الناقد الفني وضرورة القطيعة التقاربية مع صُنّاع الأدب والسينما والفنون الدرامية والتشكيلية

عبدالرحيم الشافعي

تفرض الساحة الفنية في المغرب نقاشًا جادًا حول مكانة الناقد داخل مشهد تختلط فيه المصالح وتتداخل فيه حدود الصداقة بالمهنة، ومن هذا المعطى تنشأ إشكالية مركزية تتعلق بقدرة الناقد على حماية استقلاله أمام محاولات الاستمالة التي تستهدف القلم قبل أن تستهدف صاحبه، وقد نبّه بيير بورديو في كتابه “قواعد الفن” إلى أن الحقول الثقافية تضعف حين تخضع لرأس المال الرمزي والاقتصادي عوض الاحتكام إلى الكفاءة والمعيار الجمالي، لذلك فإن النقد حين يفقد حريته يتحول إلى وظيفة تزكية، وحين يستعيدها يعود سلطة معرفية تراقب وتفكك وتوجه الذوق العام. 

وتكشف كثير من المناسبات الفنية أن بعض العلاقات داخل الوسط لا تقوم على الحوار بقدر قيامها على تبادل المنافع والامتيازات، فتتقدّم الدعوات الخاصة والولائم والسهرات على القراءة المتأنية للأعمال، ويتراجع التحليل أمام لغة المجاملة، وقد أشار ثيودور أدورنو في نقده للصناعة الثقافية إلى أن السوق يسعى دائمًا إلى تدجين الذوق وتحويل الحكم الجمالي إلى سلعة قابلة للتسويق، وعندما يتشرّب الناقد هذا المنطق يغدو مقاله غلافًا أنيقًا لمديح جاهز بينما يفقد الجمهور حقه في معرفة القيمة الحقيقية للعمل الفني. 

وتقتضي النزاهة المهنية إقامة مسافة واضحة بين الناقد وبين كل منفعة مباشرة قد تؤثر في حكمه، فالمسافة هنا ليست جفاءً اجتماعيًا وإنما شرط معرفي يحفظ صفاء الرؤية ويمنع تسرب المجاملة إلى اللغة النقدية، وقد شدّد رولان بارت في عدد من كتاباته على ضرورة تحرير القراءة من الضغوط الخارجية التي تفرض معنى جاهزًا أو موقفًا مسبقًا، ومن دون هذه المسافة يصعب على الناقد تسمية الخلل أو مساءلة الرداءة لأن القرب المفرط كثيرًا ما يصنع ترددًا يفسد الجرأة الفكرية. 

ويرفض الناقد النزيه العلاقات التي تشترط الثناء ويبحث في المقابل عن فضاء يسمح بالنقاش والاختلاف واحترام الرأي المخالف، فالفنان الواثق من مشروعه لا يخشى الملاحظة الجادة وإنما يستثمرها في تطوير تجربته وصقل أدواته، وقد كتب أمبرتو إيكو أن التأويل الحقيقي لا يولد من التصفيق وإنما من الحوار المفتوح بين النص والقارئ، لذلك فإن الوسط الذي يرحّب بالنقد ينتج فنًا قابلًا للنمو، أما الوسط الذي يطارد كل رأي مخالف فيدور داخل دائرة مغلقة من التكرار والرضا الوهمي. 

ويفصل النقد الرصين بين صاحب العمل وبين العمل نفسه، لأن مجال التحليل هو المنتوج المعروض أمام الجمهور لا الحياة الخاصة للأفراد، ومن هنا ينصرف الاهتمام إلى البنية الدرامية وإلى الصورة وإلى الإيقاع وإلى قوة الأداء وإلى انسجام العناصر الفنية، وقد رسّخ الشكلانيون الروس هذا التوجه حين جعلوا موضوع النقد هو الأدبية وبنية النص لا سيرة الكاتب ولا مزاجه الشخصي، لذلك فإن تحويل المقال النقدي إلى تتبع للأشخاص انحراف عن جوهر المهنة وخسارة لأهم وظيفة يقوم بها النقد وهي تفسير الأثر الفني وتقويمه. 

وتؤكد ساحة السينما المغربية عبث الشخصنة، لأن الفيلم ثمرة جهد جماعي تتوزع أدواره بين الكاتب والمخرج والمصور والمونتير والممثلين وبقية التقنيين، وقد بيّن أندريه بازان في كتاباته أن قوة الفيلم لا تسكن في عنصر منفرد وإنما في انسجام شبكة كاملة من الاختيارات الجمالية والتقنية، لذلك تبدو قراءة النجاح أو الفشل من خلال اسم واحد قراءة مبتسرة لأنها تغفل طبيعة الفن السابع بوصفه عملًا مركبًا تتداخل فيه الحرفية بالرؤية الفنية، ومن ثم فإن النقد السينمائي الجاد يقرأ البنية الكلية قبل البحث عن المسؤول الفردي. 

ويستند الناقد الحقيقي إلى قراءة واسعة وبحث مستمر، لأن الرأي الجاد لا يولد من الانطباع السريع ولا من المزاج العابر، فخلف المقال المتماسك تراكم معرفي يرتبط بتاريخ الفنون ومدارسها وتحولاتها وتجاربها العالمية والمحلية، وقد أكّد طه حسين في غير موضع أن الثقافة الواسعة شرط من شروط الحكم السليم لأن الذوق غير المسند بالمعرفة يبقى ناقصًا وقابلًا للتقلب، لذلك تتراجع قيمة الكتابة التي تنشغل بالأسماء والأخبار الهامشية بينما ترتفع قيمة النقد الذي يضيء العمل من داخله ويضعه في سياقه الواسع. 

وتقتضي هذه القطيعة الابتعاد عن دوائر الاستمالة لتحمي نظافة القلم وتصون ثقة القارئ، فالهدايا والامتيازات والعلاقات المشروطة لا تترك أثرها في الجيب فقط وإنما تتسرب إلى اللغة والنبرة ودرجة الصراحة، وقد كتب جورج أورويل أن أول واجبات الكاتب قول ما لا يرغب الآخرون في سماعه، ومن هذا المنطلق يصبح استقلال الناقد ضرورة أخلاقية لأن الجمهور لا يحتاج إلى مروّج إضافي وإنما يحتاج إلى عين بصيرة تميّز بين الجودة والزيف. 

ويكشف تقبّل النقد عن رقي الفنان وثقته في منجزه، لأن المبدع الواثق لا يخشى المراجعة ولا ينزعج من السؤال، وقد أوضح غادامير في فلسفة التأويل أن الفهم يتقدّم بالحوار لا بالانغلاق وبالإنصات لا بالتصلب، لذلك فإن الفنان الذي يصغي إلى الملاحظات الجادة يوسع أفق تجربته ويمنح عمله فرصًا جديدة للنمو، أما الذي يطلب المديح وحده فيبني حول نفسه جدارًا من الوهم يمنعه من رؤية نواقصه. 

ويبقى مستقبل الفن في المغرب مرتبطًا بمستقبل النقد فيه، لأن الإبداع الذي لا يجد من يحاوره ويقوّمه يفقد إحدى أهم وسائل تطوره، فإذا استعاد الناقد استقلاله واستعاد المقال صدقه واستعادت المؤسسة الثقافية احترامها للرأي الحر استفاد الفنان والجمهور معًا، وقد بيّنت تجارب ثقافية كبرى في فرنسا وإيطاليا ومصر أن ازدهار السينما والمسرح ارتبط دائمًا بوجود نقد قوي ومؤثر، لذلك يظل النقد الشريف آخر خط دفاع عن الذوق العام وأحد الشروط الأساسية لأي نهضة فنية حقيقية. 

#النقاد السينمائي عبدالرحيم الشافعي | #موقع الناقد الجديد | #الناقد الفني وضرورة القطيعة التقاربية مع صناع الأدب والسينما والفنون الدرامية والتشكيلية

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

We use cookies to personalise content and ads, to provide social media features and to analyse our traffic. We also share information about your use of our site with our social media, advertising and analytics partners. View more
Cookies settings
Accept
Privacy & Cookie policy
Privacy & Cookies policy
Cookie nameActive

Who we are

Suggested text: Our website address is: http://alnaqid.org/wp.

Comments

Suggested text: When visitors leave comments on the site we collect the data shown in the comments form, and also the visitor’s IP address and browser user agent string to help spam detection. An anonymized string created from your email address (also called a hash) may be provided to the Gravatar service to see if you are using it. The Gravatar service privacy policy is available here: https://automattic.com/privacy/. After approval of your comment, your profile picture is visible to the public in the context of your comment.

Media

Suggested text: If you upload images to the website, you should avoid uploading images with embedded location data (EXIF GPS) included. Visitors to the website can download and extract any location data from images on the website.

Cookies

Suggested text: If you leave a comment on our site you may opt-in to saving your name, email address and website in cookies. These are for your convenience so that you do not have to fill in your details again when you leave another comment. These cookies will last for one year. If you visit our login page, we will set a temporary cookie to determine if your browser accepts cookies. This cookie contains no personal data and is discarded when you close your browser. When you log in, we will also set up several cookies to save your login information and your screen display choices. Login cookies last for two days, and screen options cookies last for a year. If you select "Remember Me", your login will persist for two weeks. If you log out of your account, the login cookies will be removed. If you edit or publish an article, an additional cookie will be saved in your browser. This cookie includes no personal data and simply indicates the post ID of the article you just edited. It expires after 1 day.

Embedded content from other websites

Suggested text: Articles on this site may include embedded content (e.g. videos, images, articles, etc.). Embedded content from other websites behaves in the exact same way as if the visitor has visited the other website. These websites may collect data about you, use cookies, embed additional third-party tracking, and monitor your interaction with that embedded content, including tracking your interaction with the embedded content if you have an account and are logged in to that website.

Who we share your data with

Suggested text: If you request a password reset, your IP address will be included in the reset email.

How long we retain your data

Suggested text: If you leave a comment, the comment and its metadata are retained indefinitely. This is so we can recognize and approve any follow-up comments automatically instead of holding them in a moderation queue. For users that register on our website (if any), we also store the personal information they provide in their user profile. All users can see, edit, or delete their personal information at any time (except they cannot change their username). Website administrators can also see and edit that information.

What rights you have over your data

Suggested text: If you have an account on this site, or have left comments, you can request to receive an exported file of the personal data we hold about you, including any data you have provided to us. You can also request that we erase any personal data we hold about you. This does not include any data we are obliged to keep for administrative, legal, or security purposes.

Where your data is sent

Suggested text: Visitor comments may be checked through an automated spam detection service.
Save settings
Cookies settings