في أولى حلقتي مسلسل “البراني” للمخرج إدريس الروخ ينجح العمل في وضع بصمة فنية مميزة منذ الدقائق الأولى، كونه يبتعد عن الإيقاع السريع المعتاد في الأعمال الرمضانية، مفضلاً بناءً تدريجياً لتطور القصة، يعتمد على تعريف الشخصيات والفضاء الطبيعي الخلاب لجبال الأطلس المتوسط، وهذه البداية الهادئة هي استراتيجية ذكية تجعل الجمهور يغوص تدريجياً في عالم القرية النائية درجة درجة، حينما يتحول الهدوء الظاهري إلى غليان داخلي ينفجر مع وصول الغريب القريب البعيد، وهنا يبرز المسلسل أن الدراما المغربية الحديثة قادرة على المنافسة بالجودة والرؤية الفنية المتكاملة، أي الاجتهاد.
ويبدأ المشهد الأول لـهند السعديدي بقوة عاطفية نادرة، كونها تشخص الأم التي تبحث عن ابنها المفقود منذ عقود بأداء قوي بين الصمت المؤلم والألم المكبوت، إذ تتحكم السعديدي في تعابير وجهها بدقة متناهية: نظرة متجمدة تحمل 25 عاماً من الانتظار، يد مرتجفة تكشف الانهيار الداخلي، وصوت خافت يحمل ثقل الجراح القديمة، وهذا المشهد نقطة تحول في مسيرتها الفنية، حينما تتجاوز الصورة النمطية لـالأم الدرامية لتصبح امرأة معقدة، مليئة بالتناقضات النفسية والقوة المكبوتة، ويُعد دليلاً على نضجها كممثلة قادرة على حمل العمل بمفردها.
تستخدم هند السعديدي في دور علياء في هذا العمل مظهرها الأنيق والمتحكم في الانفعالات كدرع دفاعي يخفي عقداً نفسية متراكمة ناتجة عن حدث مأساوي وقع في ماضيها، بينما هذا الحدث كصدم تحولت إلى شعور بالذنب المزمن والمسؤولية الداخلية الثقيلة، ربما مرتبطة بفقدان أو خطأ كبير غيّر مسار حياتها جذرياً، في حين التناقض بين الواجهة الخارجية المثالية والانهيار الداخلي المكبوت طبيعتها المربكة، إذ تُخفي الألم بعمق بينما تظل هشة أمام أي محفز يُعيد إحياء الذكريات المدفونة.
ويُشكل ظهور شخصية “البراني” عاملاً محفزاً رئيسياً يجبر علياء على مواجهة ماضيها بشكل مباشر، فيتحول صراعها الداخلي إلى نقطة تحول درامية تُعيد ترتيب علاقاتها مع الجميع، كما يربط دورها خيوط القصة بكل الشخصيات الأخرى، إذ تعود معاناتها الشخصية سلبا على الديناميكيات العائلية والاجتماعية المحيطة لها، فيتجاوز أداؤها كونه تمثيلاً تقليدياً ليصبح رحلة داخلية تكشف آليات الإنكار والقمع، حينما تتتقن تدريجياً الانهيار تحت الضغط رغم محاولاتها المستميتة للحفاظ على السيطرة، كي يُقدمها كرمز للمعاناة المكبوتة في المجتمع، فيُجبر المشاهد على التأمل في الجراح الخفية التي يحملها الأفراد خلف واجهاتهم الاجتماعية المثالية، ويجعلها مرآة تعبر عن صراعات الذات التي يتجنب الكثيرون مواجهتها.
ويختار المخرج إدريس الروخ اللقطات المقربة والقريبة جداً على عيون علياء أو حكيم زوجها في محلها تماماً، ليبين التواصل العاطفي المباشر مع الجمهور، في حين تكشف هذه اللقطات طبقات من الألم والأمل المتآكل دون الحاجة إلى كلمات كثيرة، حين تصبح العيون مرآة للنفس المتعبة لشخصية علياء، كما أن التباين بين اللقطات القريبة والقريبة جداً رصين ومدروس كما هو الحال مع شخصية ليلي التي تجسدها حسناء مومني او سهام التي تسجدها وداد لمنيعي، يمنع الإفراط ويحافظ على التوازن، من أجل أن نشاهد اللحظات الأكثر حميمية صادقة وغير مصطنعة، وهذا الاختيار هو تعبير حساسية إخراجية عالية تجعل العيون محوراً درامياً حقيقياً.
ويتميز المكياج الفني للممثل كعنصر منسجم تماماً مع شخصيات المسلسل، خاصة في حالة علياء التي نشاهدها بمظهر طبيعي يعبر عن سنوات الانتظار والكبت، حينها يعتمد المكياج على حروف مضبوطة وتأثيرات خفيفة للظلال تحت العيون والتجاعيد الدقيقة، ليضيف مصداقية للشخصية دون مبالغة درامية تشبه الرسوم، كما يتناسب المكياج مع السياق الريفي والجبلي كشخصية سعاد حسن: بشرة طبيعية، ألوان أرضية هادئة، ولمسات خفيفة تعزز التعبير العاطفي دون أن تطغى، وهذا الانسجام يجعلنا نشاهد الشخصيات حقيقية ومنتمية إلى بيئتها.
يتميز السيناريو بطرز خيوط القصة بعناية ، رغم التشابه الظاهري مع قصص “الغريب الذي يكشف الأسرار” في السينما العالمية أو الهندية، لكن يتجنب الكتاب السقوط في الفخ الدرامي الرخيص في هذا العمل المغربي، مفضلين الإيحاء على الإفصاح المباشر، والتلميح على الصراخ، فيبني التوتر درجة درجة من خلال فلاشباك خفيفة وتفاصيل يومية عادية في ظاهرها لكنها محملة بالدلالات باطنية غامضة التوقع، وهذا يجعل الحلقتين الأوليين مقدمة مشوقة، وهذه الرصانة في الكتابة تُظهر تطوراً ملحوظاً في الدراما التلفزيونية المغربية، التي بدأت تتخلص من الإفراط في الصراعات السطحية، لكنها قليلة جدا خاصة في دراما رمضان.
📚 Livre cinéma – Le grand quiz du cinéma

Jeux, Questions amusantes, Quizz Culture Générale, Répliques de Films Culte et Histoires Insolites pour les passionnés du monde du cinéma. Un excellent cadeau pour les amateurs de cinéma 🎬
🔴 Voir l’offre sur Amazonينضج إدريس الروخ في الإخراج الدرامي بعد نجاح الجنين، إذ انتقل ليحول الطبيعة إلى عنصر درامي أساسي بعيدة عن مواقع التصوير التي اعتاد عليها، فيجتهد في استخدام اللقطات البانورامية لمدينة إفران وضواحيها ليعبر عن عزلة الشخصيات وكبت مشاعرها، بينما يدمج استخدام الدرون لجمالية الفضاء، ثم فجأة يعيدنا إلى فلحظات التوتر النفسي التي تعيشه الشخصيات ليخلق إحساساً بالدوامة الداخلية والتشويش العاطفي، وهذا أسلوب ذكي لشد الجمهور ، كونه يستثمر في جمالية المكان الحقيقي (إفران وأزرو) ليخلق توازناً بين المضمون العميق والصورة الجميلة، وهذا النهج يجسد رؤيته كمخرج يسعى لرفع مستوى الإنتاج المغربي نحو معايير دولية.
تبرز الموسيقى التصويرية للمسلسل كعنصر أساسي في بناء الإيقاع الدرامي، إذ ينسجم اللحن المترتب مع تصاعد الأحداث دون أن يغلب على الحوار، ويعززه ويضاعف من التأثير النفسي لنفس الوتيرة التي تتطور فيها الاحداث، ويرتفع الصوت تدريجياً مع كشف التلميحات عن الماضي، ويهدأ في لحظات الصمت، كي يخلق إحساساً بالتوتر المتراكم في كل شخصية، وهذه الانسجامية تجعل الموسيقى شريكاً حقيقياً في السرد.
ويظهر حميد باسكيط في دور حكيم أداءً متوازناً وقوياً، ويضيف وزناً لشخصيته من خلال تقلب نظراته و لغة جسده توتراً داخلياً، كتفاصيل في شخصيته الشريرة التي تجعله قادراً على حمل الغموض دون مبالغة، كما أن أداؤه يبين خبرته الطويلة في المجال كمخرج اولا ثم كممثل ويضيف طبقة إضافية من الصدق للعمل، بينما تتألق حسناء مومني في دور ليلية ومراد حميمو كصحفي بانسجام معقول، حين يقدمان شخصيات طبيعية ومتناسقة مع بعضها، كما أن تعابير وجه حسناء تحمل مزيجاً من القلق والقوة، بينما يضيف مراد لمسات دقيقة تجعل دوره قابلاً للتطور، وأداؤهما يدل على إدارة مخرج يعرف كيف يستخرج أفضل ما لدى ممثليه.
🔥 توصيات المنتج الأعلى مبيعًا!

2pcs Women Business Set Contrast Color Blazer Jacket And Elastic Waist Straight Leg Pants Set
Elegant Style for Office Work Lady
السعر الآن: MAD 781.39
MAD 1582.96 (خصم 51%)
ونلاحظ في احد المشاهد أن بعض العناصر الدرامية تتجاوز الحدود الواقعية المعتادة، وهذا يضعف من تماسك المنطق السردي ويجعل المشاهد يشعر بأن الإخراج أهدى للشخصيات أكثر من حجمها الطبيعي، كما يبرز ذلك بوضوح في مشهد الطبيب مع علياء، عندما كانت تصر الشخصية على رؤية ابنها بشكل مباشر وغير مقيد، رغم أن الواقع الطبي والأمني في مثل هذه الحالات كالمستشفيات النفسية أو العناية المركزة يفرض عادة زيارات خلف الزجاج وبأوقات محددة بدقة لأسباب أمنية وصحية، وهنا يُصبح هذا الإصرار مبالغاً فيه، إذ يُقدم كأنه حق طبيعي يُمنح دون مقاومة تذكر، فيُفقد المشهد مصداقيته ويجعله يبدو أكثر ارتباطاً بالحاجة الدرامية لتصعيد التوتر العاطفي عوض تحكيم منطق الالتزام الواقعي للفضاء الطبي المغربي.
ويضاف الى هذا الانطباع مشهد دخول حكيم زوج علياء إلى المستشفى وهو في حالة سكر شديد، حينما يتجاوز الأمن الطبيعي للمستشفى ودوره في منع مثل هذه التصرفات المضطربة والخطرة، وهذا خطأ مبالغاً فيه لا يوجد سكير يقتحم مستشفى في المغرب، بينما تبرز مبالغة أخرى في أداء كريم بولمال كرئيس عصابة، فرغم الاعتماد على المكياج الثقيل والجسم الضخم لتعزيز صورة الشر، إلا أن طبع الممثل المعروف بكونه رجلاً طيباً وودوداً في أدواره السابقة يتعارض مع هذا الدور الشرير المتطرف، فيبدو الأداء غير متناسق تماماً مع شخصيته الحقيقية، وهذا يُضعف التأثير الدرامي ويجعل الشخصية مصطنعة نوعا ما أكثر من كونها مقنعة.
المصدر: الناقد الجديد

لمن يرغب في الشراكة والاستثمار في الدعاية والإشهار عبر منصة الناقد الجديد المتخصصة في السينما والفنون والثقافة.
يمكنكم الاطلاع على تفاصيل الفرص عبر صفحة الرعاية والشركاء .













Leave a Reply