مسار إبداعي تتقاطع فيه ذاكرة المكان و الهجرة
عبدالرحيم الشافعي – الناقد الجديد
تخوض المخرجة المغربية ليلى التريكي مساراً سينمائياً هادئاً وعميقاً، بدأ منذ مطلع الألفية الثالثة واستمر عبر الفيلم القصير والتلفزيون والفيلم الروائي الطويل. اختارت التريكي منذ البداية الاشتغال على الشخصيات والذاكرة والأسئلة المرتبطة بالانتماء، وراكمت أعمالاً تنطلق من البيئة المغربية قبل أن تمتد إلى فضاءات أخرى تحمل معها أسئلة الهجرة والاغتراب والهوية المركبة. وتحمل أفلامها حساسية خاصة تجاه التفاصيل الصغيرة والصمت والعلاقات الإنسانية، وتمنح الشخصيات مساحة للتعبير عن جراحها وذكرياتها من خلال الصورة والإيقاع أكثر من الخطاب المباشر.
يفتتح الفيلم القصير “رباط” خلال 2000 و2001 تجربة التريكي السينمائية، ويضعها أمام تفاصيل الحياة اليومية في المغرب من خلال لغة بصرية مقتصدة ومشحونة بالإيحاء. اشتغلت المخرجة في هذا العمل على التوتر الداخلي للشخصيات وعلى قوة التفاصيل، فحصل الفيلم على جائزة “Cinit Ciemme” في ميلانو، وشارك في مهرجانات أوبرهاوزن وأوسلو والبندقية. وأعطت هذه المشاركات المبكرة دفعة لمسارها خارج المغرب، ووضعت تجربتها الأولى أمام جمهور مهرجاني دولي.
ينتقل “دم الحبر” خلال 2004 و2005 إلى علاقة أكثر تعقيداً بين الجسد والكتابة والألم والذاكرة. اعتمدت التريكي على الصورة والنص وعلى إيقاع هادئ يترك مساحة للتأمل، فبدت التفاصيل الصغيرة جزءاً أساسياً من بناء المعنى. عُرض الفيلم ضمن قسم “سينمات العالم” في مهرجان كان، وحصل على جائزة النقاد في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، كما شارك في مهرجان البندقية. ورسخ هذا العمل اهتمام المخرجة بالصمت والإيقاع البطيء وبالحالات الداخلية التي تحتاج إلى وقت كي تصل إلى المتفرج.
يواصل “تجري المياه” سنة 2006 هذا الخط التأملي، ويتعامل مع الزمن والذاكرة والتحولات الداخلية من خلال لغة قريبة من السينما الشعرية. ابتعدت التريكي عن الدراما الصاخبة، وركزت على الأجواء وعلى الإحساس الداخلي للشخصيات. ووصل الفيلم إلى مهرجان كان، ليضيف محطة جديدة إلى حضورها في المهرجانات الدولية، ويؤكد استمرار بحثها عن لغة بصرية تقوم على الإيحاء والهدوء.




يمنح مسلسل “الغريب” خلال 2011 و2012 تجربة التريكي التلفزيونية امتداداً مختلفاً، فقد خاضت عبره أول دراما فانتازية مغربية بهذا الحجم، في نحو 34 حلقة، بمشاركة ورشة كتابة ضمت هشام العسري. بنت المخرجة عالماً يمزج الواقع بالأسطورة، وطرحت داخله أسئلة الغربة والانتماء والسلطة. وحصل المسلسل على جائزة ثاني أفضل مسلسل عربي في مهرجان التلفزيون العربي بتونس، ليؤكد قدرتها على الاشتغال في الشكل الطويل مع الاحتفاظ بحساسيتها البصرية.
تواصلت تجربة التريكي التلفزيونية عبر أعمال عدة، من بينها “جبروت” سنة 2001، الذي يعود إلى التاريخ المغربي في القرن التاسع عشر، و”مطاردة” سنة 2004، وهو عمل بوليسي، و”ماريا نصار” سنة 2005، ثم “الراية البيضا” سنة 2013 و”طاكسي 2.0″ سنة 2019. تنقلت المخرجة بين التاريخ والبوليسي والدراما الاجتماعية، وحافظت خلال هذه التجارب على اهتمامها بالشخصيات المركبة والعلاقات المتوترة. وحرصت كذلك على جمالية الصورة، رغم اختلاف طبيعة الإنتاج التلفزيوني وشروطه.
تصل رحلة التريكي إلى مرحلة جديدة مع فيلمها الروائي الطويل الأول “وشم الريح” سنة 2024. تحكي القصة عن صوفيا، المصورة الفوتوغرافية التي تكتشف بعد خمسة وعشرين عاماً أن والدتها الفرنسية لا تزال حية، فتقرر البحث عنها في رحلة تمتد بين طنجة وبوردو. كتبت التريكي السيناريو إلى جانب كيث كوننغهام، واستندت القصة إلى تجارب حقيقية لمهاجرين مغاربة من سبعينيات القرن الماضي انقطعت صلتهم بأبنائهم.
تضع الرحلة صوفيا أمام أسئلة قديمة تتعلق بالأم والطفولة والذاكرة والانتماء. وتدفعها المسافة بين المغرب وفرنسا إلى مواجهة جزء من تاريخها الشخصي، فتتحول الرحلة الجغرافية إلى رحلة داخلية تبحث خلالها الشخصية عن إجابات ظلت مؤجلة لسنوات طويلة. ويجمع الفيلم بين الشاعرية والدقة السردية، مع حضور واضح لفكرة الجرح القديم الذي لا يختفي بسهولة.
ويحمل إنجاز “وشم الريح” قصة إنتاج طويلة، فقد استغرق تصويره سنوات وسط صعوبات فرضتها جائحة كورونا والإجراءات الإدارية المرتبطة بالعمل بين بلدين. وخرج الفيلم من هذه الظروف حاملاً تجربة شخصية وإنسانية تتقاطع مع قصص الهجرة وانقطاع الروابط العائلية.
يبدأ مسار “وشم الريح” الاحتفائي من المغرب، بعد حصول الفيلم على جائزة العمل الأول ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة الرابعة والعشرين للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة سنة 2024، في أول تتويج رسمي للفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة ليلى التريكي. ويفتح هذا التتويج الطريق أمام الفيلم نحو محطات دولية لاحقة، بعدما حصل في شتنبر 2025 على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الحادية والعشرين لمهرجان قازان السينمائي الدولي بروسيا، وهي الجائزة التي أهدتها المخرجة إلى المغرب.
ويواصل الفيلم رحلته في السنة نفسها عبر مهرجان الشاشات السوداء بياوندي في الكاميرون، في دورته التاسعة والعشرين، ليحصل على الجائزة الكبرى “الشاشة الذهبية” (Écran d’Or). ويضيف هذا التتويج محطة أفريقية إلى المسار الذي بدأ في طنجة، قبل أن تتوالى الجوائز خلال المرحلة اللاحقة.

ويحصل “وشم الريح” كذلك على جائزة نور الدين الصايل لأفضل فيلم عربي، ثم ينال جائزة بريندا بليثين لأفضل فيلم روائي طويل أول في مهرجان رامسغيت الدولي للأفلام والتلفزيون بإنجلترا خلال مارس 2026، لتصل حصيلة الجوائز الرسمية للفيلم، وفق المعطيات الواردة، إلى ستة تتويجات. وتُكرّم ليلى التريكي شخصياً في أبريل 2026 خلال الدورة الثانية عشرة لمهرجان رأس سبارطيل الدولي بطنجة، في محطة إضافية ارتبطت بالفيلم ومسار مخرجته.
ويرتبط هذا المسار المتدرج بالموضوعات التي يحملها “وشم الريح”، خصوصاً الهوية والانتماء والذاكرة والهجرة والعلاقات العائلية. وينتقل الفيلم من مهرجان إلى آخر حاملاً حكاية صوفيا ورحلتها بين طنجة وبوردو، وهي رحلة تبحث فيها الشخصية عن أم غابت عنها سنوات طويلة، وتواجه خلالها جزءاً من تاريخها الشخصي. ويمنح هذا الحضور المتعدد للفيلم داخل المهرجانات المغربية والدولية مساحة أوسع للتفاعل مع حكايته ورؤية مخرجته.
تربط سنوات تجربة التريكي بين أعمال تبدو مختلفة في الشكل والحجم، لكنها تلتقي في عدد من الهواجس الأساسية. بدأ المسار مع الفيلم القصير الذي منح التفاصيل اليومية أهمية خاصة، ثم انتقل إلى التلفزيون والفانتازيا والتاريخ والبوليسي، قبل الوصول إلى الفيلم الروائي الطويل الذي جمع الذاكرة والهجرة والبحث عن الأم داخل حكاية واحدة.
وتحافظ المخرجة خلال هذا المسار على علاقة خاصة بالصورة والإيقاع، وتترك للشخصيات وقتاً كافياً كي تعبر عن نفسها. ولا تبحث أعمالها عن الصخب، وإنما عن اللحظة الإنسانية التي تختبئ خلف الحدث، وعن أثر الماضي في الحاضر، وعن الأشياء التي تبقى في داخل الإنسان حتى بعد مرور سنوات طويلة.
وتواصل ليلى التريكي في أفلامها البحث عن الإنسان من خلال الذاكرة والمكان والعائلة والهجرة. وتحمل أعمالها الأولى بذور الأسئلة التي ستكبر لاحقاً في “وشم الريح”، خصوصاً سؤال الانتماء وعلاقة الفرد بجذوره وبالأشخاص الذين غابوا عن حياته.
وتمنح “وشم الريح” لهذا المسار شكلاً أكثر وضوحاً، فتتحول رحلة صوفيا بين طنجة وبوردو إلى رحلة نحو جزء مفقود من حياتها. وتبقى سينما التريكي وفية لهذا الهدوء الذي ميز تجربتها منذ البداية: سينما تصغي إلى الشخصيات، تقترب من ذاكرتها، وتترك للمشاهد فرصة اكتشاف أسئلته الخاصة حول الهوية والغياب والعودة.
#ليلى_التريكي #المخرجة_المغربية #السينما_المغربية #الإخراج_السينمائي #وشم_الريح #فيلم_وشم_الريح #السينما_المغربية_المعاصرة #النقد_السينمائي #نقد_الأفلام #رباط #دم_الحبر #تجري_المياه #الغريب #جبروت #مطاردة #ماريا_نصار #الراية_البيضاء #طاكسي_2_0 #السينما_والذاكرة #الذاكرة_والسينما #سينما_الهجرة #الهجرة_والسينما #الهوية_والسينما #الاغتراب #الانتماء #الهوية_المغربية #المغرب_وفرنسا #طنجة #بوردو #السينما_المغربية_والهجرة #السينما_والعائلة #العلاقات_العائلية #السينما_والمرأة #المخرجات_المغربيات #الفيلم_المغربي #الفيلم_الروائي_الطويل #المهرجان_الوطني_للفيلم #مهرجان_طنجة #مهرجان_قازان_السينمائي #مهرجان_الشاشات_السوداء #مهرجان_رامسغيت #نور_الدين_الصايل #صحيفة_الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي











Leave a Reply