لماذا يتنكر بعض رواد السينما والتلفزيون لمن خلد أسماءهم بحبر النقد والإعلام؟
عبدالرحيم الشافعي
ليس كل من يكتب عن الفن في صناعة السينما والتلفزيون ناقداً حراً، وليس كل تغطية تُصنع الأسماء. يجب التمييز بين القلم الناقد الحر الذي يمتلك تكويناً جامعياً متخصصاً في السينما أو الفنون السمعية البصرية، وتخرج ببحث علمي في المجال نفسه، ثم يمارس النقد باستقلال تام بعيداً عن أي حزب أو نادي أو جمعية أو نقابة، فيختار بحرية من يحلل ومن يتجاهل، بينما الصحفي السينمائي المتخصص هو من درس التخصص نفسه في الجامعة ويغطي الأخبار والحوارات والفعاليات بمعرفة مهنية دقيقة دون انتماء يوجهه. في حين أن الصحافة الفنية المتخصصة هي الممارسة التي يشتغل فيها هؤلاء المتخرجون من شعب السينما والنقد.
أما الدخيل فهو غير المتخصص الذي يكتب عادة في السياسة أو الاقتصاد أو الرياضة، ثم يقتحم المجال الفني دون تكوين جامعي، فيتملق لأرباب المهرجانات وصناع الفنون الدرامية. ولسنا مع الصحافة المتحزبة أو المنتمية لأي حزب أو نادي أو جمعية أو نقابة، لأن الانتماء يقتل الحرية ويحول النقد إلى أداة تملقية. وفي المغرب اختلطت هذه الأنواع، فصار الفنان لا يميز، ويتعامل مع الجميع وكأنهم ملزمون بتغطيته. بينما الحقيقة الثابتة أن النقاد الأحرار المتخصصون غير المنتمين هم من يصنعون أسماء الرواد، وليس العكس.
ويُثبت التاريخ العالمي للسينما أن القلم الناقد الحر المتخصص، أي الذي درس المجال في الجامعة وتخرج ببحث فيه ويمارس عمله بعيداً عن الأحزاب والنقابات والجمعيات، هو الصانع الحقيقي لأسماء الرواد. ففي فرنسا خلال خمسينيات القرن الماضي، انطلقت “الموجة الجديدة” من أقلام نقاد كراسات سينما الذين كانوا متخصصين معرفياً وأحراراً من أي انتماء تنظيمي. أمثال فرانسوا تروفو وجان لوك غودار وكلود شابرول كتبوا باستقلال تام، فصنعوا لأنفسهم ولغيرهم أسماء خالدة. وهذه الحقيقة تسقط أي ادعاء بأن الفنان يصنع شهرته بمعزل عن الناقد الحر المتخصص غير المتحزب.
ويَنبثِق النقد من جذور لغوية تعود إلى الفعل “نقد” الذي يعني تمييز الجيد من الرديء، أو إظهار العيوب والنقائص. وفي الاستخدام اللغوي العام، يُمارَس النقد كفعل حكم على الأشياء والأعمال بعقلانية وموضوعية، مع إبراز محاسنها وعيوبها. أما في المعجم السينمائي فيُعتبَر النقد عملية تحليلية وتقويمية للأفلام، تقوم على دراسة عناصرها الفنية والدرامية والتقنية، بهدف الوصول إلى أحكام معللة حول قيمتها الفنية والفكرية. وهو نشاط إبداعي يجمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية والذوق الفني.
ويبرز الفرق الجوهري بين الناقد الحر المتخصص غير المنتمي والصحفي السينمائي المتخصص: كيف أن الأول وحده يملك سلطة صناعة الرواد. بينما الصحفي السينمائي المتخصص الذي درس السينما في الجامعة يؤدي دوراً أساسياً في نقل الأخبار وإجراء الحوارات بمعرفة مهنية. في حين أما الناقد الحر المتخصص فيذهب أبعد: فهو يحلل ويحكم باستقلال كامل بعيداً عن أي حزب أو نقابة أو جمعية. فروجر إيبرت وبولين كايل لم يكونا منتميين إلى أطر تنظيمية توجه أقلامهما، وإنما نقاداً متخصصين أحراراً صنعت كتاباتهما أسماء وأسقطت أخرى لأنهما اختارا بحرية انطلاقاً من تكوين علمي رصين واستقلال تام.
ويقف الناقد السينمائي كمتخصص يتمتع بكفاءة فنية وثقافية عالية، مسؤولاً عن تحليل وتقييم الأفلام من جوانب متعددة: سينماتوغرافية، درامية، فنية، وفكرية. يجمع الناقد بين المعرفة العميقة بتاريخ السينما وأصولها الفنية، والقدرة على التذوق الجمالي، والقدرة على الكتابة الفصيحة الواضحة. لا يقتصر دور الناقد السينمائي على كاتب يعطي رأياً شخصياً، وإنما يتسع ليصبح معلماً يوجه الجمهور ويثقفهم، ومرشداً يساعدهم على فهم الأفلام بعمق، ويساهم في تطوير الوعي السينمائي لدى المتلقين والمتخصصين على حد سواء.
وتُثبت التجارب أن الصحافة الفنية المتخصصة، حين يمارسها متخرجون من شعب السينما في الجامعات وبعيداً عن الانتماءات الحزبية والنقابية، هي البيئة الوحيدة التي تُصنع فيها أسماء الرواد الحقيقيين. فالتقييمات الصادرة عن نقاد متخصصين أحرار غير منتمين ترتبط بارتفاع القيمة الثقافية والمالية للأعمال. أما الدخيل غير المتخصص أو الصحفي المتحزب أو المنتمي إلى نادي أو جمعية أو نقابة أو غرفة مهنية، فيميل إلى التملق أو الحسابات الضيقة، ولا يصنع رواداً بل أسماء مؤقتة.
وتُعنى الصحافة السينمائية بتغطية جميع جوانب الصناعة السينمائية والفنية كفرع متخصص من فروع الصحافة. تشمل نطاقها الأخبار السينمائية، والحوارات مع صناع الأفلام، والتقارير عن المهرجانات السينمائية، والإعلانات عن الإنتاجات الجديدة. تمتد الصحافة السينمائية أوسع من النقد، فهي تقدم معلومات وأخباراً شاملة عن السينما، وتتضمن النقد كأحد عناصرها، لكنها لا تقتصر عليه. ويتجسد دورها الأساسي في إعلام الجمهور بكل ما يتعلق بعالم السينما، وتوثيق حركتها الإنتاجية والفنية والفكرية.
ويُبرز دور النقاد الأحرار المتخصصين غير المنتمين داخل الممارسة النقدية الرصينة كيف يصنعون الرواد الذين كان يمكن أن يظلوا مجهولين. فالمؤسسات النقدية الجادة عبر العالم اعتمدت على أقلام مستقلة تمتلك تكويناً جامعياً ولا تخضع لحزب أو نقابة أو جمعية، فاختارت أعمالاً ومخرجين وحولتهم إلى رواد. وهذا الدور لا يقوم به الدخيل ولا الصحفي المتحزب الذي يراعي حسابات تنظيمه، بل إنما يقوم به الناقد الحر الذي يمتلك التخصص والحرية الكاملة.
ويسعى المقال النقدي كنص صحفي متخصص إلى تحليل وتقييم فيلم معين أو ظاهرة سينمائية من خلال منهج نقدي منظم. يتميز هذا المقال بالعمق والتفصيل، حيث يقوم الناقد بتفكيك عناصر الفيلم (السيناريو، التمثيل، المونتاج، الإضاءة، الموسيقى التصويرية) ودراستها بشكل تحليلي دقيق. ينقّب المقال النقدي عن معاني أعمق وأبعاد فنية وفكرية وراء الصورة المرئية، ويقدم أحكاماً معللة مدعومة بأدلة من الفيلم ذاته. وتتطلب كتابة المقال النقدي الراقي كفاءة عالية وخبرة واسعة بالسينما وفنونها.
ويكشف واقع المهرجانات الدولية أن النقاد الأحرار المتخصصين غير المنتمين هم من يحولون المشاركين إلى رواد. في كان والبندقية تأتي الشهرة المستدامة من تحليلات نقاد متخصصين أحرار، لا من تغطيات الدخلاء أو المنتمين إلى أطر تنظيمية يبحثون عن الدعوات والمجاملات. بينما في المهرجانات المغربية يُطمس هذا الفرق ويُعامل الناقد الحر المتخصص وكأنه ملزم بالتغطية المجانية، بينما يُفتح الباب أمام غير المتخصصين والمتحزبين الذين يتملقون لأرباب المهرجانات.
ويُحذر من الخلط الخطير الذي سمح به بعض الممارسين الأوائل في المغرب بين المتخصص الحر والدخيل أو المتحزب. عندما فُتح الباب أمام غير المتخصصين القادمين من السياسة والاقتصاد والرياضة، وأمام الأقلام المنتمية إلى أحزاب أو نقابات أو جمعيات، ليتملقوا لأرباب المهرجانات، بدأ الفنان لا يميز بين الناقد الحر الذي يصنع الأسماء وبين غيره. والنتيجة أن عدم الاحترام صار سائداً، وصارت المطالبة بالتغطية المجانية أمراً معتاداً، بينما ضاع دور الناقد المتخصص غير المنتمي.
ويُطالب المشهد الثقافي بالتمييز الواضح بين المتخصص الحر غير المنتمي وبين الدخيل أو المتحزب أو المنتمي إلى نقابة أو جمعية. الناقد والصحفي السينمائي المتخصصان، اللذان درسا المجال في الجامعة وتخرجا ببحث فيه ويمارسان عملهما باستقلال عن أي إطار تنظيمي، يستحقان التعويض العادل والإقامة اللائقة لأنهما يصنعان القيمة والذاكرة. أما الدخيل أو المنتمي الذي يتملق للمنظمين، فلا ينبغي أن يُعطى وزن الحر المتخصص. المجانية العبثية تُسطح الجميع وتغذي الوهم.
ويغوص المقال النظري في السينما كدراسة علمية متخصصة تركز على الأسس النظرية والمفاهيم الفلسفية والفنية للسينما. يناقش أفكاراً عامة ومبادئ فنية وتاريخية ذات نطاق أوسع. يتناول المقال النظري قضايا عديدة مثل: تطور اللغة السينمائية، الحركات السينمائية المختلفة، تأثير التكنولوجيا على السينما، العلاقة بين السينما والفنون الأخرى، أو الأسس الجمالية للعمل السينمائي. ويتطلب هذا النوع من المقالات مستوى عالياً من التخصص والمعرفة الأكاديمية العميقة.
وتقدّم مراجعة الفيلم كنص قصير نسبياً انطباعاً سريعاً وحكماً مختصراً على فيلم معين. تجمع المراجعة بين الوصف والتقييم بأسلوب مباشر وسهل الفهم، موجهة للقارئ العادي وليس المتخصص. تركز على إعطاء القارئ فكرة سريعة عن الفيلم وقيمته الترفيهية والفنية، وتجيب عما إذا كان يستحق المشاهدة أم لا. تتسم المراجعة بأنها أقل عمقاً من المقال النقدي، لكنها أكثر مباشرة وتأثيراً على الجمهور العام. وغالباً ما تنتهي المراجعة بتقييم نجومي أو درجة رقمية توضح جودة الفيلم.
#عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي #النقد_السينمائي #الصحافة_السينمائية #السينما_المغربية #رواد_السينما_والتلفزيون #صناعة_المشاهير











Leave a Reply