المنظومة السينمائية والدرامية المغربية تعيد إنتاج أزماتها وتكشف اختلالاتها بين شباك التذاكر والمهرجانات ومنصات البث الرقمية.
عبدالرحيم الشافعي
يتكرر في فضاء الدراما والسينما العربية نمطٌ بنيويٌّ مأزوم، تتجلى ملامحه في إنتاج أعمالٍ متوسطة، لكنها تعجز عن تحقيق الحد الأدنى من التماسك الفني أو القبول الجماهيري، فتسقط سريعاً إمّا في شباك التذاكر أو ضمن منصات البث، إذ يلتزم صُنّاع هذه الأعمال صمتاً تكتيكياً ما دامت دائرة الضوء محدودة، غير أنّ هذا الصمت ينقلب إلى خطابٍ عدائيٍّ حادٍّ فور بروز قراءة نقدية جادة تكشف اختلالات البنية السردية أو الركاكة الجمالية. وتكشف هذه المفارقة عن خللٍ في الوعي المهني، حينما يُنتَج العمل الفني على انه غير قابل للتقويم، وإنما كمنتجٍ مغلقٍ محصّنٍ ضد المساءلة، الأمر الذي يفضي إلى ترسيخ ثقافة إنكارٍ ممنهجٍ للنقد بوصفه أداةً معرفية.
ويتجاهل صُنّاع هذه الأعمال النقدَ حين لا يشكّل ضغطاً إعلامياً مباشراً، فينغلقون داخل فضاءٍ احتفاليٍّ زائف تُعيد فيه الخطابات الترويجية إنتاج صورة النجاح بمعزلٍ عن مؤشرات التلقي الفعلي، في حين تتكرس داخل هذا الإطار آليات دفاعية تقوم على إنكار العيوب البنيوية في النص والإخراج والأداء، وإحالة الإخفاق إلى عوامل خارجية كذائقة الجمهور أو “سوء التوقيت، و يبين هذا السلوك غياب ثقافة التقييم الذاتي، إذ تُبنى المشاريع اللاحقة على التراكم نفسه من الأخطاء دون تفكيكٍ نقديٍّ أو مراجعةٍ منهجية. وبذلك يتحول الفشل من فرصةٍ للتعلم إلى بنيةٍ مُعاد إنتاجها، ويغدو الهروب من الاعتراف أحد أبرز معوّقات التطور الإبداعي.
ويهاجم صُنّاع الفشل الخطابَ النقدي الذي يكشف عيوب العمل من خلال شخصنة قائله، فتُستبدل الحجة الفنية باستراتيجيات تشويهٍ رمزية تستهدف تقويض مصداقية الناقد، كما تُستخدم في هذا السياق أدوات إعلامية وشبكات رقمية لتأطير النقد بوصفه فعلاً عدائياً أو بدافع الغيرة، وهو ما يكشف عن انزياحٍ من النقاش الجمالي إلى الصراع الشخصي، ويؤدي هذا التحويل إلى تعطيل إمكانات الحوار المعرفي، ويُخفي تحت ضجيج الاتهامات الأسئلة الجوهرية المتعلقة بضعف البناء الدرامي أو فقر الرؤية الإخراجية، كما يعكس هذا السلوك وعياً هشّاً بدور النقد، الذي يُفترض أن يكون وسيطاً تقويمياً لا خصماً وجودياً.
ويستمر هذا النسق الإنتاجي في إعادة تدوير أخطائه ضمن دائرةٍ مغلقة، حينما تُستنسخ الصيغ السردية نفسها، وتُعاد إنتاج الحوارات النمطية والإخراج التلفزيوني التقليدي دون تجديد يُذكر، بينما يُعوَّل في كثير من الأحيان على حضور النجوم أو البذخ البصري بوصفهما بديلاً عن العمق الفني، وهو رهانٌ قصير الأمد يفتقر إلى الاستدامة، في حين تتراكم لدى الجمهور خبرةٌ نقدية سلبية تجعله أكثر تشككاً وأقل تفاعلاً، فتتآكل الثقة تدريجياً بين المتلقي والمنتَج، ويفضي هذا الوضع إلى تضييق هامش الابتكار، إذ تُقصى التجارب الجادة لصالح نماذج مكرورة تُكرّس الرداءة بوصفها معياراً سائداً.
ويستغل صُنّاع هذه المنظومة الصمتَ الأولي كآليةٍ لإعادة تشكيل السردية حول العمل، فيُؤجَّل الاعتراف بالفشل إلى أن يتلاشى أثره الإعلامي، ثم يُعاد توجيه النقاش عند ظهور النقد نحو مساراتٍ دفاعية تُفرغه من محتواه، إذ تُستخدم في هذا الإطار علاقاتٌ مؤسساتية وإعلامية للحد من انتشار الخطاب النقدي أو لتشويهه، كي يحوّل الفضاء الثقافي إلى مجالٍ غير متكافئ تُهيمن عليه سرديات القوة لا قوة الحجة، ويُعاد تعريف النقد من كونه أداة تطوير إلى كونه تهديداً يجب احتواؤه أو إسكاته، الأمر الذي يرسّخ حالة الجمود البنيوي في الصناعة.
وتقتضي مواجهة هذا الوضع بلورةَ وعيٍ نقديٍّ مؤسَّسٍ على معايير علمية وجمالية واضحة، يشارك فيه جمهورٌ فاعل يميّز بين التلقي الاستهلاكي والتقييم الواعي، إذ يُعدّ النقد ممارسة معرفية ضرورية لإعادة توجيه مسار الإنتاج الفني نحو الجودة والابتكار، ومن دون إعادة الاعتبار لدور النقد بوصفه شريكاً في البناء لا خصماً، ستظل الصناعة الدرامية والسينمائية العربية رهينةَ أنماط إنتاجٍ تعيد إنتاج فشلها ضمن حلقةٍ مفرغة.
وتُطرح في هذا الصدد مجموعة من الأسئلة المنطقية التي تكشف جوهر الإشكال: عندما لا يصمد فيلمٌ سينمائي لأكثر من أسبوعٍ واحدٍ في قاعات السينما، أليس هذا فشلاً؟ وعندما لا يستطيع هذا الفيلم أن يشارك في مهرجانٍ وطني أو دولي إلا عبر وساطة، أليس هذا فشلاً؟ وعندما تتكرر في الأعمال الدرامية نفس القصص المستنسخة من نماذج أجنبية، مع محاولة تقليد الديكور والأساليب والتيمات نفسها، أليس هذا فشلاً؟ وعندما تتكرر نفس الوجوه، ونفس خلية الكتابة، ونفس التقنيين، ونفس شركات الإنتاج في معظم الأعمال، أليس هذا فشلاً؟ وعندما لا تتجاوز شهرة الممثل أو كاتب السيناريو أو المخرج حدود مدينته أو وطنه، أليس هذا فشلاً؟ وعندما لا يستطيع الإنسان المواجهة الصريحة فيلجأ إلى التجاهل والإنكار وتلفيق التهم للناقد، أليس هذا فشلاً في تواصله المهني والاجتماعي؟ وعندما يتم تمويه الدعم العمومي واشتغال بعض المنتجين مع المخرجين والممثلين بنصف المبلغ المنصوص عليه قانونياً، أليس هذا فشلاً بنيوياً في الشفافية وتدبير المال العام؟ وعندما يدفع المنتج أو المخرج نحو مقالات نقدية وصحفية تطبيلية بدل تقبّل النقد البنّاء ومناقشته، أليس هذا فشلاً في الوعي المهني والأخلاقي؟ وعندما تنتقل المنظومة السينمائية والدرامية من منافسة شريفة في إنتاج أعمال فنية ذات جودة عالية إلى منافسة غير شريفة تقوم على استعراض العلاقات المبنية على المصالح، أليس هذا فشلاً في جوهر الصناعة نفسها؟ وعندما تتحول جوائز المهرجانات إلى نتائج محسومة بالوساطة وتوازنات العلاقات بدل الاستحقاق الفني، أليس هذا فشلاً في مصداقية التقييم الثقافي والفني؟
#الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي | موقع الناقد الجديد | شخصنة النقد الفني البنّاء: أسلوب رواد الأعمال الدرامية والسينمائية الفاشلة بالمغرب











Leave a Reply