السماح بتمرير خطابات أيديولوجية تُتهم بتفكيك المجتمع المغربي يثير تساؤلات حول الرقابة
عبدالرحيم الشافعي
تعيش الساحة الثقافية المغربية بين الفينة والأخرى على وقع سجالات حادة، كلما برز عمل سينمائي جديد يحاكي منطقة حساسة أو يطرح أسئلة مزعجة حول المجتمع والقيم والسلطة والحرية. ويتجدد هذا المشهد اليوم مع الجدل الذي رافق فيلماً للمخرج هشام العسري بعنوان “المطرود من رحمة الله”، فانقسمت الآراء بين من يرى ضرورة منعه بدعوى حماية الأخلاق، ومن يعتبر ذلك اعتداءً على حرية التعبير والإبداع. غير أن الإشكال الحقيقي لا يقف عند حدود فيلم أو مخرج أو قاعة سينمائية، لأنه يمتد إلى طبيعة وعينا الجماعي وكيفية ترتيب أولوياتنا في المجتمع.
لماذا نستسهل مهاجمة الأفلام السينمائية ولا نهاجم سهولة الوصول إلى المواقع الإباحية؟ ولماذا نغض الطرف عن الدعارة “النظيفة”، أي نوادي التدليك وما جاورها، وعن الأخطار اليومية التي تتسلل إلى بيوتنا من خلال هواتف أبنائنا، خاصة الإشهارات التي لا نتحكم فيها وهي مسؤولية حكومية؟ ولماذا تتحول السينما إلى متهم دائم، بينما تنجو قضايا أشد خطورة من المساءلة والنقاش؟ إن هذه الأسئلة تفرض مراجعة اجتماعية صريحة لمعاييرنا في الحكم، ولمفهومنا للأخلاق، ولدور المؤسسات الحقوقية والثقافية في المجتمع.
وتكشف الضجة المثارة حول بعض الأعمال السينمائية عن ميل واضح إلى تضخيم القضايا الرمزية على حساب القضايا الجوهرية التي تمس حياة المواطن المغربي. فعوض الانشغال بتدهور المدرسة العمومية، وضعف المنظومة الصحية، واتساع البطالة، يتحول فيلم سينمائي إلى قضية رأي عام تستنزف النقاش وتستفز المشاعر. وهذه المفارقة تدل على خلل في ترتيب الأولويات، لأن المجتمع الذي يواجه أزمات حقيقية لا ينبغي أن يجعل الفن عدوه الأول. كما أن تحويل كل عمل إبداعي إلى معركة أخلاقية يفضح هشاشة ثقافة الحوار لدينا. فالأعمال الفنية تُناقش بالنقد لا في المحاكم والدعاوى القضائية، وتُواجه بالفكر لا بالحظر. لذلك فإن أول ما نحتاجه هو إعادة توجيه البوصلة نحو ما يفيد الناس فعلاً.
ويطرح الانتشار الواسع للمواقع الإباحية سؤالاً أكثر إلحاحاً من أي سؤال يتعلق بفيلم يُعرض في قاعة محدودة الجمهور. فهذه المواقع أصبحت متاحة بسهولة للأطفال والمراهقين عبر الهواتف الذكية، وتؤثر في وعيهم النفسي والسلوكي والقيمي دون رقابة أو توجيه، بينما نادراً ما نرى الحملات نفسها التي تُشن ضد الأعمال الفنية وهي تتجه نحو هذا الخطر الحقيقي. إن التناقض هنا صارخ، لأن الضرر الرقمي يومي ومستمر بيننا، بينما مشاهدة الفيلم اختيارية ومحدودة. وإذا كنا صادقين في الدفاع عن الأخلاق، فالأجدر أن نبدأ من حماية الناشئة. أما التركيز على السينما وحدها فهو تبسيط مضلل للمشكلة.
ويفضح صمت بعض الهيئات التي ترفع شعار الحقوق والحريات تجاه قضايا إنسانية موجعة طبيعة الانتقائية التي تتحكم في مواقفها. فكم من أب أو أم تُركا في دور العجزة دون سند؟ وكم من مواطن فقد بيته أو مصدر رزقه دون أن يجد من يدافع عنه؟ وكم من شاب تحطم مستقبله بسبب الفقر والتهميش؟ هذه الوقائع تمس كرامة الإنسان مباشرة، ومع ذلك لا تتحول إلى معارك كبرى كما يحدث مع فيلم أو عرض فني، في حين أن الدفاع الحقيقي عن الحقوق يبدأ من الإنسان حين يتألم، لا من الشاشات حين تختلف الأذواق حولها. ومن لا يسمع صرخة المظلوم، يصعب أن يقنع الناس بصدقه حين يتحدث عن المبادئ.
ويتجلى الخطر أيضاً في الفضاء الرقمي الذي صار ممتلئاً بالإسفاف والابتزاز والمحتويات الرديئة التي تصل إلى البيوت دون استئذان. فمواقع التواصل الاجتماعي غدت أداة لتشكيل الوعي وتطبيع التفاهة ونشر العنف الرمزي والانحلال القيمي، في حين لا نرى التعبئة نفسها لمواجهة هذا السيل الجارف من الانحدار الثقافي. والسبب أن مواجهة هذه الظواهر تحتاج جهداً حقيقياً وسياسات مستمرة، بينما مهاجمة فيلم أسهل وأسرع وأكثر إثارة للانتباه. وهكذا يتحول الجهد العام إلى معارك جانبية، ويُترك الأصل دون علاج، وتلك خسارة تربوية وثقافية فادحة.
ويؤكد الواقع الاجتماعي أن المواطن المغربي يواجه يومياً مشكلات أكثر قسوة من الجدل السينمائي، مثل الغلاء والبطالة وضعف الخدمات الأساسية. فالأسر المثقلة بالمصاريف تنتظر مدرسة جيدة ومستشفى يحفظ الكرامة وعدالة ترد الحقوق. والشباب الباحث عن فرصة عمل لا يعنيه كثيراً صراع المنع والإباحة بقدر ما يعنيه الأفق المسدود أمامه. لذلك يبدو افتعال المعارك الثقافية أحياناً نوعاً من الهروب من الملفات الثقيلة. والمجتمع لا يتقدم بالضجيج الأخلاقي، وإنما بالإصلاح الحقيقي. وحين نفهم ذلك سندرك حجم المفارقة القائمة اليوم.
ويدافع الفن بطبيعته عن حق الإنسان في طرح الأسئلة وكسر الصمت ومحاكاة المناطق المسكوت عنها. وحينما يكون العمل الفني صادماً أو جارحاً أو مختلفاً، فإنه يظل مساحة للتفكير والنقاش وليس للمحاكمة. فالمجتمعات الحية لا تخاف من الصورة والكلمة، لأنها تملك مناعة النقد وثقة العقل، أما المجتمعات القلقة فتتعامل مع الفن كتهديد دائم. ومن حق أي مواطن أن يرفض عملاً فنياً أو ينتقده أو يقاطعه، غير أنه لا يملك فرض ذوقه على الجميع. فالحرية لا تتجزأ، وإذا سقطت في الفن ستسقط في غيره.
ويناقض منطق الحظر روح الدستور الذي يضمن حرية التعبير والإبداع في إطار القانون. فحين يُرخص لعمل فني وفق المساطر المعمول بها، ثم تُطالب بعض الجهات بإلغائه تحت ضغط العاطفة، فإننا نضرب مبدأ المؤسسات ونكرس سلطة المزاج. كما أن الحظر لا يلغي الفكرة، لأنه يمنحها دعاية مجانية ويزيد الفضول حولها. والأجدى من الحظر هو النقاش العمومي والنقد الرصين وتوسيع التربية الجمالية لدى الناس. فالمجتمع الواثق من نفسه لا يخشى الأفكار، وإنما يناقشها ويغربلها. أما المصادرة فهي اعتراف ضمني بالخوف والعجز.
وتكشف تجربة المجتمعات المتقدمة أن الثقافة تزدهر حين تتعدد الأصوات وتتنافس الرؤى وتُحترم الاختلافات. فالسينما والأدب والمسرح ليست أدوات فساد كما يتصور البعض، وإنما مختبرات لفهم الإنسان ومساءلة الواقع وتطوير الحس النقدي. وكل محاولة لخنق هذه المجالات تؤدي في النهاية إلى مزيد من الانغلاق والجمود. كما أن الشباب حين يُمنع من التعبير المشروع يبحث عن بدائل أكثر تطرفاً أو سطحية. ولذلك فإن حماية المجتمع لا تكون بمحاصرة الفن، وإنما بتمكينه من أداء دوره التنويري. وتلك حقيقة أثبتها التاريخ مراراً.
ويستوجب الواجب الأخلاقي الحقيقي أن ننشغل أولاً بحماية كرامة المواطن وحقوقه الأساسية قبل مطاردة الإبداع. فمن غير المقبول أن نصمت عن الفساد والرشوة والتهميش، ثم نرفع الصوت فقط حين يبرز فيلم جريء أو رأي مختلف. الأخلاق ليست شعارات موسمية، بل هي سلوك يومي وعدالة اجتماعية ورحمة بالضعفاء. وإذا أردنا مجتمعاً سليماً، فعلينا أن نربط الأخلاق بالفعل العمومي لا بردود الفعل الانفعالية. فالطفل يحتاج مدرسة قبل الرقابة، والمريض يحتاج علاجاً قبل الخطب، والعاطل يحتاج فرصة قبل الوصاية. تلك هي الأولويات الحقيقية.
وتعتبر المعركة اليوم ليست بين المجتمع والفن، وإنما بين الوعي والسطحية، وبين الإصلاح الحقيقي والإلهاء المؤقت. فالفن سيظل مرآة تكشف تناقضاتنا مهما حاول البعض كسرها، لأن المشكلة لا تسكن المرآة، وإنما تقيم في الواقع نفسه. وما نحتاجه اليوم هو شجاعة مواجهة الأسباب العميقة للأزمات، لا الاكتفاء بمهاجمة مظاهرها الرمزية. كما نحتاج مؤسسات حقوقية وثقافية تقف إلى جانب المواطن في قضاياه المصيرية. وحين نعيد ترتيب الأولويات، سنفهم أن السينما ليست الخطر الأكبر، وقد تكون أحياناً بداية الوعي به.
#عبدالرحيم_الشافعي #ناقد_سينمائي #السينما_المغربية #حرية_التعبير #الدين_والسياسة #الجنس #الأيديولوجيا #النقد_السينمائي #الثقافة #الإبداع











Leave a Reply