عبدالرحيم الشافعي
عُرض الفيلم السينمائي”تسخسيخة” للمخرج والممثل المغربي سعيد الناصري في عرض أولي خاص قبل العرض الأول مساء الاثنين 18 مايو 2026 بقاعة ميغاراما كازابلانكا، وسط حضور لافت من النقاد والإعلاميين والجمهور الذي تفاعل مع العمل بقوة، في ليلة احتفت بالسينما المغربية وأثارت الكثير من النقاشات حول قضايا المجتمع التي يطرحها الفيلم بجرأة وصدق فني.
وأكد سعيد الناصري في حوار مع الناقد الجديد أن فيلم “تسخسيخة” يمثل نقلة نوعية في مسيرته الإبداعية لأنه يجمع بين التشويق السينمائي العالي والكوميديا الاجتماعية الذكية والدراما الإنسانية العميقة التي تبرز واقع المواطن المغربي بكل تناقضاته وصعوباته اليومية، مشيرا إلى أنه أراد أن يقدم للجمهور تجربة سينمائية متكاملة لا تكتفي بالترفيه وإنما تدفعه للتفكير في قضايا مجتمعه بطريقة غير مباشرة ومؤثرة.
وأوضح الناصري أنه اختار قصة امرأة تواجه الحياة لوحدها بعد فقدان زوجها في ظروف غامضة ليبني عليها حبكة مشوقة تجعل البطلة “راضية” تدخل في دوامة معقدة من شبكات الكوكايين والجريمة المنظمة، ثم تتعرض لأكبر مأساتها باختطاف ابنها وطلب فدية مالية ضخمة إضافة إلى كميات كبيرة من المخدرات، في تصوير واقعي يحاكي معاناة شريحة واسعة من النساء المغربيات اللواتي يتحملن أعباء ثقيلة.
وشدد الناصري على أن الفيلم يحمل رسالة إنسانية قوية تبرز قوة المرأة المغربية وصمودها أمام التحديات والمخاطر، مع الحرص على إدخال لمسات كوميدية خفيفة ومطاردات مثيرة ومفاجآت متتالية تجعل المتفرج يعيش حالة من التوتر والضحك في الوقت نفسه، وهذا يجعل “تسخسيخة” عملا متوازنا يحترم ذكاء الجمهور المغربي ويلبي رغبته في سينما هادفة ومسلية.
وأبرز الناصري أن تصوير الفيلم تم بالكامل في الدار البيضاء وضواحيها بأماكن حقيقية تبرز التنوع الاجتماعي والمعماري للمدينة، كونه استفاد من طاقم فني متميز جمع بين خبرة النجوم وطزاجة الوجوه الجديدة، مشيدا بأداء حنان الإبراهيمي الاستثنائي في دور البطلة ومساهمات زكرياء عاطفي وجواد العلمي وأمين بنجلون وكل الممثلين الذين أضافوا عمقا وصدقا للشخصيات.
وكشف الناصري أن الفيلم من إنتاج خاص لمصطفى الربادي الذي آمن بالمشروع منذ البداية رغم غياب الدعم الرسمي من المركز السينمائي المغربي، مؤكدا أن هذا الإنتاج المستقل منحه حرية كاملة في اختيار المواضيع الحساسة وطريقة معالجتها دون أي رقابة أو توجيه، وهو ما يبين تحديات وفرص الإنتاج الخاص في السينما المغربية المعاصرة.
وأشار الناصري إلى أن الفيلم يفتح الباب أمام نقاش مجتمعي أوسع حول خطورة المخدرات وانتشار شبكات الجريمة المنظمة وتأثيرها المدمر على الأسر المغربية، معتبرا أن الفن يجب أن يكون أداة للتوعية وليس وسيلة للترفيه، وأنه يأمل أن يساهم الفيلم في لفت انتباه المسؤولين والمجتمع لهذه الظواهر الخطيرة.
وأنتهى الناصري مؤخرا من عرض فيلم آخر بعنوان “الشلاهبية” الذي ا يجمع فيه بين الكتابة والإخراج والبطولة، مشيرا إلى أن هذا الفيلم يتناول الانتخابات والوعود الفارغة والاستغلال السياسي لجهل وفقر المواطنين بأسلوب ساخر وتهكمي عميق يجمع بين الضحك والمرارة.
ويراهن الناصري على فيلم “تسخسيخة” لاستعادة التوازن إلى مساره السينمائي بعد تجربة “الشلاهبية”، التي ولجت القاعات السينمائية خلال يونيو 2025 وسط رهانات كبيرة، خصوصا أن موضوعه ارتبط بقضايا سياسية واجتماعية تلامس اهتمامات المواطن المغربي، غير أن الفيلم لم يتمكن من الحفاظ على حضوره طويلا داخل شباك التذاكر.
ويبرز الطابع السياسي والاجتماعي الذي سعى الناصري إلى تقديمه في “الشلاهبية” مجددا حجم التحديات التي تعترض السينما المغربية داخل القاعات، في ظل تراجع الإقبال على الإنتاجات المحلية، إلى جانب التحولات التي فرضتها المنصات الرقمية على عادات المشاهدة لدى الجمهور.
وعمد الناصري، في محاولة للتحرر من النموذج التقليدي لتوزيع الأفلام، بعد فترة قصيرة من عرض “الشلاهبية” بالقاعات، إلى توفيره عبر منصة يوتيوب بنظام “الدفع مقابل المشاهدة”، مقابل 20 درهما للفيلم الواحد، وهي خطوة اعتبرها كثيرون تجربة غير مألوفة داخل السوق المغربية، خاصة أنها استهدفت بلوغ جمهور المدن والمناطق التي تفتقر إلى قاعات سينمائية.

وتواجه هذه المبادرة واقعا مغايرا، بعدما أبانت التجربة محدودية تفاعل الجمهور المغربي مع الأداء مقابل المحتوى الرقمي، في ظل ارتباط المشاهد المحلي بمنصات اعتاد استخدامها بشكل مجاني. ولم يفلح الناصري في استمالة المتلقي لأداء مبلغ مالي لمتابعة الفيلم على يوتيوب، ما أدى إلى تعثر التجربة بسرعة رغم الضجة التي صاحبت إطلاقها.
ويضطر الناصري، أمام تراجع نسب المشاهدة المدفوعة، لاحقا إلى إتاحة “الشلاهبية” مجانا على المنصة نفسها، ليحصد الفيلم أزيد من 5 ملايين و800 ألف مشاهدة منذ طرحه في يناير 2026، وهو رقم عكس حجم الفضول الجماهيري تجاه العمل، لكنه أظهر في المقابل استمرار إحجام شريحة واسعة من المغاربة عن فكرة الدفع مقابل المحتوى الرقمي.
ويستعرض “الشلاهبية” قصة شخصيات انتهازية تستغل مواقع النفوذ لخدمة مصالحها الخاصة والتلاعب بالصفقات العمومية ونهب المال العام، حيث سعى الناصري من خلال العمل إلى تقديم قراءة ساخرة للواقع السياسي والاجتماعي، معتبرا أن ما يقع في الفيلم يبقى أقل حدة مما يجري في الواقع الحقيقي.
ويحرص صاحب العمل على تمرير رسائل مرتبطة بتدبير الشأن المحلي والوعود الانتخابية التي يطلقها بعض المرشحين خلال الحملات السياسية، عبر معالجة تمزج بين الكوميديا والنقد المباشر، في محاولة لتحويل الفيلم من مجرد مادة ترفيهية إلى فضاء للتفكير في عدد من القضايا المرتبطة بالحياة اليومية للمغاربة.
ويشدد الناصري على أن الهدف من “الشلاهبية” لم يكن الإضحاك فقط، بل تقديم عمل يفتح النقاش حول الفساد وسوء التدبير، مع الدعوة إلى تكريس ثقافة الوعي في اختيار المنتخبين وعدم الانسياق وراء شراء الأصوات والشعارات الانتخابية المؤقتة.
وتدور أحداث “تسخسيخة” حول امرأة تدعى “راضية” تجد نفسها أمام صدمة اختفاء زوجها في ظروف غامضة، لتلجأ إلى شقيقها قصد مساعدتها على تجاوز الأزمة، غير أن الأمور تأخذ منحى أكثر خطورة بعد تورطهما وسط شبكة مرتبطة بمافيات الكوكايين.
وتتفاقم التطورات بعد تعرض ابن “راضية” للاختطاف، حيث يشترط الخاطفون تسليم مبالغ مالية وكميات من المخدرات التي سُرقت منهم، ليفتح الباب أمام سلسلة من المطاردات والصراعات والمؤامرات في قالب يجمع بين السخرية والإثارة.
#الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #سعيد_الناصري_فيلم_تسخسيخة_مرآة_جريئة_لمعاناة_المرأة_المغربية_وتحدياتها_اليومية











Leave a Reply