عبدالرحيم الشافعي
يثير الفيلم السينمائي “المطرود من رحمة الله” للمخرج المغربي هشام العسري جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والإعلامية، حتى قبل عرضه، بسبب عنوانه الجريء وما أُثير حول مضمونه من تأويلات متباينة. وقد انقسمت الآراء بين من اعتبر العمل محاولة فنية جريئة لطرح أسئلة حساسة ترتبط بالدين والمجتمع والسياسة، وبين من رأى فيه مساساً بالمقدسات، في ظل مناخ لا يزال يشهد توتراً في التعاطي مع حرية التعبير والإبداع الفني. ويندرج هذا الحوار في سياق هذا النقاش الدائر حول العمل وملابساته، إذ يسعى إلى استجلاء رؤية المخرج وخلفيات اختياراته الفنية والفكرية، وكشف موقفه من الانتقادات التي وُجهت إلى الفيلم، إضافة إلى طرح أسئلة أوسع تتعلق بحدود الحرية في السينما المغربية، وعلاقة الفن بالمجتمع، ودور المخرج في ملامسة القضايا الشائكة.
يؤكد المخرج المغربي هشام العسري أنه لا يؤمن بأن الفيلم السينمائي يجب أن يكتفي بتقديم “رسالة” تعليمية أو أخلاقية، موضحاً أن السينما بالنسبة له هي بحث مستمر في أدوات التعبير، وكتابة بصرية تتصارع مع الآلة السينمائية لإنتاج مقترح فني متفرد. ويشدد على حرصه الدائم على عدم تكرار نفسه، لأن كل عمل يشكل مغامرة فنية وتحدياً تقنياً مختلفاً عما سبقه.
ويبرز أنه في فيلمه “المطرود من رحمة الله” اختار الانتماء إلى نمط “السينما السوداء”، التي تغوص في عوالم الجريمة، متتبعاً مسار شخصية تائهة في دوامة من التعقيدات. ويربط هذه الفكرة بالسياق الذي انطلقت منه، والمتمثل في الفتوى التي صدرت ضد سلمان رشدي، والتي ظلت تراوده منذ قرابة عشر سنوات قبل أن تتحول إلى رمز لحقبة معاصرة يطغى فيها التعصب، ويُستغل فيها الدين لخدمة مصالح سياسية وشخصية ضيقة، خاصة في ظل التحولات التي تلت الربيع العربي. كما يشير إلى أن العمل تعرض لهجوم حتى قبل عرضه بناءً على عنوانه فقط، معتبراً أن ذلك يعكس سوء فهم للغة السخرية السينمائية التي يعتمدها، ويؤكد في الآن نفسه الحاجة إلى سينما مستقلة تقاوم الابتذال والتنميط الذي تفرضه الموجات الاستهلاكية.
ويصرّح العسري بأن الحرية هي جوهر الفعل الإبداعي، وهي الفارق الجوهري بين السينما والتلفزيون؛ فالتلفاز يظل رهيناً لما يسميه “طقوس الضيافة” والحدود الاجتماعية، حيث يتجنب الخوض في ثالوث الدين والجنس والسياسة، بينما يجب أن تظل السينما فضاءً مفتوحاً لمساءلة كل شيء دون خطوط حمراء. ويضيف أنه في السياق المغربي لا يرى أن هناك رقابة تمنع الأفكار لذاتها بقدر ما يلاحظ غياب وعي مؤسساتي يطبق أنظمة التصنيف العمري، بما يضمن حماية القاصرين دون المساس بحق البالغين في مشاهدة أعمال ناضجة. ويؤكد أن الاشتغال في هذا المجال شغف يتطلب زاداً ثقافياً ومرجعيات فنية وتاريخية صلبة، مبرزاً أن السينما في نظره طبقات تبدأ من الترفيه البسيط، مروراً بالمستوى الثقافي، وصولاً إلى المستوى الفني الأرقى الذي يعكس نضج المخرج في صياغة لغته الخاصة. ويرى أن ما ينقص الساحة هو سينما تشبهنا وتنبثق من عمق واقعنا، لا سينما تبدو وكأنها مترجمة أو منقولة عن قوالب جاهزة لا تمت لهويتنا بصلة.
ويشدد على أن تمسكه برفض “مقص الرقابة” ينبع من إيمانه العميق بذكاء الجمهور وقدرته على استيعاب القضايا الشائكة إذا قُدمت له بصدق وإخلاص فني. ويؤكد أنه لا يمكن للمجتمعات أن تتطور إذا استمرت في حالة “الإنكار”، موضحاً من منظور علم النفس أن مواجهة الحقيقة تمثل الخطوة الأولى نحو التعافي والارتقاء. ويرى أن الفيلم السينمائي يجب أن يكون مرآة، حتى وإن عكس جوانب مؤلمة أو مظلمة، لأن التصالح مع الذات يبدأ من الاعتراف بالواقع. ويضيف أنه يصر على تقديم سينما تحترم عقل المشاهد وتدفعه إلى التفكير، بعيداً عن الكوميديا الهابطة التي تحاول تبسيط كل شيء وتسطيح الوعي الجماعي، مؤكداً أن الفن موقف قبل كل شيء، وأن مسؤوليته كصانع أفلام تكمن في الحفاظ على استقلالية رؤيته وعدم الرضوخ للضغوط التي تسعى إلى تدجين الإبداع أو حصره في قوالب ضيقة، لأن الحرية هي “الأكسجين الذي يتنفسه الفنان” ليواصل البحث عن الحقيقة الجمالية.
ويواصل العسري التأكيد على إيمانه العميق بأن الحرية هي الأكسجين الحقيقي للإبداع، وهي التي تمنح الفنان القدرة على مواجهة التحديات بصدق، مشيراً إلى أن رفضه القاطع للرقابة ينبع من احترامه لذكاء المشاهد، الذي يعتبره ناضجاً بما يكفي لاستيعاب أكثر القضايا تعقيداً إذا قُدمت في قالب فني مخلص ومنزه عن الابتذال. ويؤكد أننا بحاجة إلى سينما تعمل كمرآة كاشفة، لا سينما تجميلية تخفي العيوب، موضحاً أن المجتمعات لا يمكن أن تتجاوز أزماتها وتحقق التطور إلا إذا تخلصت من حالة “الإنكار” وتصالحت مع واقعها بكل تجلياته. ويضيف أنه يصر على تقديم سينما تحترم عقل المتلقي وتدفعه للتفكير والمساءلة، بعيداً عن الموجات الاستهلاكية التي تسعى إلى تسطيح الوعي الجماعي وتدجين الفكر الحر.
ويعبر عن قناعته بأنه لا يمكن تصور ممارسة العمل السينمائي دون شغف حقيقي يتجاوز حدود الوظيفة أو التدبير الإداري الجاف، مؤكداً أن السينما تتطلب مرجعيات ثقافية وفنية وتاريخية رصينة حتى يكون المقترح الجمالي ذا قيمة. ويشير إلى معاناته مع السينما التي تفتقر للهوية، تلك الأعمال التي تبدو وكأنها “مترجمة” عن لغات أو ثقافات أخرى ولا تعكس نبض المجتمع المغربي. ويعيد التأكيد على أن العمل السينمائي يتدرج من الترفيه البسيط كأدنى مستوى، وصولاً إلى المستوى الفني الخالص الذي يعكس نضج المخرج وتمكنه من أدوات الكتابة السينمائية. كما يوضح أن غايته هي المساهمة في تأسيس سينما تشبهنا، تنبثق من عمقنا الحضاري والواقعي، وتخاطب العالم بلغة عالمية دون أن تفقد أصالتها المحلية.
ويشير إلى أن الجدل والانتقادات التي تسبق عرض أعماله، كما حدث مع فيلم “المطرود من رحمة الله”، لا تزيده إلا إصراراً على منهجه الفني، معتبراً أن الهجوم المبني على الافتراضات أو العناوين فقط يعكس خللاً في فهم جوهر السخرية السينمائية. ويؤكد أن السينما بالنسبة له هي موقف أخلاقي وجمالي قبل كل شيء، وأن مسؤوليته تكمن في الحفاظ على استقلالية رؤيته وعدم الرضوخ لأي ضغوط تحاول حصر الإبداع في قوالب ضيقة أو مواضيع نمطية. ويشدد على ضرورة أن تظل السينما فضاءً للبحث والمغامرة، وقادرة على اقتحام مناطق الظل في المجتمع بجرأة فنية، لأن دور الفن لا يتمثل في طمأنة الناس دائماً، بل في إثارة الأسئلة الجوهرية التي تساهم في الارتقاء بالوعي الإنساني والجمالي.
ويعتبر أن كل تجربة سينمائية جديدة تمثل مغامرة فنية فريدة، يسعى من خلالها إلى استكشاف مناطق بصرية وتعبيرية لم يتطرق إليها من قبل، موضحاً أن السينما بالنسبة له ليست مجرد وظيفة، وإنما وسيلة للبحث في أعماق النفس البشرية وتفكيك الظواهر الاجتماعية المعقدة. ويؤكد أن هذا الشغف هو ما يدفعه للتدقيق في كل تفاصيل الكتابة والإخراج، بهدف تقديم عمل يتجاوز حدود الترفيه العابر ليصبح مادة ثقافية وفنية غنية. كما يبرز حرصه على أن يجد المشاهد نفسه في أعماله، ليس عبر محاكاة سطحية للواقع، بل من خلال الغوص في الجوهر الإنساني المشترك، مع الحفاظ على لغة سينمائية متطورة تحترم الموروث الثقافي وتواكب العصر.
ويصرّح برفضه لفكرة “السينما المهادنة”، مؤكداً أن السينما مسؤولية فكرية تقتضي من المخرج أن يكون وفياً لرؤيته الفنية وقضايا مجتمعه. ويشدد على أن كل كادر وكل جملة حوار هي جزء من مشروع فكري متكامل يهدف إلى خلخلة اليقينيات وفتح آفاق جديدة للتفكير، خاصة في عصر يتسم بالسرعة والسطحية. ويرى أن دور صناع الأفلام يتمثل في تقديم أعمال تتسم بالعمق والديمومة، قادرة على الصمود أمام الزمن من خلال لغة سينمائية متجددة تحترم وعي المتلقي وتشاركه في بناء المعنى.
ويؤكد أن الاحترام الحقيقي للمشاهد يبدأ من خلال تقديم مادة تحترم ذكاءه ولا تستصغره، مشدداً على أن السينمائي لا يجب أن ينساق وراء ما يُفترض أنه طلب الجمهور، بل عليه أن يساهم في رفع مستوى الذوق العام من خلال مقترحات جمالية مبتكرة. ويرى أن السينما الصادقة هي التي تلمس الجرح وتكشف المسكوت عنه بأسلوب فني رفيع، مؤكداً سعيه الدائم إلى خلق تفاعل وجداني وفكري مع المتلقي، بحيث لا ينتهي الفيلم عند خروجه من قاعة العرض، وإنما يستمر كسؤال مفتوح يدفعه لإعادة التفكير في مفاهيم الفن والحياة والمجتمع.
ويختتم بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه السينما المغربية اليوم يتمثل في الموازنة بين المحلية والعالمية، موضحاً أن الفيلم لا يمكن أن يصل إلى العالمية إلا إذا كان غارقاً في محليته وصادقاً في التعبير عن بيئته، ولكن بلغة سينمائية يفهمها الجميع. ويؤكد أن صدق التجربة الإنسانية هو الجسر الحقيقي نحو الآخر، لذلك يركز في أعماله على تفاصيل الشخصيات المغربية وهواجسها، محاولاً صياغتها في قالب بصري يحترم الخصوصية الثقافية وينفتح في الآن نفسه على المنجز السينمائي العالمي، بعيداً عن الاستلاب أو التقليد الأعمى.
#عبدالرحيم_الشافعي_موقع_الناقد_الجديد_هشام_العسري_المطرود_من_رحمة_الله











Leave a Reply