عبدالرحيم الشافعي – الناقد الجديد
تقرير منتصف سبتمبر 2026
التمويل الخليجي، الحضور الفلسطيني والتحول الرقمي
تكشف حركة السينما العربية في منتصف سبتمبر 2026 عن مشهد يتجاوز مجرد متابعة الأفلام والمهرجانات وشباك التذاكر، إذ تتقاطع فيه تحولات الإنتاج والتمويل مع صعود أسواق جديدة، واتساع الحضور العربي في المهرجانات الدولية، وتغير طبيعة العلاقة بين السينما والجمهور في ظل هيمنة المنصات الرقمية وتطور أدوات صناعة المحتوى. وتوحي التغطيات الصحفية والفنية بأن السينما العربية تدخل مرحلة جديدة تتعدد فيها مراكز القوة والتأثير؛ فبينما تتحرك المملكة العربية السعودية ودول الخليج لبناء بنية إنتاجية قادرة على استقطاب المشاريع والمواهب والأسواق العالمية، تواصل السينما الفلسطينية واللبنانية والمستقلة فرض حضورها من خلال أفلام تحمل قضايا إنسانية وسياسية إلى المنصات الدولية، في وقت تبحث فيه السينما المصرية عن تعزيز حضورها التجاري داخل السوق العربية والخليجية. ويطرح هذا المشهد سؤالاً أوسع حول طبيعة التحول الذي تعرفه الصناعة: هل نحن أمام نمو في حجم الإنتاج والاستثمار، أم أمام إعادة تشكيل فعلية لخريطة السينما العربية وأدوار مؤسساتها وأسواقها وجمهورها؟
وأبرزت المهرجانات الدولية هذا التحول من خلال الحضور اللافت للسينما الفلسطينية واللبنانية في الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي، التي أقيمت بين الثاني والثاني عشر من سبتمبر، إذ حظيت مجموعة من الأفلام العربية باهتمام نقدي وجماهيري، وبرز من بينها الفيلم الفلسطيني “المواطن أسامة” للمخرج أحمد حسونة، وهو عمل وثائقي يتابع حياة المصور الصحافي أسامة العشي في شمال غزة تحت القصف، ويربط بين عمله المهني ومسؤولياته العائلية والإنسانية. وعُرض الفيلم للمرة الأولى دولياً خارج المسابقة، وحظي بتفاعل جماهيري لافت، فيما غاب مخرجه بسبب العراقيل الإسرائيلية، كما رُشح رسمياً من وزارة الثقافة الفلسطينية لتمثيل فلسطين في سباق أوسكار أفضل فيلم دولي لعام 2027.
وقدّم المخرج مؤيد عليان، من جهته، فيلم “حوار مع البحر” ضمن قسم “سبوتلايت”، في إنتاج فلسطيني هولندي سعودي قطري مشترك، حيث تناول من خلال حكاية رجل مقدسي في الستين من عمره رحلة بحث عن ابنه الذي يُعتقد أنه غرق قبل عقود، قبل أن يكتشف غياب سجل رسمي لوفاته، فتتحول الرحلة إلى بحث عن الحقيقة والذاكرة ومواجهة البيروقراطية. وانتقل الفيلم بعد عرضه العالمي الأول في فينيسيا إلى مهرجان تورونتو الدولي، حيث عُرض ضمن أحد الأقسام الرئيسية، ليكشف بذلك عن اتساع مساحة الإنتاج المشترك العربي وقدرة الأفلام العربية على الانتقال بين المهرجانات الكبرى، مستفيدة من تعاون مؤسسات إنتاج وتمويل عربية وأوروبية.
وعكست هذه المشاركات اتجاهاً لافتاً في علاقة السينما العربية بالمهرجانات الدولية، إذ أصبحت بعض المشاريع قادرة على الوصول إلى مراحل متقدمة من التداول النقدي والجماهيري، خصوصاً عندما ترتبط بقضايا إنسانية تتجاوز حدودها المحلية. وأظهرت التغطيات الصحفية أن السينما الفلسطينية تحافظ على حضور قوي رغم صعوبة ظروف الإنتاج، فيما تستمر السينما اللبنانية والسودانية واليمنية والمستقلة في البحث عن مساحات للظهور، الأمر الذي يكشف مفارقة أساسية في المشهد العربي: ضعف البنية التحتية في بعض البلدان لا يمنع بالضرورة إنتاج أفلام قادرة على تحقيق حضور دولي، لكنه يجعل هذا الحضور مرتبطاً بدرجة كبيرة بالمبادرات الفردية والشراكات الخارجية والصناديق الداعمة.
وسّعت المملكة العربية السعودية في المقابل حضورها داخل صناعة السينما الدولية من خلال مشاركتها في مهرجان تورونتو الدولي، عبر جناح خاص ووفد رسمي ضم مؤسسات وجهات مرتبطة بصناعة الأفلام، من بينها هيئة الأفلام وفيلم العلا ومهرجان البحر الأحمر ومؤسسة إثراء. وركز الحضور السعودي على استقطاب الإنتاجات الدولية والترويج لحوافز التصوير والإنتاج وتنوع مواقع التصوير، في محاولة لتحويل المملكة من سوق استهلاكية للأفلام إلى مركز إنتاج قادر على استضافة مشاريع عربية ودولية كبيرة. كما سجلت مؤسسة البحر الأحمر حضوراً واسعاً من خلال دعم ثمانية أفلام، من بينها “حوار مع البحر”.
ويكشف هذا التحول الخليجي عن تغير مهم في موازين الصناعة العربية، بعدما أصبحت دول الخليج، والسعودية بصورة خاصة، تمتلك قدرة متزايدة على تمويل المشاريع واستقطاب المواهب وبناء البنية التحتية. كمحاولة إنشاء منظومة سينمائية متكاملة تستطيع المنافسة على المستوى الدولي، وهو ما يضع الصناعة العربية أمام مرحلة جديدة تتجاور فيها الخبرة التاريخية لمراكز الإنتاج التقليدية، وفي مقدمتها مصر ولبنان والمغرب، مع الموارد المالية والبنية التحتية الجديدة التي توفرها الأسواق الخليجية.
وفتحت قضايا التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي نقاشاً موازياً حول مستقبل الصناعة العربية، خصوصاً مع انعقاد منتدى الأفلام ضمن قمة الإعلام العربي في دبي بين الخامس عشر والسابع عشر من سبتمبر، حيث ناقشت الجلسات تأثير المنصات في ذائقة الجمهور، ومستقبل الإنتاج المشترك، ودور الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى. وطرحت هذه النقاشات سؤالاً يتجاوز الجانب التقني إلى مستقبل العلاقة بين المبدع والجمهور والسوق، بعدما أصبحت المنصات الرقمية قادرة على تغيير طرق الإنتاج والتوزيع والوصول إلى المشاهد، وأصبح الذكاء الاصطناعي يفرض نفسه باعتباره أداة إبداعية محتملة ومصدراً جديداً للمخاوف المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية.
وأعاد إطلاق تحالف “لوميير” في فرنسا طرح المسألة على نطاق دولي أوسع، بعدما اجتمعت مؤسسات عامة مسؤولة عن سياسات السينما والسمعي البصري من عشرات الدول بهدف تنسيق المواقف حول الملكية الفكرية والقرصنة والذكاء الاصطناعي ودعم السينما المستقلة. ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة بالنسبة إلى الصناعات العربية التي تواجه في الوقت نفسه تحديات التحول الرقمي، وحماية الحقوق، وتغير نماذج التوزيع، والحاجة إلى تطوير تشريعات قادرة على مواكبة التكنولوجيا الجديدة.
وأعادت السينما المصرية من جهتها التأكيد على أهمية السوق التجارية من خلال حركة شباك التذاكر في سبتمبر، حيث تصدر فيلم “ريد فلاج” المنافسة منذ بداية عرضه في التاسع من الشهر، محققاً إيرادات يومية قاربت مليوناً و700 ألف جنيه، مستفيداً من حضور أحمد حاتم وجميلة عوض وشريف منير ونسرين أمين وانتصار وسيف زهران، ومن معالجة كوميدية اجتماعية للعلاقات الزوجية والعلامات التحذيرية التي يمكن أن تظهر داخلها. وقدم الفيلم نموذجاً للإنتاج التجاري الذي يحاول الاقتراب من اهتمامات الجمهور الشاب، في وقت تنافست فيه أعمال أخرى مثل “شيش دو” و”شكوى رقم 713317″.
وأعاد هذا الحراك التجاري النقاش حول موقع السينما المصرية داخل السوق العربية، خصوصاً في ظل تنامي أهمية الأسواق الخليجية وقدرتها على دعم الإيرادات. ولم يعد نجاح الفيلم المصري مرتبطاً فقط بما يحققه داخل مصر، بل أصبح امتداده إلى السعودية والإمارات وبقية الأسواق الخليجية عاملاً مؤثراً في تقييم نجاحه التجاري، وهو تحول يعيد تعريف مفهوم السوق العربية نفسها، بعدما أصبحت الحدود الجغرافية أقل تأثيراً في حركة الفيلم بفضل توسع شبكات العرض وتزايد التعاون الإنتاجي بين المؤسسات العربية.
وأطلق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بدوره مبادرة جديدة تربط السينما بالأدب من خلال ملتقى “من الكتاب إلى الشاشة”، الذي يشارك فيه عدد من دور النشر الكبرى، بهدف إعادة بناء الجسر بين الرواية وصناعة السينما والتلفزيون. ويعيد هذا المشروع طرح تجربة تاريخية ارتبطت بالسينما المصرية، حين شكلت الرواية والأعمال الأدبية مصدراً رئيسياً للعديد من الأفلام، ويأتي إطلاق المبادرة في وقت تبحث فيه الصناعة عن مصادر جديدة للقصص والشخصيات، وتحتاج فيه شركات الإنتاج إلى ملكيات فكرية قابلة للتحويل إلى أعمال سينمائية وتلفزيونية.
ووسّعت السينما العربية كذلك حدود التعاون مع قطاعات الترفيه الأخرى، كما ظهر في الشراكة الاستراتيجية بين نادي الاتحاد السعودي وشركة “تلفاز 11” لتطوير وإنتاج الأفلام والمسلسلات والمحتوى المرئي. وتكشف هذه الخطوة عن اتجاه جديد ينظر إلى السينما باعتبارها جزءاً من منظومة ترفيهية أوسع، تستطيع الرياضة من خلالها أن تتحول إلى مصدر للحكايات والشخصيات والجمهور، فيما تستفيد صناعة المحتوى من الشعبية الكبيرة للأندية الرياضية.
وتستعد اللقاءات السينمائية ببجاية في الجزائر، في دورتها الحادية والعشرين، لاستقبال أفلام من دول متعددة، مع تركيز على السينما المستقلة وقضايا الهجرة والهوية والذاكرة والسينما الجامعية. وتؤكد هذه التظاهرة استمرار أهمية الفضاء المغاربي في احتضان التجارب المستقلة، خصوصاً تلك التي لا تجد دائماً طريقها إلى السوق التجارية، كما تبرز الحاجة إلى مهرجانات قادرة على خلق فضاء للحوار بين السينمات العربية والأفريقية والمتوسطية.
وتكشف مجمل هذه التحولات عن سينما عربية تقف عند نقطة فاصلة بين نموذج قديم يقوم على مراكز إنتاج محددة وقاعات عرض تقليدية، ونموذج جديد تتوزع فيه القوة بين الأسواق الخليجية، والمهرجانات الدولية، والمنصات الرقمية، وصناديق التمويل، والشراكات العابرة للحدود. وتبدو السينما الفلسطينية في هذا المشهد قادرة على تحويل المأساة الإنسانية إلى خطاب فني يحظى بالاهتمام الدولي، بينما تتحرك السعودية ودول الخليج لبناء منظومة إنتاجية واسعة، وتواصل مصر البحث عن توسيع حضورها التجاري العربي، وتحاول المهرجانات والمؤسسات الثقافية خلق جسور جديدة بين السينما والأدب والرياضة والتكنولوجيا.
وتفرض هذه التحولات سؤالاً جوهرياً حول مستقبل السينما العربية: هل يؤدي تدفق الاستثمارات الجديدة وتوسع الأسواق والمنصات إلى بناء صناعة عربية أكثر استقلالاً وتنوعاً، أم أن الصناعة ستظل مرتبطة بدرجة كبيرة بمصادر التمويل والأسواق الأكثر قدرة على الإنفاق؟ ويبدو أن الإجابة ستتوقف أيضاً على قدرة السينمائيين والمؤسسات العربية على حماية التنوع الثقافي، وتطوير البنية التحتية، وتنظيم العلاقة مع المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وضمان استمرار حضور الأفلام المستقلة إلى جانب الإنتاجات التجارية الكبرى. ومن هنا تبدو منتصف سبتمبر 2026 لحظة كاشفة عن تحول أعمق.
#عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #صحيفة_الناقد_الجديد #تقرير_منتصف_سبتمبر_2026 #السينما_العربية #السينما_الفلسطينية #السينما_المصرية #السينما_الخليجية #السينما_المغربية #التمويل_السينمائي #صناعة_السينما #المهرجانات_السينمائية #التحول_الرقمي #الذكاء_الاصطناعي #المنصات_الرقمية #النقد_السينمائي #النقد_الفني #مستقبل_السينما #المغرب #فلسطين #السعودية #السينما_العربية_المعاصرة











Leave a Reply