أزمة رؤية أم أزمة إنتاج؟
عبدالرحيم الشافعي
يشكّل سؤال المعمار المغربي في السينما والدراما التلفزيونية المغربية مجالا خصبا لإثارة العديد من الأسئلة النقدية المرتبطة بطبيعة هذا التوظيف ووظائفه الدلالية والجمالية. فهل يُستحضر المعمار باعتباره عنصرا فنيا فاعلا يساهم في بناء المعنى السردي وتعزيز الهوية الثقافية، أم أنّه يُوظَّف في كثير من الأحيان بوصفه خلفية بصرية تخضع لمتطلبات الجاذبية الجمالية والإنتاج التجاري؟ وإلى أي حد ينجح العمل الفني في تحقيق توازن بين البعد الجمالي والصدق التاريخي والثقافي للمكان؟
ونشاهد أحيانا بعض الأعمال الفنية المغربية واعية بأهمية المعمار باعتباره مكوّنا بنيويا في تشكيل المعنى السردي، مثل من يستغل فضاء الأحباس بالدار البيضاء كمعمار مغربي صرف، إذ يتحول إلى حامل دلالي يبين الأبعاد الاجتماعية والنفسية للشخصيات وعلاقاتها بالمحيط. وقد يبرز هذا التوجه في أعمال توظف الرياض كخلفية مغربية بوصفه فضاء دراميا يحتضن الصراعات العائلية والتوترات الاجتماعية داخل المدن القديمة. ومن هنا يبرز تساؤل أساسي: هل يُعامل المكان باعتباره عنصرا مكملا للسرد، أم باعتباره فاعلا دراميا مستقلا يشارك في إنتاج المعنى؟
ويطرح التوظيف الواعي للمعمار إشكالية الوعي التاريخي والثقافي لدى صناع الأعمال الفنية. فإلى أي حد تراعي هذه الأعمال الخصوصيات الزمنية والجهوية للأنماط المعمارية المغربية؟ وهل يتم تجنب الخلط بين الفضاءات المختلفة، كالرياض الفاسي والقصبة الجنوبية، أم أنّ الضرورات البصرية قد تؤدي أحيانا إلى اختزال هذه الفوارق؟
وفي بعض الأعمال التي تستلهم قصبة آيت بن حدو باحترام واضح لسياقها التاريخي والثقافي، يظهر المعمار باعتباره شاهدا على الذاكرة الجماعية. فما مدى حضور البحث العلمي والتوثيق التاريخي في بناء الاختيارات الإخراجية؟ وهل يمكن أن يتحول المعمار إلى أداة تعبيرية قائمة بذاتها داخل الخطاب السينمائي؟
ويكشف التوظيف العشوائي للمعمار عن عدد من الإشكالات المرتبطة بغياب الانسجام التاريخي والثقافي، بينما تُوظَّف أحياناً عناصر معمارية في سياقات زمنية أو جغرافية لا تنتمي إليها، مثل استخدام زخارف فاسية أندلسية داخل فضاءات جنوبية صحراوية دون مبرر درامي واضح. فهل يعود ذلك إلى ضعف البحث والتوثيق، أم إلى ضغط الإنتاج وسرعة الإنجاز وقلة الإمكانات؟ وإلى أي حد يؤدي هذا التوظيف غير المدروس إلى إفراغ المعمار من قيمته الرمزية وتحويله إلى ديكور فاقد للمصداقية؟ وهل تنجح الفضاءات المعمارية في تجسيد الصراع بين التقليد والحداثة، أو بين الريف والمدينة، أو بين الماضي والتحولات المعاصرة؟
ونشاهد صدفة في بعض الأعمال التي تقارن بين الرياض التقليدي والعمارات الحديثة في الدار البيضاء، يُوظَّف هذا التباين بوعي نقدي لطرح قضايا التحول الطبقي والثقافي، بينما هذا الحضور يبدو في أعمال أخرى سطحيا لا يتجاوز حدود الزخرفة البصرية، وهنا يبرز تساؤل حول قدرة المكان على أن يصبح أداة لطرح القضايا الاجتماعية المرتبطة بالهجرة الحضرية وتفكك النسيج الاجتماعي والتحولات الثقافية داخل المجتمع المغربي. فإلى أي حد تستطيع السينما والدراما المغربية استثمار الفضاء المعماري لتعزيز الإحساس بالانتماء وربط المتلقي بماضيه الثقافي؟ وهل تتحول أزقة المدن القديمة وشوارعها داخل الصورة السينمائية إلى جسور رمزية تربط الأجيال بتاريخها المشترك؟ ثم هل يمكن اعتبار العمل الفني وسيلة لحفظ التراث العمراني وإعادة إنتاجه داخل الوعي الجماعي؟
ويفرض واقع الإنتاج الفني المغربي مجموعة من التحديات التي تؤثر في كيفية توظيف المعمار داخل الأعمال الفنية، حيث تؤثر سرعة الإنجاز وشح الموارد المالية على الدقة التاريخية والثقافية للفضاءات المعمارية، ويلجأ بعض صناع المسلسلات التلفزيونية إلى استعمال ديكورات جاهزة أو فضاءات غير منسجمة مع السياق السردي، وهو ما يستوجب التفكير في بناء مقاربة متعددة التخصصات تستثمر غنى التراث العمراني المغربي في فاس ومراكش وقصبات الجنوب، وتفعيل دور المؤسسات الأكاديمية والفنية في دعم هذا التوجه.
ويتضح من خلال هذا الطرح أن موقع المعمار المغربي في السينما والدراما التلفزيونية يظل موضوعا مفتوحا للنقاش بين اعتباره عنصرا جماليا يخدم الصورة البصرية، وبين اعتباره مكوناً دلالياً أساسياً يساهم في بناء المعنى والهوية الثقافية، بينما هذا الاستشكال يفتح المجال أمام دراسات نقدية أعمق تسعى إلى فهم العلاقة المركبة بين الفن والمكان والذاكرة في التجربة الإبداعية المغربية المعاصرة مع أمثلة لأفلام سينمائية و مسلسلات درامية مغربية حية.
تُعتبر ورزازات من أهم المدن المغربية التي ارتبط اسمها بالفن السابع، إذ ظلت لعقود طويلة قبلةً لكبار صناع السينما العالمية الذين أخرجوا مئات الأفلام على أرضها، مستفيدين من تنوعها الطبيعي والجغرافي الفريد، وما تزخر به من صحارٍ شاسعة وقصور وقصبات تاريخية وواحات ومناظر طبيعية متعددة، الأمر الذي جعلها فضاءً مثالياً لتصوير مختلف الأعمال السينمائية والتلفزيونية العالمية. وقد ساهم هذا التنوع البيئي والتضاريسي في منح المدينة مكانة متميزة داخل خريطة الإنتاج السينمائي العالمي، حتى أصبحت تُعرف بـ”هوليوود أفريقيا”.
وترجع البدايات الأولى لاكتشاف المؤهلات السينمائية للمغرب إلى نهاية القرن التاسع عشر، حين قام المخرج الفرنسي لويس لوميير سنة 1897 بتصوير فيلمه “راعي الماعز المغربي” بمدينة ورزازات، ويُعد هذا الفيلم من أوائل الأعمال السينمائية في تاريخ الفن السابع، وقد فتح الباب أمام السينما العالمية لاكتشاف المؤهلات الطبيعية والتصويرية للمدينة، مما جعلها تستقطب العديد من شركات الإنتاج العالمية لاحقا. وقد ساعدت هذه البدايات المبكرة على ترسيخ صورة المغرب كوجهة سينمائية متميزة تجمع بين الجمال الطبيعي والتنوع الثقافي.
وشكلت سنة 1962 مرحلة مفصلية في تاريخ الصناعة السينمائية بورزازات، وذلك مع تصوير فيلم “لورانس العرب” للمخرج ديفيد لين، حيث اعتُبر هذا العمل البداية الحقيقية للصناعة السينمائية بمفهومها الدقيق داخل المدينة، قبل أن تعرف هذه الصناعة تطوراً متسارعاً خاصة خلال الثمانينات، وهو ما أدى إلى إنشاء بنية تحتية متخصصة في المجال السينمائي، تتمثل في ثلاثة أستوديوهات كبرى للتصوير هي: “أوسكار أطلس” و”كان زمان” و”كْلاَ”، وقد روعي في بنائها الطابع المعماري المغربي الأصيل المستوحى من الهندسة القصبية التي تشتهر بها المنطقة، مما منحها خصوصية جمالية وثقافية مميزة.
وساهم ارتباط ورزازات بالفن السابع في تحقيق نقلة نوعية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، حيث انعكست الأرباح الكبيرة التي تدرها الأفلام السينمائية على تنمية المنطقة، وأسهمت في خلق فرص للشغل والتكوين المهني لفائدة الفنانين والتقنيين المغاربة، كما ساعدت على تنشيط الحركة السياحية والتجارية. وفي المقابل تحملت المدينة بعض الآثار الناتجة عن انفتاحها على ثقافات وجنسيات متعددة، الأمر الذي جعل الحفاظ على العلاقات الاجتماعية والمكونات الثقافية المحلية تحديا كبيرا يواجهه سكانها، خاصة في ظل طبيعة المجتمع المحافظ.
وتتجلى نوعية الأعمال المصورة بمدينة ورزازات في تنوعها الكبير، حيث تشمل الأفلام الطويلة والقصيرة، والأشرطة الوثائقية، وفيديوهات الأغاني، والوصلات الإشهارية، كما تستحوذ المدينة وحدها على حوالي 40 في المئة من مجموع الأعمال المصورة بالمغرب، وهو ما يعكس المكانة الكبرى التي أصبحت تحتلها الصناعة السينمائية داخل المنطقة.
وعززت الجهات المعنية مكانة المدينة السينمائية من خلال إحداث المعهد المتخصص في مهن السينما سنة 2006، بهدف تكوين أطر وتقنيين متخصصين في مختلف المهن المرتبطة بالقطاع السينمائي.
واحتضنت المدينة خلال السنوات الأخيرة تصوير عدد من الأفلام والمسلسلات العالمية، من بينها “طروادة” و”مملكة الجنة” و”ألكسندر” و”علي بابا والأربعون لصا” و”كليوباترا”، إضافة إلى المسلسل العالمي “لعبة العروش” الذي صُورت بعض مشاهده في قصر آيت بن حدو، مما رسخ مكانة ورزازات كواحدة من أشهر المدن السينمائية في العالم.
ويثير هذا الحضور القوي للإنتاجات السينمائية الأجنبية تساؤلات عديدة حول أسباب الإقبال العالمي الكبير على هذه الفضاءات الطبيعية والتاريخية، في مقابل محدودية استثمارها بالشكل الكافي في بعض الأعمال المغربية، ومن هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا ينجذب الأجانب إلى هذه الديكورات الطبيعية الاستثنائية ويستثمرونها عالميا، في حين لا تحظى بنفس الاهتمام الكافي داخل العديد من الإنتاجات المغربية؟
#عبدالرحيم_الشافعي #صحيفة_الناقد_الجديد #عشوائية_توظيف_المعمار #الدراما_المغربية #النقد_السينمائي #السينما_المغربية #المعمار_في_الدراما #الهوية_البصرية #الإنتاج_الدرامي #الثقافة_المغربية













Leave a Reply