عبدالرحيم الشافعي – الناقد الجديد
يضع بيتر بوسما في كتابه “مهام القيّم السينمائي” مسألة اختيار الأفلام وعرضها في قلب العملية السينمائية، ولا يتعامل مع البرمجة السينمائية باعتبارها مجرد عملية تقنية تتعلق بتحديد مواعيد العروض، وإنما ينظر إليها بوصفها ممارسة ثقافية وفكرية وفنية واقتصادية في الوقت نفسه. وينطلق الكتاب من سؤال أساسي يتعلق بمن يختار الأفلام التي تصل إلى الجمهور، وكيف يمكن لهذا الاختيار أن يصنع معنى معينًا للعمل السينمائي ولتجربة المشاهدة نفسها.
ويطرح بوسما كتابه في سياق التحولات الكبرى التي عرفتها صناعة السينما مع الرقمنة وتعدد وسائل التوزيع والعرض، إذ أدى الانتقال إلى البيئة الرقمية إلى وفرة غير مسبوقة في الأفلام وإلى اتساع إمكانات الوصول إليها. ويجعل هذا التحول مهمة القيّم السينمائي أكثر أهمية، لأن الوفرة تفرض الحاجة إلى من يمتلك المعرفة والقدرة على الانتقاء والتنظيم وبناء علاقة ذات معنى بين الفيلم والجمهور.
ويعتبر بوسما القيّم السينمائي وسيطًا ثقافيًا وحارسًا لثقافة السينما، ولذلك يفضل مفهوم “القيّم” على مفهوم “المبرمج”، لأن الأول يحمل في نظره دلالة أوسع ترتبط بالمعرفة بتاريخ السينما وبناء البرامج وبالتفكير في الجمهور وفي السياق الذي تعرض فيه الأفلام. ويخاطب الكتاب المهنيين الراغبين في دخول مجال البرمجة السينمائية، والباحثين المهتمين بفعل التنسيق والاختيار، وكذلك المتفرجين الذين يريدون فهم الكيفية التي تتشكل بها تجاربهم السينمائية.
“الفصل الأول: التأمل”
يفرق بوسما بين جدولة الأفلام وبين تنسيقها، لأن تحديد مواعيد العرض لا يستنفد وظيفة القيّم السينمائي. ويجمع القيّم، بحسب تصور الكتاب، بين الشغف بالسينما والفضول تجاه تاريخها وتراثها وبين القدرة على التعامل مع الاعتبارات التجارية والتنظيمية التي تحكم المؤسسات السينمائية.
يحدد بوسما أربعة أبعاد أساسية لمهمة القيّم، تتمثل في الممارسة العملية، والنظرية، والفعل الفني والإبداعي، والتحدي التجاري والإداري. ويعني ذلك أن القيّم لا يعمل داخل مجال واحد مغلق، وإنما يتحرك بين المعرفة السينمائية والإبداع والتنظيم والاقتصاد، ويحتاج إلى فهم طبيعة المؤسسة التي يعمل داخلها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.
يشدد الكتاب كذلك على أهمية النظر إلى العملية من زاوية المتفرج، لأن البرنامج السينمائي يتحقق معناه عندما يدخل الجمهور إلى قاعة العرض ويتفاعل مع الأعمال ومع الطريقة التي وضعت بها إلى جانب بعضها البعض. ويصبح القيّم بذلك مسؤولًا عن بناء تجربة مشاهدة وليس فقط عن ملء جدول العروض.
“الفصل الثاني: السينيفيليا كعنصر تنسيقي”
ويضع بوسما السينيفيليا، أي حب السينما، في قلب مهمة القيّم، ويرى أن العلاقة العميقة بالأفلام وتاريخ السينما تمثل عنصرًا أساسيًا في بناء البرامج السينمائية. ولا تقتصر السينيفيليا على مشاهدة عدد كبير من الأفلام، وإنما تتصل بالمعرفة والذاكرة والتجربة الشخصية وبالقدرة على اكتشاف العلاقات الخفية بين الأعمال.
ويربط الكتاب بين القيّم والجمهور السينيفيلي، كما يشير إلى إمكانية أن تضم البرامج أعمالًا لمخرجين ينطلقون هم أنفسهم من علاقة سينيفيلية بالسينما. ويصبح حب السينما هنا قوة دافعة نحو البحث والاكتشاف وإعادة تقديم الأفلام في سياقات جديدة.
ويستند بوسما في هذا السياق إلى تصور كريستيان كيثلي للسينيفيليا باعتبارها استراتيجية للبحث في تاريخ السينما، إذ يظهر المتفرج السينيفيلي مثل متجول يجمع اللحظات السينمائية التي تترك أثرًا خاصًا لديه، ثم يعيد وضعها في سياقات جديدة. وينقل القيّم هذه الفكرة إلى عملية التنسيق، فيتحول إلى جامع للأفلام واللحظات والمعاني، ويصنع من اختياراته سردية شخصية قابلة لإنتاج قراءات وتفاعلات متعددة.
“الفصل الثالث: شبكة الوسطاء”
وينتقل بوسما من القيّم إلى شبكة العلاقات التي تحيط بعمله، لأن البرمجة السينمائية لا تتم داخل فراغ. ويشكل الموزعون وأصحاب حقوق العرض والتراخيص والنقاد والمؤسسات الثقافية ومختلف المتدخلين جزءًا من الشبكة التي تؤثر في الفيلم وفي إمكانية وصوله إلى الجمهور.
ويكشف الكتاب أن الموزعين وأصحاب الحقوق والمنافسين قد يكونون أكثر تأثيرًا مما يبدو في عملية اختيار الأفلام وعرضها، لأن القيّم يحتاج إلى التفاوض معهم والحصول على حقوق العرض والتعامل مع الشروط التي يفرضها توزيع الأفلام وتداولها.
ينظر بوسما كذلك إلى القيّم والناقد بوصفهما وسيطين ثقافيين، لأن كليهما يساهم بطريقة مختلفة في تحديد ما يصل إلى الجمهور وفي تشكيل طريقة استقبال الأعمال. ويؤكد هذا التصور أن الفيلم لا ينتقل مباشرة من صانعه إلى المتفرج، وإنما يمر عبر شبكة من الوسطاء والمؤسسات والخطابات التي تؤثر في حضوره الثقافي.
“الفصل الرابع: تنسيق دور السينما”
يحدد بوسما مجموعة من عوامل النجاح الحرجة في عمل دور السينما، ويضع من بينها الشعبية والمشاركة الاجتماعية والتنوع والتميز. ويعني ذلك أن نجاح البرنامج لا يقاس فقط بعدد التذاكر المباعة، وإنما يرتبط أيضًا بقدرة القاعة على خلق علاقة مع جمهورها وتقديم عرض متنوع ومختلف.
ويفرق الكتاب بين الاختيار الموجه إلى الجمهور والاختيار الذي تحركه دوافع فنية، لكنه لا ينظر إليهما باعتبارهما متناقضين بالضرورة. ويحتاج القيّم إلى البحث عن توازن يسمح للمؤسسة بالحفاظ على حضورها التجاري وفي الوقت نفسه بمنح الجمهور فرصًا لاكتشاف أعمال جديدة أو إعادة اكتشاف أفلام تنتمي إلى تراث السينما.
ويستفيد بوسما من أفكار المونتاج لدى سيرغي آيزنشتاين لتطوير استراتيجيات في تنسيق البرامج. ويشير إلى إمكان بناء برنامج يقوم على التصادم الجدلي بين فيلمين، بحيث ينتج الجمع بينهما معنى جديدًا لا يوجد بالضرورة في كل فيلم منفردًا. ويشير كذلك إلى استراتيجية الجاذبية التي تقوم على الجمع بين أفلام مختلفة وربطها بعناصر أخرى مثل الموسيقى أو الطعام أو العروض الحية. ويطرح أيضًا الاستراتيجية الفكرية التي تقوم على بناء روابط مفهومية بين مجموعة من الأفلام.
يهتم الكتاب كذلك بتقييم الجمهور وتوسيعه، لأن نجاح المؤسسة السينمائية يرتبط بقدرتها على فهم جمهورها الحالي والعمل في الوقت نفسه على الوصول إلى جمهور جديد. ويصبح التحدي الأساسي هو الحفاظ على التوازن بين العرض التجاري والحفاظ على الذاكرة السينمائية والتراث السينمائي.
“الفصل الخامس: تنسيق المهرجانات السينمائية”
يميز بوسما المهرجان السينمائي عن قاعة السينما العادية، لأن المهرجان يعمل وفق منطق مختلف يقوم على الاختيار الجماعي والهوية الثقافية وبناء صورة خاصة للمهرجان أمام الجمهور والمهنيين.
يبرز الكتاب أهمية لجان الاختيار التي تضطلع بمهمة مشاهدة عدد كبير من الأفلام وانتقاء الأعمال التي ستشكل البرنامج النهائي. وتصبح عملية الاختيار هنا جزءًا من هوية المهرجان، لأن الأفلام المختارة تحدد طبيعة الخطاب الذي يقدمه المهرجان وتؤثر في صورته الثقافية والفنية.
يربط بوسما البرمجة أيضًا بالعلامة الثقافية للمهرجان وبعلاقاته مع مهرجانات أخرى وبالتعاون بين المؤسسات. ويتطرق إلى قضايا الرقابة وخدمة الجمهور وتجربة المشاركين، لأن نجاح المهرجان يرتبط أيضًا بالطريقة التي يعيش بها الجمهور والضيوف والمهنيون تجربة الحدث.
يوجه الكتاب الباحثين إلى دراسة البرامج السينمائية داخل سياقاتها الزمنية والثقافية والسياسية، بدل التعامل معها باعتبارها قوائم محايدة. ويمكن دراسة الأفلام التي عرضها مهرجان معين، والظروف التي أحاطت بتنظيمه، والأرشيف الذي تركه، من أجل فهم طبيعة الخطاب الثقافي الذي أنتجه.
“الفصل السادس: تنسيق أرشيفات الأفلام”
ينقل بوسما النقاش إلى أرشيفات الأفلام، إذ تصبح مهمة القيّم مرتبطة بجمع الأفلام وحفظها وترميمها وتقديمها للجمهور. ولا تقتصر المسألة هنا على تخزين المواد، وإنما تشمل تحديد النسخ وحالتها وتاريخها وإمكان عرضها من جديد.
يشير الكتاب إلى المشكلات التي تطرحها المواد الفيلمية التقليدية، ومنها تدهور شريط الفيلم والحاجة إلى شروط مناسبة للتخزين والحفظ. ويبرز كذلك السؤال المتعلق بتحديد النسخة الأصلية أو الأقرب إلى الأصل، وهي مسألة يمكن أن تتطلب بحثًا تاريخيًا وتقنيًا طويلًا.
يعتمد القيّم في هذا المجال على خبرة الأرشيفيين وفرق الترميم، لأن عملية إعادة تقديم فيلم قديم للجمهور لا تنفصل عن العمل الذي يسبق العرض. ويصبح الحفاظ على التراث السينمائي جزءًا أساسيًا من وظيفة المؤسسة الأرشيفية.
ينبه الكتاب أيضًا إلى أن التحول الرقمي يطرح تحديات جديدة، خصوصًا مع تعدد الصيغ والوسائط التي ظهرت خلال العقود الأخيرة. ويظهر هنا أن حفظ الفيلم لا يعني الاحتفاظ بنسخة منه فقط، وإنما يتطلب التفكير في الوسيط وفي شروط استمراره وإمكان إعادة عرضه في المستقبل.
“الفصل السابع: دراسات حالة”
ويبرز بوسما دراسات حالة تساعد على تحويل الأفكار النظرية إلى ممارسات ملموسة. ويتوقف من بينها عند الفيلم الصامت “أشخاص يوم الأحد” المنتج سنة 1930، ليوضح كيف يمكن لطريقة مرافقة الفيلم بالموسيقى أن تؤثر في تجربة المشاهدة.
ويقارن الكتاب بين إمكان استخدام موسيقى معاصرة للفيلم في زمن إنتاجه وبين إنتاج موسيقى جديدة لمرافقته في الحاضر، لأن الاختيار الموسيقي يمكن أن يعيد تشكيل علاقة الجمهور بالصورة وبالإيقاع وبالفترة التاريخية التي ينتمي إليها العمل.
ويعرض كذلك نماذج من المعارض السينمائية المبتكرة، ومن بينها معرض افتتاح متحف إي آي في هولندا، الذي حاول تجاوز النموذج التقليدي لقاعة السينما ذات الشاشة المظلمة، وكذلك نموذج صالة العرض الفنية التقليدية ذات الفضاء الأبيض. ويكشف هذا المثال عن إمكانية تقديم السينما داخل فضاءات تجمع بين العرض والمتعة البصرية والتفاعل والتأمل.
“الفصل الثامن: الخاتمة”
ويدافع بوسما في الخاتمة عن أهمية مشاهدة الأفلام داخل قاعة السينما حتى في عصر تعدد الشاشات والمنصات الرقمية. ولا ينطلق هذا الدفاع من رفض الوسائط الجديدة، وإنما من الإيمان بأن ظروف المشاهدة الجماعية والفضاء السينمائي وطريقة تقديم الفيلم تؤثر جميعها في التجربة وفي المعنى.
يربط الكتاب بين العرض المنسق وبين تشكيل الذوق والوعي بالسينما، لأن الطريقة التي توضع بها الأفلام أمام الجمهور يمكن أن تغير علاقته بها وتدفعه إلى اكتشاف أعمال جديدة أو إعادة النظر في أفلام يعرفها من قبل.
يخلص بوسما إلى أن القيّم السينمائي يؤدي وظيفة تتجاوز تنظيم العروض، لأنه يشارك في حماية ثقافة السينما وفي بناء جسور بين تاريخها وحاضرها وجمهورها. وتزداد أهمية هذه الوظيفة في عصر الوفرة الرقمية، إذ لم يعد التحدي الأساسي هو الوصول إلى الأفلام، وإنما معرفة أي الأفلام ينبغي أن نشاهد، وكيف ولماذا وفي أي سياق.
“المفاهيم الأساسية في الكتاب”
يميز بوسما بين القيّم والمبرمج، بحيث يشير مفهوم القيّم إلى وظيفة ثقافية وفكرية أوسع من مجرد إعداد جدول للعروض. ويربط السينيفيليا بحب السينما وبالمعرفة والذاكرة والبحث في تاريخها. ويقدم شبكة الوسطاء باعتبارها الإطار الذي يعمل داخله القيّم، بما يضم الموزعين وأصحاب الحقوق والنقاد والمؤسسات.
يحدد الكتاب عوامل النجاح الحرجة في شعبية البرنامج ومشاركته الاجتماعية وتنوعه وتميزه، ويقترح الاستفادة من منطق المونتاج في بناء العلاقات بين الأفلام. ويضع كذلك العرض المنسق في قلب النقاش حول مستقبل السينما في العصر الرقمي، ويربط وظيفة القيّم بحماية التراث السينمائي وإعادة تقديمه إلى الجمهور.
“خلاصة القراءة”
يكشف كتاب “مهام القيّم السينمائي” أن اختيار الأفلام ليس فعلًا محايدًا أو تقنيًا، وإنما ممارسة ثقافية تنتج المعنى وتؤثر في الذوق وتعيد ترتيب العلاقة بين الجمهور وتاريخ السينما. ويظهر القيّم في هذا التصور باعتباره شخصًا يجمع بين المعرفة والشغف والقدرة على الاختيار والتنظيم والتفاوض وفهم الجمهور.
يربط بوسما بين السينما المعاصرة وتراثها، ويؤكد أن الوفرة الرقمية لا تلغي الحاجة إلى الوساطة، بل تجعلها أكثر إلحاحًا. فكلما ازداد عدد الأفلام وتعددت الشاشات والمنصات، ازدادت الحاجة إلى من يستطيع بناء مسارات مشاهدة ذات معنى.
ويضع الكتاب وظيفة القيّم داخل سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الثقافة السينمائية نفسها: من يحفظ الذاكرة؟ ومن يقرر ما يستحق أن يعرض؟ ومن يربط الفيلم بجمهوره وسياقه؟ ويقدم بوسما إجابته من خلال القيّم السينمائي الذي لا يكتفي باختيار الأفلام، وإنما يساهم في صناعة تجربة المشاهدة وفي استمرار ثقافة السينما.
#عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #صحيفة_الناقد_الجديد #القيّم_السينمائي #البرمجة_السينمائية #النقد_السينمائي #السينما_المغربية #السينما_العربية #السينيفيليا #المهرجانات_السينمائية #أرشيف_السينما #ثقافة_السينما #النقد_الفني #دراسات_سينمائية #المغرب
للاطلاع على مقالات الناقد السينمائي المغربي عبدالرحيم الشافعي المنشورة في صحيفة العرب اللندنية، يمكن زيارة الرابط التالي:











Leave a Reply