والموزعين والناخبين. وتتيح العودة إلى الأفلام العشرين قراءة موضوعاتها ورصد التحولات التي عرفتها السينما المغربية خلال قرابة خمسة عقود.
– “عرس الدم”
استهل المخرج سهيل بنبركة هذه الرحلة بفيلم “عرس الدم”، المستوحى من مسرحية للكاتب الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا. ويروي العمل قصة شاب ينتمي إلى عائلة تطاردها سمعة القتل، يقع في حب ابنة أحد أغنى رجال القرية، غير أن رفض طلبه يدفعه إلى الزواج من ابنة عمه. وبعد سنوات، يلتقي حبيبته السابقة يوم زفافها، فيهربان معاً، لتنتهي الحكاية بمواجهة دامية في الصحراء.
1998 – “مكتوب”
عاد المخرج نبيل عيوش إلى واجهة الاختيارات المغربية بفيلم “مكتوب”، الذي يتناول قصة طبيب شاب يرجع من الولايات المتحدة إلى المغرب برفقة زوجته، آملاً في بدء حياة جديدة. وتتحول رحلته إلى كابوس بعد تعرضهما للتخدير واختطاف الزوجة واغتصابها، لتنطلق مطاردة تكشف وجوهاً من العنف والفساد والاختلالات الاجتماعية.
2000 – “علي زاوا”
سلط نبيل عيوش الضوء في فيلم “علي زاوا” على حياة الأطفال المشردين في شوارع الدار البيضاء، متابعاً مصائر أربعة أصدقاء يعيشون على هامش المجتمع. وبعد مقتل علي في صراع مع عصابة منافسة، يقرر رفاقه الثلاثة تنظيم جنازة تليق به، وفاءً لصديق كان يحلم بأن يصبح بحاراً ويصل إلى جزيرة لا تغيب عنها الشمس. ويمنح الفيلم الطفولة المهمشة مساحة إنسانية، بعيداً عن الصور النمطية التي تختزل أطفال الشوارع في الجريمة والانحراف.
2006 – “السمفونية المغربية”
تناول كمال كمال في فيلم “السمفونية المغربية” حكاية جندي سابق أنهكته خيبة الأمل بعد مشاركته في حرب لبنان، ليجد نفسه مشرداً داخل مقبرة للسيارات بالدار البيضاء. ويقرر الرجل جمع مجموعة من المهمشين لأداء سيمفونية ألّفها، في محاولة لاستعادة الأمل وإيجاد معنى للحياة عبر الموسيقى. ويطرح العمل سؤال الخلاص الفردي والجماعي، مستعيناً بالفن لغةً لمواجهة الإقصاء واليأس.
2008 – “وداعاً أمهات”
استعاد محمد إسماعيل في فيلم “وداعاً أمهات” جانباً من تاريخ المغرب خلال سنة 1960، من خلال علاقة صداقة تجمع عائلتين مغربية مسلمة وأخرى يهودية، تتأثران بموجة هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل. ويستحضر العمل مأساة غرق سفينة «إيغوز»، التي أودت بحياة عشرات المهاجرين اليهود المغاربة خلال رحلة سرية، مقدماً حكاية عن الفقدان والذاكرة والروابط الإنسانية التي تتجاوز الانتماءات الدينية.
2009 – “كازانيكرا”
رسم نور الدين لخماري في فيلم “كازانيكرا” صورة قاسية للحياة في الأحياء المهمشة بالدار البيضاء، من خلال شخصيتي كريم وعادل، اللذين يتأرجحان بين السرقة الصغيرة والأحلام الكبيرة. ويحلم أحدهما بالحب والهجرة، بينما يسعى الآخر إلى تغيير واقعه، غير أن دخولهما في صفقة خطيرة مع مجرم محلي يقلب حياتهما رأساً على عقب. ويكشف العمل التناقض بين طموحات الشباب وضيق الخيارات المتاحة أمامهم.
2011 – “عمر قتلني”
بلغ فيلم “عمر قتلني” للمخرج رشدي زيم القائمة المختصرة للأوسكار، ليصبح أحد ثلاثة أفلام مغربية وصلت إلى هذه المرحلة من المنافسة. واستلهم العمل قضية البستاني المغربي عمر الرداد، الذي اتُّهم بقتل مشغلته الفرنسية الثرية وحُكم عليه بالسجن، رغم استمرار الجدل حول الأدلة والملابسات. ويتابع الفيلم صحفياً يعيد فتح القضية سعياً إلى كشف الحقيقة، في معالجة تطرح أسئلة حول العدالة والاتهام المسبق وصورة المهاجر في المجتمع الفرنسي.
2012 – “موت للبيع”
تتبع فوزي بنسعيدي في فيلم “موت للبيع” مسارات ثلاثة شبان عاطلين في مدينة تطوان، يقررون سرقة محل للمجوهرات أملاً في الإفلات من الفقر وتغيير حياتهم. ويقود كل واحد منهم طموحه الخاص؛ فيتعلق أحدهم براقصة ليلية، وينجذب آخر إلى تجارة المخدرات، بينما تحرك الثالث دوافع مرتبطة بالانتقام. ومع انهيار الخطة، تتشعب مصائر الشخصيات، وتتكشف هشاشة الأحلام حين تصطدم بواقع اجتماعي مغلق.
2013 – “يا خيل الله”
استلهم نبيل عيوش في فيلم “يا خيل الله” تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، متتبعاً حياة شابين ومجموعة من أصدقائهما في حي سيدي مومن. ويرصد العمل التحولات التي تقود بعض الشخصيات من الفقر والتهميش إلى التطرف والاستعداد لتنفيذ عمليات انتحارية. ولا يكتفي الفيلم بتصوير لحظة العنف، بل يعود إلى الظروف الاجتماعية والنفسية المحيطة بالشخصيات، محاولاً تفكيك المسارات التي تنتهي إلى التطرف من دون تبرير الجريمة.
2014 – “القمر الأحمر”
استعاد حسن بنجلون سيرة الموسيقي والملحن المغربي الراحل عبد السلام عامر في فيلم “القمر الأحمر”، متتبعاً رحلته مع فقدان البصر والصعوبات الاجتماعية والمادية، وصولاً إلى مكانته في تاريخ الأغنية المغربية. ويقدم العمل صورة لفنان واجه ظروفاً قاسية، وتمسك بالموسيقى وسيلةً للتعبير وتحقيق الذات، في سياق تاريخي شهد تحولات سياسية وثقافية واجتماعية.
2015 – “عايدة”
تناول إدريس المريني في فيلم “عايدة” حكاية امرأة يهودية مغربية تقيم في باريس، تعود إلى الصويرة بعد إصابتها بالسرطان، رغبةً في قضاء أيامها الأخيرة في وطنها. وتلتقي هناك بصديق طفولتها المسلم، فتستعيد ذكرياتها وتعيد النظر في علاقتها بهويتها المتعددة. ويستحضر الفيلم جوانب من التاريخ المشترك لليهود والمسلمين في المغرب، من خلال قصة شخصية تتقاطع فيها الذاكرة والانتماء والخوف من الفقدان.
2016 – “مسافة ميل بحذائي”
صور سعيد خلاف في فيلم “مسافة ميل بحذائي” رحلة شاب نشأ في ظروف قاسية بأحياء الدار البيضاء، ويحاول الإفلات من الفقر والجريمة بعد اتهامه بالاغتصاب. ويواجه البطل سلسلة من المواقف التي تكشف أشكال العنف الاجتماعي والضغوط الأمنية والتفاوت الطبقي، في رحلة تضعه أمام اختبارات متواصلة وتطرح أسئلة حول العدالة والفرص المتاحة لمن نشأوا على هامش المجتمع.
2017 – “غزية”
نسج نبيل عيوش في فيلم “غزية” خمس حكايات تتقاطع في مدينة الدار البيضاء، وتتناول قضايا الهوية والحرية والدين والجسد والسلطة الاجتماعية. وتتحرك الشخصيات داخل بيئات مختلفة، غير أنها تواجه أشكالاً متباينة من القيود والتوقعات التي تحدد اختياراتها. ويعتمد العمل تعدد الحكايات لرصد التوترات التي يعيشها المجتمع المغربي، والصراع الدائم بين الرغبة الفردية والضوابط المحيطة بها.
2018 – “بورن أوت”
رصد نور الدين لخماري في فيلم “بورن أوت” حياة شخصيات تنتمي إلى عوالم اجتماعية متباينة في الدار البيضاء، من بينها طبيب شاب يواجه ضغوطاً مهنية ونفسية ومادية. ويكشف العمل عن آثار التفاوت الاجتماعي والإرهاق اليومي في العلاقات الإنسانية، ويضع الشخصيات أمام أسئلة تتعلق بالمسؤولية والاختيارات الشخصية والبحث عن التوازن في حياة تفرض عليها مطالب متزايدة.
2019 – “آدم”
قدمت المخرجة مريم التوزاني في فيلم “آدم” حكاية إنسانية تجمع امرأتين في الدار البيضاء؛ الأولى شابة غير متزوجة تحمل جنيناً وتبحث عن مأوى، والثانية أرملة تعيش مع ابنتها وتدير محلاً صغيراً لصناعة الحلويات. وتنشأ بينهما علاقة تتجاوز الحذر الأولي، فتفتح أمامهما مساحة للتضامن ومواجهة الوحدة والضغوط الاجتماعية. ويعالج الفيلم وضع المرأة والأمومة خارج الأطر التقليدية، من خلال سرد هادئ يولي التفاصيل اليومية أهمية خاصة.
2020 – “سيد المجهول”
قدم علاء الدين الجم في فيلم “سيد المجهول” معالجة ساخرة لحكاية لص يعثر على كنز ويدفنه في مقبرة، قبل أن يتحول المكان إلى مزار يستقطب سكان قرية نائية. وتبدأ الشخصيات في استغلال الاعتقاد بظهور ولي صالح لتحقيق مصالحها، فتتشابك الطموحات الشخصية مع المعتقدات الشعبية والمصالح الاقتصادية. ويستخدم الفيلم الكوميديا لتناول قابلية الخرافة للاستغلال، من دون أن يغفل تناقضات الحياة داخل القرية.
2021 – “علي صوتك”
عاد نبيل عيوش إلى حي سيدي مومن في فيلم “علي صوتك”، متابعاً مدرساً لموسيقى الراب يسعى إلى تشجيع الشباب على التعبير عن أنفسهم من خلال الموسيقى والكلمات. ويواجه المشاركون قيوداً عائلية واجتماعية، غير أن التجربة تفتح أمامهم مجالاً للتفكير في واقعهم وصياغة تطلعاتهم. ويمنح الفيلم الموسيقى دوراً يتجاوز الترفيه، لتصبح وسيلة للحوار واكتشاف الذات ومواجهة الإقصاء.
2022 – “القفطان الأزرق”
وصل فيلم “القفطان الأزرق” للمخرجة مريم التوزاني إلى القائمة المختصرة للأوسكار، مضيفاً حضوراً جديداً للسينما المغربية في هذه المرحلة من المنافسة. ويروي العمل قصة زوجين يديران محلاً تقليدياً لخياطة القفطان في مدينة مغربية عتيقة، قبل أن يؤدي انضمام شاب إلى الورشة إلى تحولات في علاقتهما. ويتناول الفيلم الرغبة والمودة والهشاشة الإنسانية، مع اهتمام بالتفاصيل الحرفية وبالمشاعر التي يصعب التعبير عنها بالكلمات.
2023 – “كذب أبيض”
حققت أسماء المدير محطة مهمة في هذه الرحلة بفيلمها الوثائقي “كذب أبيض”، الذي بلغ القائمة المختصرة للأوسكار. وتنطلق المخرجة من صور طفولتها وذكرياتها العائلية لتفحص الروايات التي أحاطت بها، وتبحث في أثر الذاكرة والإنكار والأكاذيب داخل الأسرة والمجتمع. كما يستعيد الفيلم أحداث انتفاضة الدار البيضاء سنة 1981 وما ارتبط بها من روايات وذاكرة جماعية، مستخدماً الصور والمجسمات وإعادة بناء المشاهد لطرح أسئلة حول الحقيقة وطريقة انتقالها من جيل إلى آخر.
2024 – “في حب تودا”
اختير فيلم “في حب تودا” للمخرج نبيل عيوش لتمثيل المغرب في المنافسة على الأوسكار عن دورة 2025. ويتابع العمل قصة تودا، وهي فنانة شعبية تسعى إلى تحقيق حلمها بالوصول إلى المسارح الكبرى في الدار البيضاء، بينما تواجه نظرة المجتمع والقيود التي تطوق المرأة والفنانة. ويستحضر الفيلم فن العيطة ومكانة الشيخات في الذاكرة الثقافية المغربية، مقدماً حكاية عن الطموح والاستقلال والبحث عن الاعتراف.
تكشف هذه الأعمال، على اختلاف أساليبها وموضوعاتها، عن انشغال متواصل بقضايا الإنسان المغربي وتحولاته الاجتماعية والثقافية. وقدمت السينما المغربية من خلالها شخصيات تعيش الفقر والتهميش، وتواجه أسئلة الهوية والذاكرة والعدالة، كما احتفت بالفن والموسيقى والعلاقات الإنسانية بوصفها مساحات للمقاومة والتعبير.
وتوضح حصيلة هذه الرحلة أن الوصول إلى القائمة المختصرة يمثل خطوة مهمة، غير أنه لا يضمن بلوغ الترشيحات النهائية، التي تتأثر بمنافسة دولية واسعة وباعتبارات فنية ومهنية وتسويقية متعددة. لذلك، يصعب اختزال غياب فيلم مغربي عن القائمة النهائية في فرضية واحدة، أو الجزم بأن جرأة الموضوعات كانت سبباً في ذلك.
وتظل المشاركة المغربية في الأوسكار فرصة لعرض تجارب البلاد السينمائية أمام جمهور عالمي، فيما يتطلب تعزيز فرص المنافسة دعماً مستمراً للإنتاج والتوزيع والترويج الدولي، إلى جانب توسيع حضور الأفلام في المهرجانات والأسواق السينمائية. وبعد عشرين مشاركة وثلاثة وصولات إلى القائمة المختصرة حتى سنة 2024، تواصل السينما المغربية البحث عن موقع أوسع في المشهد الدولي، مستندة إلى تنوع حكاياتها وتعدد رؤاها الفنية.
#السينما_المغربية #الأوسكار #المغرب_والأوسكار #أفلام_مغربية #ترشيحات_الأوسكار #جوائز_الأوسكار #السينما_العالمية #دعم_السينما #إنتاج_سينمائي #توزيع_الأفلام #مهرجانات_سينمائية #صناع_الأفلام #الأفلام_المغربية #الأوسكار_2026 #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد











Leave a Reply