عبدالرحيم الشافعي
ثمة لحظات في مسيرة أي مخرج كبير يكفّ فيها عن اختيار مشاريعه بمنطق الحرفة المتراكمة، ليختار عوضا عن ذلك نصًّا يعيد اختباره من جذوره. هذا بالضبط ما أقدم عليه كريستوفر نولان حين قرر، بعد النجاح الأكاديمي والجماهيري الكاسح لـ”أوبنهايمر”، أن يتوجه لا إلى مشروع علمي جديد أو إلى ملحمة من صنعه، وإنما إلى النص التأسيسي للسرد الغربي نفسه: “الأوديسة” لهوميروس.
القرار في حد ذاته مثير للفضول النقدي: مخرج اشتهر بتفكيك الزمن والذاكرة والفيزياء عبر بنى سردية شديدة التركيب، يختار الآن أن يصارع نصًا عمره يفوق ألفي عام، نصًا سبق أن تجنبه هو نفسه حين تخلى عن اقتباس “الإلياذة” لصالح “بداية باتمان”. هذا التأجيل التاريخي بحد ذاته يمنح المشروع الحالي طبقة إضافية من التوتر: هل يعيد نولان إنتاج عدته البصرية والسردية المعتادة على مادة أسطورية غريبة عنها، أم أنه يجازف بإعادة اختراع نفسه؟ الإجابة، كما تكشفها تفاصيل الإنتاج والتسويق والاستقبال الأولي، تقع في منطقة وسطى مثيرة للجدل.
تعامل نولان مع نص هوميروس بوصفه مادة مقدسة يمكن تفكيكها دون خيانتها. اختياره للسرد غير الخطي لا يعتبر مفاجئا من مخرج بنى سمعته على تكسير التسلسل الزمني، لكنه هنا خيار له مبرر نصي وليس أسلوبيا محضا؛ فالأوديسة الأصلية نفسها تُروى عبر فلاش باك وحكايات متداخلة، وهذا يجعل الاختيار أقرب إلى وفاء بنيوي منه إلى بصمة مؤلف مفروضة على المادة. أما التعديلات التي أدخلها نولان، فهي محدودة لكنها دالة: توسيع حضور الكلب أرغوس، وتعميق العلاقة بين أوديسيوس وابنه تليماخوس، ومنح الساحرة سيرسي بعدا إنسانيا يجعلها مقلقة ومثيرة للتعاطف في آنٍ، وتعقيد مشهد لمّ شمل هيلين بزوجها مينلاوس. وهذه الاختيارات تكشف عن عقل مقتبس فاحص؛ فهي تستهدف بالتحديد المواضع التي يميل فيها النص الأصلي إلى الاختزال العاطفي، وتعيد ملء فراغاتها بحساسية معاصرة دون أن تفرض عليها أخلاقيات ما بعد حداثية فجّة.
ويعتبر القرار الأكثر جرأة، والأكثر عرضة للنقاش، تعامل نولان مع الآلهة، رفضه تجسيدها مباشرة، واختياره تفسيرًا واقعيًا يربط تدخلاتها بظواهر طبيعية كانت تُفهم في زمن هوميروس بوصفها خارقة، هو امتداد منطقي لمشروعه الفكري القائم على “الواقعية الملموسة” الذي رأيناه في “إنترستيلر” و”تينيت”. لكن هذا الخيار يحمل مخاطرة جوهرية: الأوديسة نص لا ينفصل جوهره عن حضور الإلهي المباشر والمتدخل، وأي تأويل عقلاني لهذا الحضور قد يُفرغ الملحمة من أحد أعمدتها الميتافيزيقية لصالح رؤية عالم أكثر انضباطًا وأقل سحرًا. والسؤال الذي سيحدد نجاح السيناريو فنيًا هو: هل نجح نولان في أن يجعل غياب الآلهة المرئي مصدرًا للرهبة، أم أنه استبدل عجائبية هوميروس بعقلانية نولانية باردة؟
وما يميز مقاربة نولان الإخراجية هنا هو إصراره على معالجة الأسطورة بأدوات الواقعية الوثائقية لا بأدوات الفانتازيا الاستعراضية. استلهامه المعلن من “أندريه روبليوف” لتاركوفسكي و”ران” لكوروساوا يكشف عن نية واضحة: تقديم عالم أسطوري يُصدَّق بصريًا. وهذا الاختيار ينسجم مع تعامله مع مؤثرات راي هاريهاوزن كمرجعية طفولية، لكنه يستبدل الحيلة البصرية الصريحة لهاريهاوزن بمنطق تصوير ميداني صارم. فتصويره الفعلي في ست دول، بدءا من قرية آيت بن حدو المغربية التي جسدت طروادة، إلى الرمال السوداء الأيسلندية التي مثّلت العالم السفلي، وصولًا إلى استخدام سفينة فايكنغ حقيقية، هو تجسيد حرفي لفلسفته التي عبّر عنها مرارًا: أن “الطابع المادي للعالم الحقيقي” يمنح السرد ثقلًا لا يمكن لأي محاكاة رقمية أن توفره.
ويبقى الإنجاز التقني الأبرز كونه أول فيلم روائي يُصوَّر بالكامل بكاميرات آيماكس السينمائية، وهو قرار يتجاوز كونه استعراضًا تقنيًا ليصبح بيانًا جماليًا: أن تُروى رحلة أوديسيوس البحرية بأقصى درجات الوضوح والاتساع البصري الممكنة، بما يضع المشاهد في قلب المحيط. غير أن هذا الطموح التقني يضع الفيلم أمام اختبار حقيقي: هل يخدم الاتساع البصري الهائل حميمية علاقة أوديسيوس بتليماخوس وبينيلوبي، أم يبتلعها في مشهدية الملحمة الكبرى؟ المخرج الذي أتقن توظيف الحجم الهائل لخدمة الدراما الفردية في “دانكيرك” يواجه هنا تحديًا مضاعفًا، إذ عليه أن يوازن بين حجم عشر سنوات من الرحلة الأسطورية وحجم بيت زوجي ينتظر عودة رجل واحد. ويتبين أن اختيار مات ديمون لأداء أوديسيوس هو رهان على الذكاء الإستراتيجي عوض الهيبة البطولية، وهو ما يتسق مع القراءة التي استلهمها نولان من ترجمة إميلي ويلسون للملحمة، والتي أبرزت في أوديسيوس شخصية الداهية أكثر من كونها شخصية المحارب الأسطوري.
ولعل القرار الأكثر إثارة للجدل إسناد دور هيلين الطروادية إلى لوبيتا نيونغو، وهو اختيار أثار ردود فعل متباينة تراوحت بين اتهامه بتفريغ الشخصية من جذورها، والدفاع عنه بوصفه تحريرًا لهيلين من اختزالها التاريخي عوض كونها وجها جميلا. والحجة النقدية الأكثر إنصافًا هنا هي أن الجدل حول هذا الاختيار كشف تناقضًا أعمق في النقاش حول الدقة التاريخية للفيلم ذاته: فبينما احتج البعض على غياب الطابع اليوناني عن اختيار الممثلين، مرّ اختيار اللهجة الأميركية المعاصرة، وهو مفارقة زمنية أكبر بكثير بجدل أخف حدة نسبيًا.
ويبدو اختيار توم هولاند لدور تليماخوس وآن هاثاواي لدور بينيلوبي أكثر اتساقًا مع منطق الفيلم الدرامي: علاقة أب غائب وابن يبحث عنه، وزوجة تصمد وحدها أمام حصار الخُطّاب، هي المحرك العاطفي الحقيقي للملحمة، وإسنادها لممثلين قادرين على حمل الثقل النفسي للانتظار والبحث يمنح الفيلم مرساة إنسانية وسط عاصفته الأسطورية. أما تشارليز ثيرون في دور كاليبسو وسامانثا مورتن في دور سيرسي، فيمثلان اختبارًا لقدرة الفيلم على تصوير الإغواء الأسطوري بوصفه تهديدا وجوديا لا مجرد عقبة سردية عابرة.
ويمثل الفيلم بميزانيته البالغة 250 مليون دولار أحد أعلى مشاريع نولان كلفة، وهو استثمار ضخم يعكس ثقة أستوديو يونيفرسال بيكتشرز في قدرة اسم نولان وحده على تسويق مادة أسطورية معقدة لجمهور عريض. إذ يظهر الإنتاج حرصًا بحثيًا رصينا: تصميمات الدروع والأزياء استندت إلى دراسة السجل الأثري المجزأ للعصر البرونزي، والموسيقى التصويرية التي وضعها لودفيغ غورانسون تجنبت عمدًا الأوركسترا التقليدية المرتبطة بأفلام السيف والصندل، لصالح آلات بدائية كالكنارة والأولوس أُعيد بناؤها بحثيًا.
وهذا الحرص يكشف عن وعي إنتاجي بأن “الدقة التاريخية” ليست غاية مطلقة بقدر ما هي أداة لخلق عالم متماسك حسيًا، حتى لو تناقضت أحيانًا مع تفاصيل تاريخية دقيقة كما أشار مؤرخون عسكريون بخصوص الدروع المعدنية. ويصعب في هذه المرحلة الحديث عن جوائز بالمعنى النقدي الصارم، إذ لا يزال الفيلم في عتبة عرضه الجماهيري الأول. لكن المؤشرات الأولية دالة: تصدره قوائم الترقب في جوائز أسترا لمنتصف العام، وأرقام المبيعات المسبقة القياسية لعروض آيماكس، وتوقعات النقاد المتخصصين في السوق بأن يتفوق على “فارس الظلام” و”نهوض فارس الظلام” في الإيرادات، كلها تشي بأن الفيلم يدخل موسمه بثقل ترقب استثنائي. غير أن هذا الترقب، مهما بلغ حجمه، لا يغني عن الحكم النقدي اللاحق على التماسك الفني الفعلي للعمل: فالفارق بين فيلم يُنتظر بشغف وفيلم يستحق فعلًا مكانة “العمل التأسيسي” الذي وصفه به نولان وزوجته إيما توماس، لن يُحسم إلا بمشاهدته كاملًا.
واليوم يقف “الأوديسة” في نقطة التقاء نادرة بين طموح تقني غير مسبوق، ووفاء نصي حذر لمصدر أسطوري مقاوم للتدجين، وجدل أخلاقي وثقافي لا يمكن للنقد أن يتجاهله. نولان، الذي بنى سمعته على تطويع الزمن والمكان لخدمة أفكاره الخاصة، يجازف هنا بأن يكون الخادم لا السيد: أن يضع كل أدواته، الكاميرا الضخمة، والتصوير الميداني، والممثلين النجوم، في خدمة نص أقدم منه بكثير. سواء نجح في هذا الرهان أم انزلق إلى استعراض بصري يعلو على جوهره الإنساني، فإن فعل اختياره خوض هذه المغامرة يستحق تأملًا نقديًا جادًا
نولانالأوديسة #عقلانيةنولان #هوميروسنولان #صحيفةالناقدالجديد #عبدالرحيمالشافعي














Leave a Reply