ماذا لو أصبحت أنشطة الدورة العشرين أكثر نسائية؟
عبدالرحيم الشافعي – الناقد الجديد
ماذا لو تحولت الدورة العشرون للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، المرتقبة بعد سنة، إلى فرصة للتفكير في حضور المرأة داخل مختلف الأنشطة والفعاليات التي ترافق عروض الأفلام؟ وماذا لو اتسعت مساحة النساء في تقديم الندوات وإدارة النقاشات وتقديم الأفلام وتنشيط اللقاءات والكتابة الصحافية والتكريم والتكوين، حتى يصبح حضور المرأة ممتدا من الشاشة إلى مختلف الفضاءات التي تحتضن الفعل السينمائي والثقافي؟ يفتح هذا السؤال إمكانية التفكير في “تأنيث جل انشطة المهرجان” باعتباره رؤية مستقبلية قابلة للنقاش، تنطلق من هوية المهرجان نفسه ومن موقع المرأة داخل برامجه، وتبحث عن سبل تجعل الأنشطة الموازية أكثر انسجاما مع خصوصية تظاهرة اختارت منذ انطلاقها السينما النسائية وقضايا المرأة مجالا مركزيا لاشتغالها.
ماذا لو قادت النساء الندوات والنقاشات؟
يمكن أن تشكل الندوات واللقاءات الفكرية والنقاشات السينمائية إحدى أهم المساحات التي يمكن أن يتسع فيها حضور النساء خلال الدورة العشرين. فقد يكون من المفيد التفكير في إسناد تنشيط عدد من هذه اللقاءات إلى ناقدات سينمائيات وممثلات وصحافيات ثقافيات ومنشطات يمتلكن تجربة في السينما والتلفزيون والمجال الثقافي، حتى تصبح المرأة حاضرة في موقع إدارة الحوار وصياغة الأسئلة وتوجيه النقاش. ويكتسب هذا الاختيار أهميته من طبيعة الندوة نفسها، لأن المنشطة لا تكتفي بتقديم الضيوف، وإنما تصنع إيقاع اللقاء، وتفتح مسارات الحوار، وتمنح المتدخلين مساحات للتعبير، وتساعد الجمهور على الانتقال من مشاهدة الفيلم إلى التفكير في قضاياه وجمالياته وخلفياته.
يمكن أن يستمر حضور النقاد والصحافيين الرجال داخل هذه اللقاءات باعتبارهم جزءا من المشهد النقدي والإعلامي، مع منح النساء مساحة أكبر في التنشيط والتنسيق وقيادة الحوار. وتمنح هذه الصيغة المهرجان فرصة لإبراز كفاءات نسائية قادرة على الاشتغال أمام الجمهور والكاميرات والضيوف الدوليين، كما تتيح للمتلقي أن يرى امتدادا طبيعيا بين حضور المرأة داخل الفيلم وحضورها في النقاش الذي يأتي بعده. وقد يصبح هذا الجانب من أكثر الصور تعبيرا عن خصوصية المهرجان، لأن الندوة تتحول عندها إلى مساحة ثانية تواصل فيها المرأة حضورها بعد انتهاء العرض.
كيف يمكن تجاوز نقص الناقدات؟
يفرض هذا المقترح سؤالا صعبا يتعلق بعدد النساء المتخصصات في النقد السينمائي وإدارة الندوات، خصوصا أن المشهد النقدي المغربي يحتاج إلى تراكم أكبر في الكتابة النسائية المتخصصة. وتزداد المسألة تعقيدا حين يتعلق الأمر بالكتب والدراسات النقدية التي تحمل أسماء ناقدات، أو بالسير الذاتية المكتوبة لصانعات الأفلام المغربيات والعربيات، لأن توثيق التجارب النسائية في السينما ما يزال يحتاج إلى اهتمام أوسع من جانب الباحثات والناقدات والمؤسسات الثقافية. ويجعل هذا النقص التفكير في توسيع حضور النساء داخل انشطة المهرجان مرتبطا بسؤال أعمق: كيف يمكن صناعة الكفاءة قبل إسناد المهمة؟
يمكن لجمعيات نقاد السينما المغربية أن تضطلع بدور أساسي في هذا الجانب، عبر التفكير في تنظيم برامج تكوين متخصصة لفائدة شابات يرغبن في دخول مجال النقد السينمائي وتنشيط الندوات والحوار مع الجمهور. ويمكن أن تجمع هذه البرامج بين قراءة الفيلم وتحليله، وكتابة النص النقدي، وإعداد الأسئلة، وإدارة النقاش، والتعامل مع الضيوف، والحديث أمام الجمهور، فضلا عن التدريب على تقديم الأفلام وصياغة المواد الصحافية المرتبطة بها. وقد تحتاج هذه المبادرة إلى تمويل واضح يشمل القاعات والمدربين والمنح الموجهة إلى المشاركات والمواكبة بعد انتهاء التكوين، لأن صناعة جيل جديد من الناقدات والمنشطات تحتاج إلى استمرارية تتجاوز دورة واحدة.
ماذا لو تحولت الدورة العشرون إلى ورشة لصناعة الكفاءات؟
يمكن أن تتجاوز برامج التكوين الجانب النظري نحو تجربة تطبيقية داخل أنشطة المهرجان، بحيث تحصل المشاركات على فرصة فعلية لتقديم فيلم أو إدارة نقاش أو محاورة ضيفة أو كتابة مادة نقدية. ويمنح هذا التوجه الشابات فرصة الاحتكاك المباشر بالجمهور والسينمائيين، ويتيح لهن اكتساب الثقة والخبرة تحت إشراف نقاد ومهنيين متخصصين. لتتحول الدورة العشرون، في هذا التصور، إلى بداية لمسار طويل ينتج أسماء نسائية جديدة قادرة على مواكبة المهرجانات والملتقيات السينمائية وخلق تراكم نقدي وإعلامي حول السينما.
يمكن كذلك التفكير في مواصلة هذا التكوين بعد انتهاء الدورة، حتى تتحول المبادرة إلى مشروع مستمر، تستفيد منه المشاركات في دورات لاحقة وتتاح لدفعات جديدة فرصة الانضمام إليه. ويمنح هذا المسار المهرجان إمكانية بناء رصيد بشري نسائي مرتبط بالنقد والتنشيط الثقافي، عوض الاعتماد في كل دورة على الأسماء نفسها.
ماذا لو أصبحت التكريمات بوابة نحو السينما العالمية؟
يمكن أن تتخذ التكريمات خلال الدورة العشرين بعدا أكثر تخصصا، عبر التفكير في اختيار نساء حققن نجاحات لافتة داخل السينما العالمية، خصوصا اللواتي استطعن خلال السنوات الأخيرة تسجيل حضور قوي في مهرجان كان ومهرجانات دولية أخرى. ويمكن أن تضم هذه الأسماء مخرجات وممثلات وكاتبات ومنتجات استطعن فرض تجاربهن الفنية والوصول إلى المنافسات الدولية. ويمنح استحضار هذه التجارب للتكريم قيمة تتجاوز الاحتفاء الشخصي، لأنه يربط الجمهور المغربي بمسارات نسائية استطاعت الوصول إلى منصات سينمائية كبرى.
يمكن أن يتحول التكريم أيضا إلى لقاء مفتوح أو ماستر كلاس أو حوار مع الجمهور والسينمائيات الشابات، حتى تتحول الضيفة المكرمة إلى مصدر للتجربة والمعرفة. وقد يتيح ذلك لصانعات الأفلام المغربيات التعرف على طرق العمل والتحديات المهنية ومسارات الوصول إلى المهرجانات الدولية، كما يفتح أمامهن أفقا أوسع للتفكير في مستقبل مشاريعهن.
كيف يمكن توسيع الخريطة الجغرافية للنساء السينمائيات؟
يمكن التفكير في تنويع الدول المشاركة من دورة إلى أخرى، عبر الانفتاح على دول لم تشارك من قبل بكل بساط. ويكتسب هذا التنويع قيمته حين يرتبط باستقطاب المخرجات الشابات وكاتبات السيناريو والمنتجات الجديدات، لأن الهدف يمكن أن يتجاوز حضور فيلم أو ضيفة نحو بناء فضاء للتعارف والتواصل بين جيل جديد من النساء العاملات في السينما.
يمكن أن تتخذ المشاركة الدولية طابعا متجددا، فتكون دولة معينة حاضرة في دورة، وتأتي دولة أخرى في الدورة التالية، مع المحافظة على تنوع التجارب والأساليب السينمائية. وتتيح هذه الصيغة للمهرجان توسيع شبكة علاقاته مع السينمائيات الشابات، كما تمنح الجمهور فرصة اكتشاف تجارب تنتمي إلى ثقافات مختلفة، وتتيح للمشاركات إمكانية تبادل الأفكار حول الإنتاج والكتابة والإخراج والتوزيع.
ماذا لو اجتمعت الكاتبة والباحثة والمحكّمة في تجربة واحدة؟
يمكن استقطاب مؤلفات الكتب والدراسات السينمائية النسائية للمشاركة في الدورة العشرين، مع منحهن أدوارا متعددة داخل البرنامج. فقد تكون الكاتبة حاضرة ضمن لجنة تحكيم، ثم تقدم ماستر كلاس حول تجربتها، ثم تشارك في ندوة حول أحد كتبها أو أبحاثها. وتختصر هذه الصيغة الكثير من الجهد اللوجستي، كما تمنح الضيفة مساحة أكبر للتفاعل مع المهرجان والجمهور والمهنيين.
يمكن لهذا الحضور المتعدد أن يمنح الأنشطة قيمة معرفية إضافية، لأن المؤلفة لا تأتي فقط للحديث عن كتابها، وإنما تدخل في حوار مع الأفلام والمخرجين والمشاركين. وقد تصبح الكتب والدراسات السينمائية مدخلا لمناقشة قضايا أوسع تتعلق بتاريخ السينما النسائية وتمثيلات المرأة ومسارات المخرجات والكاتبات والمنتجات.
ماذا لو قدمت النساء الأفلام بكل أنواعها؟
التفكير في إسناد تقديم الأفلام الوثائقية والروائية الطويلة والقصيرة والتجارب الناشئة وعروض الهواء الطلق إلى منشطات متخصصات في السينما والثقافة. وتبدأ مهمة المنشطة من تقديم الفيلم والتعريف بمخرجته أو فريقه، ثم تمتد إلى فتح النقاش بعد العرض واستقبال الضيوف وإدارة الحوار مع الجمهور. وتمنح هذه المهمة المرأة موقعا مركزيا في اللحظة التي ينتقل فيها الجمهور من المشاهدة إلى التفاعل.
ويمكن أن يشمل هذا التصور مختلف أقسام البرنامج، حتى تصبح المنشطة النسائية حاضرة في العروض الرسمية والموازية والعروض المفتوحة، مع مراعاة التخصص والخبرة في اختيار الأسماء. ويمنح ذلك أيضا فرصة أمام الشابات اللواتي تلقين تكوينا في النقد أو التنشيط لتطبيق مهاراتهن داخل فضاء مهني حقيقي، عوض بقاء التكوين منفصلا عن الممارسة.
ماذا لو كانت الصحافة الثقافية للمهرجان أكثر شبابا ونسائية؟
التفكير في تشكيل فريق شاب من الصحافيات المتخصصات في الثقافة والفن والسينما لمواكبة الدورة العشرين، مع منحهن مساحة لإعداد الحوارات والتقارير والقراءات النقدية ومتابعة الندوات والعروض والأنشطة الموازية. إذ يمنح هذا التصور المهرجان فرصة لتكوين جيل جديد من الصحافيات الثقافيات اللواتي يجدن في التظاهرة فضاء للتعلم والممارسة والاحتكاك بالمخرجين والنقاد والمنتجين والباحثين.
كما يمكن أن تتحول هذه التجربة إلى ورشة صحافية حقيقية، تستفيد من الصحافيات ذوات الخبرة في تأطير الشابات، وتتيح لهن تعلم تقنيات الحوار والكتابة النقدية وإعداد التقارير والمواكبة اليومية للمهرجانات. ويمكن أن تتواصل هذه التجربة بعد انتهاء الدورة عبر نشر المواد التي أنجزنها في منابر ثقافية وإعلامية، حتى يصبح المهرجان محطة في مسارهن المهني.
ماذا لو حضرت النساء أيضا في التنظيم والأمن؟
يمكن التفكير في حضور نسائي أوسع ضمن بعض مهام الاستقبال والتنظيم والمواكبة والأمن، وفق طبيعة كل مهمة والإمكانات المتوفرة. ويمنح هذا الاختيار بعدا رمزيا خاصا، لأن المرأة تصبح حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية لفضاء المهرجان، من استقبال الجمهور والضيوف إلى تنظيم الولوج ومواكبة الأنشطة. ويمكن اعتماد فرق نسائية أو مختلطة بحسب طبيعة العمل والحاجة المهنية، مع الحفاظ على شروط الكفاءة والتكوين والسلامة.
يمكن أن يحمل الحضور النسائي في مجال الأمن والتنظيم دلالة إضافية، خصوصا أن بعض هذه المجالات ارتبطت لفترات طويلة بصورة مهنية يغلب عليها الحضور الذكوري. وقد يكون إشراك النساء فيها جزءا من رؤية أوسع لتوسيع مشاركتهن في مختلف الوظائف المرتبطة بالأنشطة الثقافية، مع مراعاة التخصص والتكوين والظروف العملية.
ماذا لو أصبحت الدورة العشرون مختبرا لتجربة جديدة؟
يمكن أن تتحول هذه الأفكار مجتمعة إلى مشروع تدريجي خلال الدورة العشرين، يبدأ بعدد من الندوات التي تديرها ناقدات، وعروض تقدمها منشطات متخصصات، وفريق صحافي نسائي شاب، وتكريمات موجهة إلى سينمائيات بارزات، وبرامج تكوين لفائدة شابات مهتمات بالنقد والتنشيط، واستضافة كاتبات وباحثات في السينما، إلى جانب توسيع حضور النساء في بعض مهام التنظيم والاستقبال. ويمنح هذا التنوع الفكرة معنى أوسع، لأنها تنتقل من موقع واحد داخل المهرجان إلى مجموعة من الأنشطة التي تصنع يومه الثقافي وتحدد علاقته بالجمهور.
يمكن لهذا المشروع أن يتطور بالتدرج من دورة إلى أخرى، وفق النتائج التي تحققها التجربة والإمكانات التي تتوفر عليها، حتى يصبح حضور النساء داخل الأنشطة جزءا من تقليد ثقافي يتراكم مع الوقت. وتظل الكفاءة والتخصص والخبرة عناصر أساسية في كل اختيار، لأن الهدف يتمثل في خلق حضور نسائي مهني وقادر على الاستمرار.
إكراهات المهرجان: المستشهرون والمستثمرون وتوسيع قاعدة الشراكات الدولية
تبقى الإكراهات الأعمق أمام هذه الرؤية التأنيثية مرتبطة بضعف حضور المستثمرين والمعلنين وغياب شراكات دولية قوية يمكن أن تمنح المهرجان هامشاً أوسع للحركة. فالمهرجان، رغم قيمته الرمزية والثقافية، ما زال يحتاج إلى دعم مالي أكثر استقراراً، وإلى رعاة ينظرون إلى السينما النسائية كجزء من الاستثمار الثقافي، وليس كمبادرة موسمية تنتهي بانتهاء أيام المهرجان. كما أن محدودية الشراكات الدولية تضيق فرص استقطاب أفلام وتجارب وكفاءات نسائية من بلدان مختلفة.
وهناك جهات دولية يمكن طرق أبوابها، وفي مقدمتها صندوق السينما العالمية التابع لمهرجان برلين، وصندوق هوبرت بالس التابع لمهرجان روتردام، إلى جانب منظمة “النساء يصنعن الأفلام” ومنظمة “النساء في السينما”، ومعهد صاندانس عبر برنامجه المخصص للنساء، فضلاً عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ومعهد جينا ديفيس حول الجندر في الإعلام، والصندوق العالمي للمرأة. إلى جانب شبكات المهرجانات النسائية الدولية والمبادرات التي تدعم صانعات الأفلام في مختلف أنحاء العالم.
وتحتاج مثل هذه الرؤية إلى شراكات حقيقية حتى تجد طريقها إلى التطبيق، خصوصاً أن كثيراً من الأفكار المرتبطة بتوسيع حضور النساء في النقد والتكوين والندوات والصحافة والبرامج الثقافية تحتاج إلى تمويل واستمرارية. إذ يشكل الانفتاح على هذه المؤسسات والصناديق فرصة أمام المهرجان لتوسيع علاقاته، واستقطاب تجارب جديدة، ومنح الدورة العشرين، في حال تبني هذه الرؤية، بعداً دولياً يتجاوز حدود المشاركة في الأفلام إلى بناء علاقات مهنية وثقافية مستمرة.
#رؤية_محايدة_للدورة_العشرين #المهرجان_الدولي_لفيلم_المرأة_بسلا #مهرجان_سلا #الدورة_20 #الدورة_العشرون #سينما_المرأة #السينما_النسائية #المرأة_في_السينما #النساء_في_السينما #السينما_المغربية #السينما_العربية #المخرجات_المغربيات #الناقدات_السينمائيات #الصحافيات_الثقافيات #صانعات_الأفلام #النقد_السينمائي #النقد_النسائي #الكتابة_النسائية #الصحافة_الثقافية #الصحافة_السينمائية #الندوات_السينمائية #النقاشات_السينمائية #تقديم_الأفلام #التكوين_السينمائي #تكوين_الناقدات #صناعة_الكفاءات #تمكين_المرأة #المرأة_والثقافة #المرأة_والإبداع #المرأة_والنقد #المرأة_والصحافة #المرأة_والإعلام #التكريمات_السينمائية #المهرجانات_السينمائية #السينما_العالمية #السينمائيات_العربيات #السينمائيات_المغربيات #المخرجات_العربيات #كاتبات_السينما #باحثات_في_السينما #لجان_التحكيم #التنشيط_الثقافي #الإعلام_الثقافي #الاستثمار_الثقافي #تمويل_السينما #دعم_السينما #الشراكات_الدولية #المستثمرون_والسينما #المستشهرون #السينما_والاستثمار #صندوق_السينما #مهرجان_برلين #مهرجان_روتردام #صاندانس #الأمم_المتحدة_للمرأة #المرأة_والسينما_العالمية #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي #صحيفة_الناقد_الجديد











Leave a Reply