عبدالرحيم الشافعي
تُثير السينما الإيرانية داخل مهرجان مهرجان كان السينمائي إشكالية ثقافية وسياسية معقدة جعلتها موضوعًا دائمًا للنقاش داخل الأوساط الفنية والإعلامية، إذ لم يعد حضور الأفلام الإيرانية في هذا الحدث العالمي يُقرأ باعتباره نجاحًا سينمائيًا فقط، وإنما أصبح يُفهم أحيانًا بوصفه موقفًا سياسيًا يحمل دلالات تتجاوز الجانب الفني. فكلما فاز فيلم إيراني ينتقد الواقع الاجتماعي أو يكشف مظاهر القمع والرقابة داخل إيران، ارتفعت الأصوات التي تتساءل حول طبيعة المعايير التي يعتمدها المهرجان في اختياراته: هل يتعلق الأمر فعلًا بالدفاع عن حرية التعبير والإبداع المستقل، أم أن الغرب أصبح يبحث عمدًا عن الأعمال التي تكرس صورة نمطية عن إيران باعتبارها دولة مغلقة تعاني من القمع السياسي والاجتماعي؟
ويطرح هذا الجدل تساؤلات أخرى أكثر حساسية تتعلق بالأفلام المدعومة من الدولة الإيرانية، إذ إن هذه الأعمال نادرًا ما تحظى بالاهتمام نفسه داخل المهرجانات الدولية رغم الإمكانيات التقنية والإنتاجية التي تمتلكها، الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد بأن المشكلة ترتبط أيضًا بطبيعة الخطاب الإيديولوجي والرقابي الذي يحد من حرية المخرجين ويجعل الأفلام أقرب إلى الخطاب الرسمي منها إلى التعبير الإنساني الحر.






وتبرز مسألة التمويل بوصفها عنصرًا أساسيًا في هذا النقاش، إذ تعتمد العديد من الأفلام الإيرانية المستقلة على شراكات أوروبية ودعم تقدمه مؤسسات ثقافية ومهرجانات غربية، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أكثر تعقيدًا: هل تحتضن أوروبا هذه الأعمال دفاعًا عن الفن المستقل فعلًا، أم لأنها ترى فيها وسيلة ثقافية وسياسية لتوجيه النقد نحو النظام الإيراني؟ وهكذا تتحول السينما الإيرانية من تجربة فنية إلى ساحة تتداخل فيها الجماليات مع السياسة، والإبداع مع المصالح الثقافية الدولية.
يُعتبر المخرج عباس كيارستمي أحد أبرز الأسماء التي ساهمت في ترسيخ صورة السينما الإيرانية عالميًا، خاصة بعد فوزه بالسعفة الذهبية عن فيلم “طعم الكرز” سنة 1997، وهو الفيلم الذي شكل نقطة تحول مهمة في نظرة العالم إلى السينما الإيرانية، كونه يعتمد في هذا العمل على أسلوب بسيط وتأملي يبتعد عن الدراما التقليدية، إذ يروي قصة رجل يبحث عن شخص يدفنه عقب انتحاره، غير أن الفيلم لا يقدم الحكاية بصورة مباشرة أو صادمة، وإنما يحولها إلى رحلة فلسفية تتأمل معنى الحياة والموت والعزلة الإنسانية. وقد تميز أسلوب كيارستمي باستخدام اللقطات الطويلة والصمت والمساحات المفتوحة، منح المشاهد فرصة للمشاركة في بناء المعنى عوض تلقيه بصورة جاهزة، وهذا جعل النقاد يعتبرونه من رواد ما يسمى بـ”سينما الناقص” التي تترك فراغات مقصودة داخل السرد السينمائي.
ويعتبر نجاح الفيلم عالميًا لم يكن مرتبطًا فقط بموضوعه الإنساني، وإنما أيضًا بقدرته على تجاوز القيود الرقابية عبر الرمزية والتلميح عوض المواجهة المباشرة، إذ يرى بعض النقاد أن الاحتفاء الغربي بكيارستمي لم يكن منفصلًا تمامًا عن الرغبة في تقديم صورة معينة عن إيران باعتبارها فضاءً للكآبة والاختناق الوجودي، خاصة أن المهرجانات الأوروبية تميل غالبًا إلى تفضيل السينما التأملية القادمة من الشرق الأوسط، ورغم هذه الانتقادات يبقى كيارستمي نموذجًا لمخرج استطاع أن يحول القيود المفروضة عليه إلى لغة سينمائية خاصة جعلته واحدًا من أهم مخرجي السينما العالمية الحديثة.
يُجسد المخرج جعفر بناهي نموذجًا مختلفًا داخل السينما الإيرانية، إذ انتقل تدريجيًا من تقديم أفلام اجتماعية بسيطة إلى صناعة أعمال أكثر جرأة ومباشرة في نقد الواقع السياسي الإيراني، وهو الأمر الذي جعله في صدام دائم مع السلطات الإيرانية، إذ بدأ بناهي مسيرته بفيلم “البالون الأبيض” سنة 1995، وهو عمل بسيط يتتبع رحلة طفلة تبحث عن نقودها لشراء سمكة ذهبية بمناسبة رأس السنة، غير أن خلف هذه الحكاية الطفولية تختبئ نظرة نقدية للمجتمع الإيراني تكشف الفوارق الاجتماعية واللامبالاة عبر تفاصيل الحياة اليومية. وقد تأثر بناهي في بداياته بأسلوب كيارستمي، خاصة في اعتماده على الواقعية والفضاءات الطبيعية والشخصيات العادية، غير أنه مع مرور الوقت أصبح أكثر ميلًا إلى المواجهة السياسية الصريحة.
ويتضح في فيلم “مجرد حادث” الفائز بالسعفة الذهبية سنة 2025، إذ يناقش الفيلم قضية الضحايا الذين يواجهون جلادًا سابقًا من النظام الإيراني، فيتحول العمل إلى تأمل قاسٍ في العدالة والانتقام والعنف السياسي، في حين يتميز بناهي بأسلوب يجمع بين الدراما النفسية والكوميديا السوداء والإيقاع السريع نسبيًا مقارنة بسينما كيارستمي الهادئة، بينما تجربة بناهي الشخصية مع السجن والمنع من السفر منحت أعماله بعدًا واقعيًا إضافيًا، إذ أصبح يُنظر إليه داخل الغرب باعتباره رمزًا للمخرج المقاوم للسلطة، وهو الأمر الذي ساهم في تعزيز حضوره داخل المهرجانات الدولية، غير أن هذا الاحتفاء نفسه يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الجوائز التي يحصل عليها ناتجة فقط عن قيمته الفنية، أم عن رمزيته السياسية بوصفه معارضًا للنظام الإيراني.
ويبرز المخرج أصغر فرهادي تجربة مختلفة داخل السينما الإيرانية، إذ يبتعد نسبيًا عن الخطاب السياسي المباشر ليركز على الدراما النفسية والاجتماعية التي تكشف التوترات الأخلاقية داخل المجتمع الإيراني، وهو الأمر الذي جعله يحظى بمكانة خاصة لدى النقاد والجمهور العالمي. تعتمد أفلام فرهادي على بناء حبكات معقدة تقوم على الشك والحقيقة والكذب والتناقضات الإنسانية، كما يتضح في فيلم “البائع” الذي يتناول قصة زوجين يتعرضان لاعتداء يغير علاقتهما بالكامل، أو في فيلم “البطل” الذي يروي قصة رجل يحاول استعادة سمعته عقب خروجه المؤقت من السجن بسبب دين مالي.
ويتميز أسلوب فرهادي بالتركيز على التفاصيل اليومية والحوار المكثف والتوتر النفسي التدريجي، إذ تتحول الأحداث البسيطة إلى صراعات أخلاقية تدفع المشاهد إلى إعادة التفكير في مفاهيم العدالة والذنب والحقيقة، وعلى خلاف بناهي لا يقدم فرهادي السلطة السياسية باعتبارها الخصم المباشر، وإنما يكشف كيف تنتج البنية الاجتماعية والثقافية أشكالًا معقدة من الضغط والقمع الأخلاقي، بينما نجاحه الدولي، خاصة عقب فوزه بجائزتي أوسكار، عزز صورة السينما الإيرانية باعتبارها سينما قادرة على الجمع بين القيمة الفنية والبعد الإنساني العالمي، في حين تعرض فرهادي أحيانًا لانتقادات تتهمه بتقديم صورة مبسطة أو مهادنة نسبيًا تجاه النظام الإيراني مقارنة ببناهي، إذ يرى بعض النقاد أن أفلامه تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين الداخل الإيراني والجمهور الغربي حتى لا تتحول إلى مواجهة سياسية مباشرة.
تُبرز المقارنة بين كيارستمي وبناهي وفرهادي مدى التنوع الكبير الذي تتميز به السينما الإيرانية، إذ يمثل كل واحد منهم اتجاهًا مختلفًا في التعامل مع الواقع الإيراني والقيود السياسية والاجتماعية المفروضة على الفنانين. فكيارستمي يعتمد على التأمل الفلسفي والرمزية الهادئة التي تجعل أفلامه أقرب إلى القصائد البصرية، بينما يتجه بناهي نحو المواجهة السياسية المباشرة واستخدام السينما باعتبارها وسيلة مقاومة وكشف للسلطة، في حين يركز فرهادي على الصراعات الأخلاقية والاجتماعية التي تجسد هشاشة العلاقات الإنسانية داخل المجتمع الإيراني.
ورغم اختلاف أساليبهم، فإنهم جميعًا يشتركون في توظيف الواقعية باعتبارها أداة أساسية لبناء عوالمهم السينمائية، سواء عبر التصوير في الشوارع الحقيقية أو الاعتماد على شخصيات عادية وحوارات طبيعية. كما أن الرقابة الإيرانية لعبت دورًا أساسيًا في تشكيل هذه الأساليب المختلفة، إذ اضطر المخرجون إلى البحث عن طرق فنية بديلة للتعبير عن أفكارهم دون الاصطدام المباشر بالمؤسسات الرسمية، بينما ساهمت المهرجانات الأوروبية في تعزيز حضور هذا النوع من السينما لأنها ترى فيه نموذجًا للسينما المؤلفة التي تجمع بين البعد الفني والنقد الاجتماعي والسياسي، في حين هذا الدعم الدولي يثير دائمًا نقاشًا حول العلاقة المعقدة بين الفن والسياسة، خاصة عندما تبدو بعض الأفلام المعارضة أكثر حظًا في الفوز بالجوائز مقارنة بالأعمال التي تتجنب الخطاب السياسي المباشر، ولذلك تبقى السينما الإيرانية مثالًا واضحًا على صعوبة الفصل بين القيمة الفنية والسياق السياسي في عالم المهرجانات الدولية.
#مهرجان_كان79 #السينما_الإيرانية #التمويل_الأوروبي #السينما_المستقلة #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد











Leave a Reply