عبدالرحيم الشافعي
احتفت مدينة الدار البيضاء، مساء أمس الجمعة 17 يوليوز 2026، بافتتاح الدورة السابعة لمهرجان الفيلم العربي، وسط حضور فني وإعلامي عربي دولي، وذلك بتكريم خاص لأحد أبرز وجوه السينما المغربية والعربية، منهم المخرج و المنتج و السيناريست أحمد بولان. ويُعد هذا الافتتاح مناسبة للاحتفاء بالسينما العربية بكل ألوانها، حيث يجمع المهرجان في نسخته الجديدة نخبة من المخرجين والممثلين والمنتجين من مختلف الأقطار العربية، ليعكس تنوع الإنتاج السينمائي العربي وتطوره في مواجهة التحديات الثقافية والفنية.
ويأتي تكريم الفنان أحمد بولان تقديراً لمسيرته الفنية الطويلة الحافلة بالعطاء، ولأدواره المؤثرة التي تركت بصمة واضحة في الذاكرة السينمائية العربية. ويُنظر إلى هذا التكريم كاعتراف بأهمية الفنانين الرواد في دعم الجيل الجديد من المبدعين. ومن المقرر أن تشهد فعاليات المهرجان على مدى أيامه عروضاً سينمائية متنوعة، وندوات فكرية، وورش عمل، بالإضافة إلى مسابقات رسمية للأفلام الروائية والوثائقية.
انطلق أحمد بولان في عالم الفن من مدينة سلا، عندما وُلد وترعرع، ليصبح أحد أبرز الشخصيات في السينما والمسرح المغربي. حينها بدأ مسيرته الفنية في التمثيل من خلال العمل في المسرح القومي المغربي وفرقة الإذاعة والتلفزيون القومية في الرباط، واكتسب خبرة واسعة في أداء الشخصيات وتقديم العروض المسرحية والتلفزيونية. ومع مرور الوقت، اتجه إلى عالم الإنتاج، مستثمرًا خبرته العملية في صناعة الأفلام، قبل أن يتوسع ليغزو مجالي الكتابة والإخراج، فتميز بقدرته على الجمع بين الإبداع الفني وإدارة الأعمال السينمائية.
وقدّم مجموعة من الأعمال السينمائية المميزة التي تركت بصمة واضحة في المشهد الفني المغربي، من بينها فيلم “علي، ربيعة وآخرون”، و”أنا وأمي وبثينة”، و”ملائكة الشيطان”، و”عودة الابن”، و”جزيرة ليلى”، حين تولّى في هذه الأعمال مهام الإخراج وكتابة السيناريو، كما قام بإنتاج بعضها، ما أتاح له التحكم الكامل في رؤيته الفنية وتحويلها إلى واقع ملموس على الشاشة. كما واصل ممارسة التمثيل في أعمال متنوعة، من أبرزها فيلمه “كزابلانكا دكار”، ومسلسل “باب البحر” في دور صلاح الصنهاجي، ومسلسل “الجاسوس” في شخصية أبو محمود، إضافة إلى مشاركاته في أعمال أخرى مثل “سجناء الشمس”، و”ما تشاء لولا”، و”خفافيش قبيحة”، و”أوشتام”.
وعرف أحمد بولان بأسلوبه الجريء في طرح المواضيع السينمائية، وبقدرته على تقديم شخصيات معقدة ومليئة بالتناقضات، جعله من بين المخرجين والكتاب الأكثر إثارة للجدل والمتابعة من قبل النقاد والصحفيين. وبفضل تنوع لغاته التعبيرية وإتقانه العربية والفرنسية، استطاع أن يعبر في أعماله عن غنى الثقافة المغربية وتعدد أبعادها، مؤكدًا مكانته كفنان شامل يمتلك موهبة فذة في الإخراج والكتابة والتمثيل والإنتاج، وترك بصمة لا تمحى في تاريخ السينما المغربية.

وأكمل بولان تكوينه الأولي في الفن الدرامي، اتخذ قراراً جريئاً بسفره إلى إيطاليا لممارسة صناعة السينما، تلك الخطوة التي أظهرت طموحه وحرصه على تطوير مهاراته الفنية على المستوى الدولي والاطلاع على أحدث التقنيات السينمائية العالمية، غاص في عالم الفن السينمائي واستوعب أسرار صناعة الأفلام من خلال الممارسة المكثفة والملاحظة المباشرة للأساتذة والمخرجين. عند عودته إلى المغرب، لم يكتفِ بدور واحد أو تخصص محدد، إنما انطلق في مسيرة متنوعة امتدت إلى مجالات التصوير السينمائي والإعلانات والإنتاج، فتنقل بين أدوار متعددة تراوحت بين الممثل الموهوب والمساعد المخرج الدقيق، الأمر الذي أظهر طموحه اللا محدود وقدرته على التعامل مع جوانب مختلفة من العملية الفنية. إذ قرر أن يؤسس شركته الخاصة “بولان أوبيرن” التي أصبحت منصة لتحقيق رؤيته الفنية دون قيود خارجية، وفي هذه الشركة أنتج مجموعة متميزة من الأفلام التي حملت بصمته الإبداعية الواضحة. وهذا الإنجاز يشير إلى رغبته في تحقيق استقلاله الفني وعدم اعتماده على الآخرين في تنفيذ مشاريعه الإبداعية.
ويحمل أحمد بولان في قلبه فخراً بمدينة سلا وجذوره المغربية، فترتبط شخصيته بهذه المدينة التي تحتل مكانة مميزة في التاريخ المغربي والإسلامي. يشعر بارتباط قوي بتاريخ سلا الذي يمتد عبر حقب زمنية متعددة، فيبدأ من العهد الروماني القديم، ثم يمر عبر فترات القرصنة الشهيرة والتجارة البحرية النشطة، إلى العصور الحديثة. هذا التاريخ والحافل بالأحداث شكل وعي بولان وأثر على رؤيته للعالم وفهمه لهويته الثقافية. إنه يدرك تماماً أن أبناء هذه المدينة يحملون في أعماق روحهم فخراً بماضيهم وحضارتهم، وهذا الفخر قد يُعبر عنه بطرق تثير فضول الآخرين وقد تثير شعوراً بالإقصاء لديهم، غير أن بولان يرى في هذا التعبير عن الهوية والانتماء أمراً طبيعياً وضرورياً. كانت طفولته حافلة باللحظات السعيدة والذكريات الجميلة التي قضاها في بيئة عائلية دافئة وثقافية، فنما في أحضان روابط عائلية قوية، وشاركت عائلته معه احتفالاته وزياراته إلى المقامات والأماكن المقدسة. إلا أن هذه الطفولة كانت تحمل في طياتها صراعات داخلية متنوعة، فعاش بولان مقاومة للسلطة الأبوية وحاول جاهداً كسر القيود الاجتماعية التي تحيط به، كما تأثر بالتفاعل الثقافي مع الآخرين.
وعاش أحمد بولان تجارب شخصية وحافلة بالأحداث المليئة بالآلام والمآسي، خاصة خلال فترة الستينات من القرن الماضي. كانت هذه الفترة بمثابة صدمة ليس فقط لبولان وعائلته، بل للمغرب كله، فشهد الزلزال المأساوي الذي ضرب مدينة أكادير في عام 1960، وكان لهذا الحدث تداعيات نفسية واجتماعية امتدت إلى كل أنحاء البلاد. تلا هذه الكارثة حدث وطني آخر ألم وهو وفاة الملك محمد الخامس، الأمر الذي خلق شعوراً جماعياً بالصدمة والفقدان في نفوس جميع المغاربة، وترك جراحاً في القلوب. سجل بولان بحساسية الأثر الذي تركته هذه الأحداث الوطنية على حياته الشخصية وحياة عائلته، فامتدت آثار هذه الكوارث إلى داخل بيت بولان، فظهرت مشاهد محبطة تماماً مثل محاولة أحد أفراد عائلته الانتحار لأسباب نفسية ناتجة عن هذه الكوارث.
ويبين بولان كيف تتفاعل الأحداث التاريخية والجماعية مع حياة الأفراد الشخصية، وكيف تؤثر بشكل مباشر على أحوالهم اليومية والاجتماعية. كما تعقدت العلاقات الأسرية لأسباب من الاختلافات السياسية بين أفراد العائلة الواحدة، فانقسمت الولاءات والآراء السياسية بين مختلف الأحزاب، وخاصة بين الحزب الديمقراطي وحزب الاستقلال، الأمر الذي خلق صراعاً داخلياً ومحبطاً ضمن الأسرة الواحدة. هذه الصراعات السياسية والاجتماعية أثرت على علاقة بولان بوالده، فبدأ يشعر بخجل من آراء والده السياسية، وأيضاً من مظهره وتصرفاته التي كانت تثير انتباه الآخرين وتجعله محط نقد واستغراب. ساءت الأحوال عندما فقدت العائلة الكثير من ممتلكاتها المادية، الأمر الذي أدى إلى أزمة نفسية واجتماعية، فاضطر بولان إلى ترك بيته والعيش مع عمه، وهذا الانفصال والتشرد من بيته زاد من شعوره بالعزلة والفقدان والحرمان.
ويصف بولان في سرده الشخصي تجربة مليئة بالمرارة واليأس، فواجه في فترة من فترات حياته فشلاً دراسياً وضغوطاً عائلية من جميع الاتجاهات. كانت والدته منشغلة برعاية إخوته الأصغر سناً، الأمر الذي جعله يشعر بالإهمال والحرمان من الاهتمام الكافي، وبدأ يشعر أنه عبء على عائلته. جاءت اللحظة الأشد قسوة عندما طُرد من المدرسة، وهو حدث كسر روحه وأحطم أحلامه التعليمية، وكان هذا الطرد بمثابة رسالة قاسية له بأن المجتمع والنظام الاجتماعي الصارم لا يريدان له النجاح. كان هذا الطرد مقدمة لمرحلة قاسية من حياته، فاضطر إلى التخلي عن براءة الطفولة والدخول في عالم الشغل والكفاح من أجل البقاء، وتوجب عليه أن يتخذ قرارات صعبة وهو لا يزال صغير السن وغير مستعد نفسياً لها.
وجد نفسه يعمل في ورشة خياطة، فيقضي ساعات طويلة في العمل الشاق بجسد صغير وروح مكسورة. غير أنه لم يستسلم لظروفه القاسية، إذ بدأ يفكر في مستقبله ويحلم بشيء أفضل. اكتشف طموحه الفني الكامن في داخله، وحلم بأن يصبح مغنياً أو ممثلاً، وهذا الحلم كان بمثابة شعاع أمل في ظلام حياته. كما يعالج بولان في سرده الصعوبات التي تواجه الشباب الفقير في المجتمعات المغربية والعربية، فتؤثر الظروف الاقتصادية والاجتماعية على جودة التعليم والفرص المتاحة، خاصة في الأسر التي تعاني من الفقر. يوضح سرده كيف يُجبر الأطفال في هذه الظروف على ترك مقاعد الدراسة والدخول إلى سوق العمل في سن مبكرة جداً،
وشكلت لحظات لقاء بولان مع الممثلين والكتاب المسرحيين الموهوبين نقاط تحول جذرية في مسيرة حياته، فغيرت هذه اللقاءات مجرى مصيره تماماً ولم تترك حياته كما كانت عليه. من خلال هذه الالتقاءات القيمة والمصادفات السعيدة، حصل بولان على فرص فنية لم يكن يتوقعها أو يحلم بها، فأتيحت له الفرصة للانضمام إلى مشاريع فنية متميزة أظهرت موهبته الحقيقية وقدراته الإبداعية التي ظلت مخفية تحت طبقات الألم والحرمان. اكتشف بولان من خلال هذه التجارب أن المعرفة والثقافة والعلاقات الإنسانية الحقيقية تلعب دوراً أساسياً في تشكيل شخصية الفنان وصقل موهبته.
وأدرك أيضاً أهمية العلاقات الإنسانية الدافئة والداعمة في حياة الفنانين الشباب الذين يسعون لتحقيق أحلامهم، فالمساعدة والتشجيع من الآخرين قد تكون الفارق بين النجاح والفشل. انتهت هذه المرحلة من حياته بالتأمل في جميع التجارب والمآسي والسعادات التي مر بها، فأدرك بولان كيف أن الفرص غير المتوقعة والمعرفة والثقافة قادرة على تغيير مجرى حياة الإنسان، والتقدير ليس فقط للنجاحات فحسب بل أيضاً للتحديات والآلام التي ساهمت في صقل شخصيته وجعلته الفنان الذي أصبح عليه.
ويُعتبر أحمد بولان مثالاً حياً يحتذى به جميع الشباب الذين يسعون نحو تحقيق أحلامهم وطموحاتهم في عالم الفن والإبداع. تجربة حياته من البدايات المتواضعة إلى النجاح الحالي توضح كيف أن المثابرة والإصرار والإبداع الحقيقي قادرة على مواجهة والتغلب على جميع التحديات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. رغم كل الصعوبات والعقبات التي واجهها في طريقه، فابتداءً من الفقر والحرمان والفشل الدراسي، وصولاً إلى الأزمات العائلية والانفصال عن أحبائه، تمكن بولان من تحقيق نجاحات وترك بصمة في صناعة السينما المغربية والفن. أصبح صاحب رؤية فنية مميزة وشركة إنتاجية ناجحة، وأثبت للعالم أن الإنسان بإرادة قوية وعزيمة صلبة يمكنه أن يتجاوز كل الحدود والعقبات. قصة بولان تعتبر مصدر إلهام لكل من يواجه تحديات في حياته ويسعى لتحقيق أحلامه.
#مهرجان_الفيلم_العربي #مهرجان_الدار_البيضاء_للفيلم_العربي #أحمد_بولان #السينما_المغربية #السينما_العربية #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #تكريم_أحمد_بولان #رواد_السينما #فن_وثقافة #المغرب #الدار_البيضاء #ArabCinema #MoroccanCinema #FilmFestival













Leave a Reply