يؤكد المخرج المغربي ياسين فنان في حواره مع صحيفة الناقد الجديد أن “النمل” يروي حكاية قريبة من كل فرد بغض النظر عن موقعه الاجتماعي، إذ يناقش العمل والكرامة والمسافات الدقيقة التي تفصل البشر. ويرجو أن يخرج الجمهور بشعور مشترك بالإنسانية المشتركة، مشددًا على أن السينما قادرة على إعادة اكتشاف قربنا الحقيقي من بعضنا.
ويسعى ياسين فنان إلى إثارة تفاعل حقيقي مع موضوع الهجرة الحساس، موضحًا أن الفيلم يعالج القضية من زاوية إنسانية نقية بعيدًا عن الخطاب السياسي، معتمدًا على صدق العواطف ليصل إلى القلوب مهما تنوعت الخلفيات. ويلاحظ أن الجمهور المغربي يميل الآن إلى الأعمال الجريئة والصادقة، ويعتقد أن “النمل” سيحرك نقاشًا ضروريًا حول الكرامة والاندماج، داعيًا الجميع إلى استقباله بعقل متفتح وقلب مستعد للشعور بالآخر.
ويتحدث عن تجربته مع نجوم العمل البارزين: وجه نادية كوندة لتجسيد زوجة تطارد الراحة على حساب الخادمة، وحث منصور بدري على التعبير عن التناقض الداخلي بين قيمه وبيئته الراقية. منح هشام السلاوي ومنصف قبري فرصة لتصوير الصداقة والطبقة الوسطى. كما طلب من الجميع أداءً ينقل التوتر الاجتماعي دون مبالغة، مشيدًا بتفانيهم في بناء شخصيات غنية وغير نمطية.
وصمم ياسين فنان البنية السردية على ثلاث طبقات اجتماعية متشابكة، ليبرز كيف تتقاطع عوالم تبدو منفصلة لكنها تتلاقى على المستوى الإنساني. يفرق بين الطبقة البرجوازية (منصور ونادية كوندة) والمتوسطة، مع جعل فيليسيتي السنغالية نقطة التقاء تكشف التناقضات. وتجنب التصوير المصطنع للفروقات، مفضلاً الواقعية اليومية، مقتنعًا بأن التناوب السردي يفضح تأثير هذه الفجوات على المربيات الأفريقيات.
وعامل شخصية فيليسيتي كصوت يمثل آلاف المهاجرات، وصورها كامرأة تناضل وتعيد تشكيل هويتها في كل بيت تدخله. أثرى شخصيتها بتفاصيل يومية واقعية وتنقلات بين أربع عائلات، رافضًا اختزالها في دور الضحية، كما أبرز صلابتها وكرامتها الداخلية. ويراها تجسيدًا لكل امرأة أفريقية تعبر المغرب بحثًا عن حلم أوروبي، ويعتبرها الرابط الإنساني بين الشخصيات والمتفرجين.
وشرح سبب تبسيط العنوان من “السمسار والصرصار والنملة” إلى “النمل”، موضحًا أنه يلخص روح الفيلم ورمزه الأعمق بكلمة واحدة. ربط رمز النملة بشخصية تجاهد بلا هوادة مقابل شخصيات تسعى للطريق السهل. واعتبر العنوان الأصلي معقدًا وغير ضروري، بينما يمنح البساطة في “النمل” قوة رمزية وعاطفية أكبر. وخلص إلى أن “النمل” تحول إلى مرآة تعكس كل امرأة تقاوم من أجل احترامها لذاتها.
وأرجع ياسين فنان اختياره لعالم المربيات الأفريقيات إلى كونه مجالاً مهملًا سينمائيًا. وسعى للاقتراب من مساراتهن قبل الوصول إلى أوروبا وحياتهن اليومية في المغرب، واصفًا التجربة بأنها مزيج من الهشاشة والصمود، والأمل المغلف بالألم. وأكد أن الفيلم يمنح صوتًا لآلاف النساء اللواتي يجوبن القارة بحثًا عن حياة أفضل، وأن إعادة إحياء هذا الصوت كان الهدف الجوهري لإنتاج “النمل”. وأشار إلى أن السينما تملك القدرة على تحطيم جدار الصمت حول القضايا الإنسانية المهمشة.
الفيلم من سيناريو رضا أحمد العشير وياسين فنان، وبطولة ماريم ندياي، نادية كندة، هشام السلاوي، منصور بدري، ماجدولين الإدريسي.
ويبرز ياسين فنان كواحد من أكثر المخرجين المغاربة تنوعًا وابتكارًا، إذ تلقى تدريبه في فنون العرض بجامعة باريس الأولى بانتيون سوربون، ثم بدأ مسيرته بفيلم قصير بعنوان “الجرح الصغير”. واشتهر بإنجازاته التلفزيونية، خاصة مسلسل “ساعة في الجحيم” الذي جمع عدة جوائز. وحصد فيلمه الروائي الأول “كاريان بوليوود” إعجابًا دوليًا واسعًا وفاز بجوائز في مهرجانات مالمو للفيلم العربي وجنيف والمهرجان الوطني بطنجة. أثناء جائحة كورونا، أنجز “التدريب الأخير” في ظروف الحجر الصحي. واليوم يعود بقوة إلى السينما الكبرى من خلال “النمل”، معززًا حضوره كمخرج متجدد دائمًا.
وأكمل ياسين فنان مؤخرًا تصوير عمله التلفزيوني الجديد “النرجسي” في مواقع متعددة بالدار البيضاء. ويجمع الشريط بين المهدي فولان وخديجة زروال وحسن فولان في قصة جريئة تسلط الضوء على النرجسية والعلاقات المدمرة داخل الأسر المغربية. تدور الأحداث حول رانيا (خديجة زروال)، المرأة الصبورة التي تتحمل التضحيات حتى الإرهاق، ثم تكتشف قوتها الخفية وتقرر مواجهة زوجها النرجسي إسماعيل (المهدي فولان). يرصد العمل تآكل الثقة ببطء بين الزوجين، محولاً التجربة الفردية إلى صورة مجتمعية تبرز أهمية الصحة النفسية والفصل بين الحب الحقيقي والعلاقات المستنزفة.
المصدر: الناقد الجديد













Leave a Reply