الناقد الجديد–عبدالرحيم الشافعي
يستقبل مهرجان سان سيباستيان السينمائي الدولي دورته الرابعة والسبعين بين 18 و26 سبتمبر 2026، ببرنامج يضم 263 عملًا من 47 دولة، وحضور أسماء بارزة من السينما العالمية. ويحتفظ المهرجان بمكانته بين التظاهرات السينمائية الكبرى، مستفيدًا من تاريخ بدأ عام 1953، ومن هوية تجمع السينما الإسبانية والباسكية واللاتينية بالأعمال الدولية. ويمنح موقعه في دونوستيا-سان سيباستيان، على شاطئ لا كونشا، الدورة الحالية صورتها الاحتفالية المعتادة، لكن إدارة المهرجان تدفع بالحدث أيضًا نحو قضايا الحرب وحقوق الإنسان ودور الثقافة في زمن الأزمات.
ويبرز هذا التوجه مع استمرار الحرب على غزة وحضورها في النقاش السينمائي الأوروبي، إذ يسعى سان سيباستيان إلى تأكيد دور السينما في التعبير عن الواقع ومساءلته، من دون التخلي عن وظيفته كمهرجان فني يستقطب الجمهور وصناع الأفلام والنقاد.
تنوع البرنامج واختبار قيمة الاختيارات
يقدم المهرجان برنامجه عبر المسابقة الرسمية وأقسام بيرلاك وزابالتغي-تاباكاليرا والمخرجين الجدد وزينميرا، إلى جانب أفلام تحظى باهتمام دولي وأعمال تنتمي إلى السينما الباسكية والإسبانية. ويتيح هذا التنوع حضور تجارب وأساليب سينمائية مختلفة، مع مساحة لأصوات لا تنتمي بالضرورة إلى دائرة الإنتاج التجاري السائد. لكن صعود حضور النجوم والأفلام ذات الجاذبية الجماهيرية يفرض تحديًا دائمًا يتعلق بالحفاظ على الأفلام والبرمجة في مركز الاهتمام.
ويقدم البرنامج الحالي أمثلة على هذا التوازن، من فيلم “أغنية الشبح” للمخرج التركي-الألماني فاتح أكين في الافتتاح، إلى “لو فو سوار” للبلجيكي ميشيل روسكام في الختام. ويكرم المهرجان فيرنر هيرتسوغ وناعومي واتس بجائزة “دونوستيا”، ويستضيف براد بيت وبينيلوبي كروز وماريون كوتيار وأورلاندو بلوم ورامي مالك وجيريمي أيرونز وريـكاردو دارين، بما يعزز حضوره الإعلامي، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا حول العلاقة بين قيمة الاسم وقيمة الفيلم.
ريبوردينوس يغادر بعد 15 عامًا
يختتم خوسيه لويس ريبوردينوس هذا العام 15 عامًا من إدارة مهرجان سان سيباستيان، وهي مرحلة ارتبطت بتوسيع حضور القضايا الاجتماعية والسياسية داخل البرمجة والمواقف العامة للمهرجان. دفع ريبوردينوس نحو منح السينما مساحة أكبر لمناقشة قضايا الإنسان والحرب والذاكرة، وربط نشاط المهرجان بالنقاشات الدائرة خارج قاعات العرض. ومع مغادرته، يدخل المهرجان مرحلة انتقالية تتولى خلالها مايالين بيلوكي، إحدى نائباته الحاليات، الإدارة اعتبارًا من العام المقبل.
ويطرح الانتقال سؤالًا حول مستقبل هذا النهج، ومدى استمرار العلاقة بين البرنامج السينمائي والمواقف العامة للمؤسسة، مع الحفاظ على مكانة المهرجان الدولية وهويته الفنية.
غزة تعود إلى واجهة المهرجان
يواصل مهرجان سان سيباستيان موقفه من الحرب على غزة، بعد رسالة أصدرتها إدارته خلال دورة 2025 وأدانت فيها “الإبادة والمجازر التي لا يمكن تصورها” بحق الفلسطينيين، وطالبت بوقف فوري لإطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن وضمان وصول المساعدات. وشهدت الدورة السابقة عرض فيلم «صوت هند رجبّ”، بالتزامن مع تحركات وتظاهرات في المدينة شارك فيها وزير الثقافة الإسباني وأسماء سينمائية، من بينها بيدرو ألمودوبار وخافيير بارديم.
وخلال الدورة الحالية، يجدد المهرجان الدعوة إلى إنهاء “الإبادات”، مع إشارة خاصة إلى غزة، ويعلن تضامنه مع صانعي فيلم “نازا ” في ظل التهديدات التي يتعرضان لها، وفق موقف إدارة المهرجان. ويضع هذا الموقف المؤسسة الثقافية في قلب نقاش سياسي وإنساني شديد الحساسية، ويعيد طرح السؤال حول حدود الدور الذي يمكن أن تؤديه المهرجانات في زمن الحروب. ويؤكد ريبوردينوس أن امتلاك المهرجان منصة دولية يفرض الحديث عن حقوق الإنسان، معتبرًا أن الصمت أمام قتل المدنيين يتعارض مع الدور الذي يمكن أن تؤديه الثقافة.
” نازا” يضع السينما والحرب تحت المجهر
يحتل فيلم “نازا” مساحة بارزة في هذا النقاش، في ظل ارتباطه بالحرب والتحقيقات التي تناولت الأحداث من زوايا صحفية ووثائقية، من بينها تحقيقات نشرتها “+972” و “لوكال كول” و “الغارديان”. ويفتح حضور الفيلم داخل المهرجان نقاشًا حول وظيفة الفيلم الوثائقي في توثيق الأحداث ونقل شهادات المتضررين، خصوصًا عندما تتقاطع الصورة السينمائية مع النقاش السياسي والإعلامي.
ويحتاج هذا النوع من الأعمال إلى قراءة تتعامل معه بوصفه عملًا فنيًا ووثيقة تحمل وجهة نظر، مع الانتباه إلى السياق الذي أنتج فيه والأسئلة التي يطرحها. ومن هنا تكتسب مشاركة «نازا» أهمية إضافية، باعتباره فيلمًا يدخل مباشرة في النقاش حول حدود السينما عندما تقترب من حرب مستمرة.
النجوم والسجادة الحمراء: قوة إعلامية واختبار للمهرجان
يستضيف المهرجان مجموعة كبيرة من النجوم، بينهم براد بيت وبينيلوبي كروز وماريون كوتيار وأورلاندو بلوم ورامي مالك وجيريمي أيرونز، إلى جانب ريكاردو دارين الذي يظهر على الملصق الرسمي للدورة. ويمنح هذا الحضور المهرجان قوة إعلامية وجماهيرية كبيرة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا حول العلاقة بين الصورة الاحتفالية والوظيفة الثقافية للمهرجان، خصوصًا مع تزامن السجادة الحمراء مع نقاشات حول الحرب وحقوق الإنسان.
يمكن للنجوم أن يدعموا الأفلام ويجذبوا الجمهور إليها، لكن التحدي يبقى في أن يستمر الاهتمام بالمحتوى السينمائي بعد انتهاء لحظة التصوير على السجادة الحمراء. فالمهرجان يجمع بين صناعة السينما بصورتها الجماهيرية والثقافة بوصفها مساحة للنقاش، وتبقى قيمة هذه المعادلة مرتبطة بموقع الأفلام والبرمجة في قلب الحدث.
مرحلة جديدة بأسئلة متجددة
يصل مهرجان سان سيباستيان إلى دورته الرابعة والسبعين حاملًا تاريخًا طويلًا وبرنامجًا دوليًا واسعًا وانخراطًا متزايدًا في القضايا التي يرى أنها تقع ضمن مسؤولية المؤسسات الثقافية. ومع مغادرة ريبوردينوس الإدارة بعد 15 عامًا، واستعداد مايالين بيلوكي لتولي المهمة في العام المقبل، يدخل المهرجان مرحلة جديدة ستختبر قدرته على الحفاظ على هويته السينمائية، وعلى التوازن بين الفن والمواقف العامة.
ويمنحه موقفه من غزة وأفلام مثل “نازا” مساحة لطرح أسئلة حول دور السينما في زمن الحرب، فيما يوفر برنامجه المتنوع مجالًا للحفاظ على وظيفته الفنية. في النهاية، يبقى التحدي أمام سان سيباستيان هو تحويل منصته الدولية إلى مساحة للنقاش السينمائي والفكري، من دون أن تطغى النجومية أو المواقف السياسية على الأفلام وتعدد أصواتها. فالسجادة الحمراء يمكن أن تكون مدخلًا إلى السينما، لكن قيمتها الحقيقية تظل في ألا تتحول إلى بديل عنها.
#مهرجان_سان_سيباستيان #مهرجان_سان_سيباستيان_2026 #الدورة_74 #سان_سيباستيان_السينمائي #مهرجانات_السينما #المهرجانات_السينمائية #السينما_العالمية #السينما_الإسبانية #السينما_الباسكية #السينما_اللاتينية #أفلام_2026 #المسابقة_الرسمية #خوسيه_لويس_ريبوردينوس #مايالين_بيلوكي #غزة #السينما_والحرب #السينما_وحقوق_الإنسان #حقوق_الإنسان #فلسطين #السينما_الفلسطينية #نازا #صوت_هند_رجب #الحرب_على_غزة #السينما_والسياسة #الأفلام_الوثائقية #النقد_السينمائي #نقد_الأفلام #فاتح_أكين #ميشيل_روسكام #فيرنر_هيرتزوغ #ناعومي_واتس #براد_بيت #بينيلوبي_كروز #ماريون_كوتيار #أورلاندو_بلوم #رامي_مالك #جيريمي_أيرونز #ريكاردو_دارين #دونوستيا #دونوستيا_سان_سيباستيان #السجادة_الحمراء #الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي











Leave a Reply