عبدالرحيم الشافعي
يُعدّ المخرج السينمائي والتلفزيوني إدريس المريني من الأسماء البارزة في المشهد السمعي البصري المغربي، وقد راكم تجربة طويلة ومتنوعة جمعت بين الإخراج والإنتاج والتوثيق الثقافي بأسلوب يمزج الإبداع الفني بالدقة التقنية، كما عرف مساره تنقلاً بين المغرب وأوروبا، وهو الأمر الذي ساعده على بناء رؤية مهنية واسعة انعكست على أعماله التلفزيونية والسينمائية، إضافة إلى حضوره المستمر في المجال الإعلامي والثقافي، مع قدرة واضحة على تطوير أدواته الفنية، وربط التجربة المحلية بالبعد الدولي.




وقد مثّل مساره نموذجاً لتداخل الإبداع الفني مع التدبير الإداري داخل المؤسسات الإعلامية، إذ ساهم في تطوير الإنتاج السمعي البصري المغربي عبر إنجاز برامج وأفلام وثائقية وروائية تناولت قضايا ثقافية ووطنية وإنسانية متنوعة، وهذا التنوع منحه حضوراً فنياً وإعلامياً مستمراً داخل المغرب وخارجه، كما عزز موقعه داخل المشهد السمعي البصري، مع قدرة على الجمع بين الإخراج والتسيير، وإبراز الهوية الثقافية المغربية، وإنتاج أعمال ذات بعد توثيقي وإنساني.
وينحدر إدريس المريني من مدينة سلا حيث وُلد وبدأ مساره الأكاديمي بدراسة الآداب الحديثة، ثم واصل دراسته في مجال الاتصال السمعي البصري بمدينة هامبورغ الألمانية وتخرج بامتياز، كما اشتغل مساعداً في قناة تلفزيونية ألمانية قبل عودته إلى المغرب ليبدأ عمله في التلفزيون المغربي في مجالي الإنتاج والإخراج، وقد شكّل هذا التكوين بين المغرب وألمانيا قاعدة أساسية لصقل تجربته المهنية والفنية، مع اكتساب خبرة تقنية وإدارية مهمة، انعكست على أسلوبه في العمل لاحقاً.
وتدرّج المريني في عدة مناصب داخل القنوات الوطنية فشغل مهام إدارة الإنتاج بالقناة المغربية، ثم عمل مستشاراً لوزير الاتصال لفترة، بعد ذلك تولى إدارة القناة الفضائية المغربية، ثم انتقل إلى التقاعد الإداري ليؤسس شركة إنتاج فني، وقد سمح له هذا المسار بتوسيع خبرته في تدبير المشاريع السمعية البصرية وتعزيز حضوره داخل المشهد الإعلامي المغربي، مع تطوير رؤيته في الإنتاج، وإدارة الفرق الفنية، وبناء مشاريع إعلامية ذات بعد استراتيجي.
وساهم المريني في إنتاج وإخراج مجموعة من البرامج الفنية والثقافية من بينها سهرة لفرقة ناس الغيوان، كما شارك في إنتاج أولى الأغاني المصورة بالألوان في العالم العربي أغنية قارئة الفنجان لعبد الحليم حافظ، وأخرج كذلك أفلاماً وثائقية متعددة تناولت موضوعات مختلفة منها برنامج حول القوات المسلحة الملكية ومهرجان الموسيقى الروحية بفاس، إضافة إلى وثائقي عن مسجد الحسن الثاني بمناسبة افتتاحه، وهو ما يعكس اهتمامه بالتوثيق الثقافي والتاريخي، مع نزعة واضحة نحو حفظ الذاكرة الوطنية.
كما قدّم برامج ثقافية وفنية متميزة مثل برنامج وثيقة الذي استضاف شخصيات وازنة في مجالات متعددة، وقدم أيضاً سهرات ثقافية مثل نغموتاي التي لاقت متابعة واسعة لأكثر من عشر سنوات، كما أنتج برنامج الصالون الثقافي الذي عرض على قناة DW العربية بشراكة مع القناة المغربية، حيث جمع فنانين ومثقفين من أوروبا والمغرب لمناقشة قضايا ثقافية وفنية معاصرة، وهو ما يعكس رغبته في بناء جسور ثقافية بين الضفتين، وتعزيز الحوار بين التجارب الفنية المختلفة.
ووثّق إدريس المريني أحداثاً وطنية مهمة وقدم صورة المغرب إلى العالم عبر أعماله، وهو ما جعله من أبرز الوجوه في المشهد الإعلامي المغربي، وتميزت مسيرته بحضور يجمع بين السينما والتلفزيون، كما أسهم في إبراز الثقافة المغربية وتاريخها، ونال عدة جوائز وتكريمات داخل المغرب وخارجه تعبيراً عن قيمة أعماله وتأثيره الفني، مع حضور مستمر في المحافل الثقافية، وقدرة على تقديم رؤية فنية متوازنة تجمع بين المحلي والعالمي.
ووأنتج المريني بتعاون مع القناة الوطنية SNRT عدداً من الأفلام التلفزيونية الناجحة مثل “ليلة غير عادية” و”الخطيب” و”القطار المتوجه إلى” و”العد العكسي” و”لبنى وعمي لخضر” و”فرحة وغلطة عمري”، كما أخرج أفلاماً سينمائية بارزة من بينها فيلم “بامو” الذي حصل على جائزة أحسن عمل في مهرجان القاهرة الدولي، وقد جمع بين الرومانسية والنضال الوطني في سرد يعكس قوة الإنسان أمام التحديات، مع تركيز على البعد الإنساني والوطني في السينما.
ووحقق فيلم “العربي” نجاحاً واسعاً حيث تناول سيرة اللاعب العربي بن بارك أحد رموز كرة القدم المغربية، وقد نال الفيلم الجائزة الكبرى في مهرجان رادو بالكاميرون وتكريمات دولية أخرى، كما شارك في مهرجانات مالمو وروتردام وكاروس، وهو ما أبرز حضوره السينمائي على المستوى الدولي، مع انتشار واسع لأعماله خارج المغرب، وتعزيز صورته كمخرج يعالج قضايا الهوية والذاكرة الرياضية والثقافية.
وعرف فيلم “عايدة” نجاحاً لافتاً إذ تناول قصة عودة يهودية مغربية إلى وطنها، وقد حصد عدة جوائز في مهرجان طنجة الوطني ومهرجان السينما والهجرة بأكادير ومهرجان الداخلة، إضافة إلى مشاركات دولية في السويد وإيطاليا وكندا، كما رُشح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، وهو ما يعكس بعده الإنساني، واهتمامه بقضايا الهوية والانتماء، ومعالجة موضوعات حساسة بأسلوب سينمائي رصين.
وقدّم أيضاً شريط “لحنش” الذي تناول المجتمع المغربي بأسلوب ساخر يوازن بين نقد الشر والاحتفاء بالخير كقيمة إنسانية، واستمر عرضه في القاعات السينمائية لمدة طويلة، كما أنجز شريط جبل موسى الذي عالج قوة الإرادة الإنسانية في مواجهة الصعاب، وركز على قيم الحب والإيثار والتغيير الإيجابي، وقد نال عدة جوائز وطنية ودولية، مع حضور نقدي إيجابي، وإشادة بأسلوبه الفلسفي في الطرح السينمائي.
وامتد إبداع المريني إلى التأليف والنشر فأصدر كتاب “سلا المدينة الألفية” مع عمل بصري توثيقي، كما أنجز كتاب “مثلث سوس وأكادير” وكتاب “غرفة المستشارين” الذي تناول خمسين عاماً من التجربة البرلمانية في المغرب وتطور الممارسة التشريعية، وقد عرض هذا العمل في ندوة دولية بالرباط بمناسبة الذكرى الخمسين للبرلمان المغربي، مع مساهمة واضحة في توثيق الذاكرة السياسية والثقافية للمغرب.
وشارك المريني في محطات دولية متعددة منها عضويته في لجنة التحكيم الدولية لجائزة اليابان للبرامج التعليمية في طوكيو، كما أشرف على أعمال التزيين في التلفزة المغربية بباريس وشارك في دورات تدريبية في قطر حول البرامج الثقافية، ومثل التلفزيون المغربي في مهرجان القاهرة للتلفزيون، كما ساهم في لجان تنسيق القنوات الفضائية العربية في دبي وشارك في ندوات حول أمن المعلومات في السعودية، إضافة إلى إشرافه على مشاريع مشتركة بين القناة المغربية وقناة DW في برلين وإنتاج أعمال وثائقية مرتبطة بهذه التجارب.
#عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #إدريس_المريني #مسار_مخرج_مغربي_بين_السينما_والتلفزيون_والتوثيق_الثقافي











Leave a Reply