عبدالرحيم الشافعي
يكشف الواقع الثقافي المغربي المعاصر عن تناقض صارخ بين حيوية السينما وجمود بنية تقييم الدراما التلفزيونية، إذ يتجاوز عدد المهرجانات السينمائية التي تنظم سنوياً في المغرب تسعين مهرجاناً، من المهرجانات الدولية الكبرى مثل مراكش وطنجة، إلى المهرجانات المحلية المتخصصة في مختلف المدن، في حين يواجه قطاع الدراما التلفزيونية الذي يشهد تكاثراً هائلاً في الإنتاجات المعاصرة (مسلسلات رمضانية، ويب سيري، أعمال يومية) مهرجاناً رئيسياً واحداً فقط هو مهرجان مكناس، إلى جانب بعض المبادرات الخاصة المحدودة مثل “سفيركم” و”ليلة نجود السينما والتلفزيون” وجوائز الدراما الرمضانية لبعض القنوات. يطرح هذا التباين إشكالية جوهرية عميقة: هل يكفي هذا العدد المحدود من المنصات التقييمية لمواكبة الزخم الإنتاجي الهائل الذي تعيشه الدراما المغربية اليوم؟
ويتطلب تكاثر الإنتاجات الدرامية سنوياً وجود فضاءات تقييمية متعددة ومستقلة قادرة على احتضان التنوع الإبداعي واكتشاف المواهب وتطوير النصوص، إذ يعمق الاعتماد على مهرجان واحد وبعض المبادرات المتفرقة أزمة التقييم غير النزيه والإنصاف المفقود للمجتهدين الحقيقيين. ويفرض هذا الواقع سؤالاً ملحاً حول قدرة الدراما المغربية على الارتقاء إلى مستوى السينما المغربية إذا ظلت محرومة من مهرجانات مستقلة متعددة بعيدة تماماً عن التأثيرات الإعلامية والمهنية. وسيصبح بالتالي بناء مهرجانات درامية مستقلة ضرورة ثقافية ملحة للخروج من دائرة النجاح التجاري الموسمي نحو إبداع درامي حقيقي ينصف المجتهدين.
ويتطلب استقلال المهرجانات الدرامية أن تتشكل لجان تحكيمها وإدارتها من شخصيات محايدة تماماً لا تملك أي صلة مهنية سابقة أو حالية بالإعلام أو السينما أو التلفزيون، حتى يصبح التقييم فنياً خالصاً بعيداً عن كل أشكال التأثير. لماذا؟ لأن هذا الاستقلال يضمن أن يحصل المبدعون المجتهدون على فرصة حقيقية للتقدير بناءً على جودة أعمالهم لا على علاقاتهم داخل الوسط، إذ يقطع هذا النموذج جذور الواسطة والمحسوبية التي غالباً ما تتحكم في الجوائز التقليدية ويحمي المهرجان من أن يتحول إلى ساحة للمصالح المتبادلة بين المنتجين والنجوم.
ويعزز هذا النهج ثقة المبدعين والجمهور في مصداقية الجوائز، ويحول المهرجان إلى فضاء نقدي بناء يساهم في تطوير الدراما المغربية على المدى البعيد، كما يمنع أي ضغوط غير مرئية أو ولاءات شخصية من التسلل إلى عملية التحكيم ويجعل المنافسة نزيهة وشفافة. ويصبح بذلك المهرجان أداة حقيقية للإنصاف وليس احتفالية موسمية تكرس النجومية التقليدية.
ويجب أن يأتي مدير المهرجان الدرامي المستقل من خارج دائرة الإعلام والتلفزيون والسينما تماماً، حتى يمتلك حرية كاملة في اتخاذ القرارات الفنية دون أي خوف من ردود الفعل المهنية. كما يستطيع هذا المدير أن يركز على العمق الإبداعي والابتكار السردي بدلاً من النجاح التجاري السريع، في حين يبني برمجة المهرجان برؤية ثقافية محايدة خالصة تعكس احتراماً حقيقياً للإبداع، ويحمي المهرجان من التحول إلى أداة دعائية لقنوات أو شركات إنتاج معينة، ويضمن أن تكون اللجان محصنة ضد كل أشكال الضغوط الخفية والمصالح الشخصية، ويفتح آفاقاً جديدة أمام المواهب الناشئة التي تعاني من الإقصاء في المهرجانات التقليدية.
ويحمي استقلال لجان التحكيم نزاهة التقييم بشكل كامل عندما يتم استبعاد أي فرد له ارتباط ولو بعيد بالوسط الإعلامي أو الإنتاج التلفزيوني، كما يستطيع الناقد أو الأكاديمي المستقل أن يقدم حكماً موضوعياً يعتمد فقط على القيمة الفنية والسردية للعمل، كي يتلاشى خطر المحاباة والمحسوبية تماماً أمام هذا الاستقلال الصارم. ويكرم الأعمال المبتكرة التي قد لا تحقق شعبية تجارية فورية ويعطيها الفرصة التي تستحقها، وبالتالي يعيد الثقة للجمهور والمبدعين في قيمة الجوائز ويجعلها اعترافاً حقيقياً بالجهد الإبداعي.
ويُشترط في مديري المهرجانات الدرامية المستقلة أن يكونوا بعيدين كل البعد عن عالم السينما والإعلام والتلفزيون حتى لا تتأثر قراراتهم بأي ولاءات سابقة أو حسابات شخصية، بينما يستطيع هؤلاء المديرون أن يبنوا برمجة متوازنة تعتمد على معايير فنية صارمة وموضوعية، ويمنعون تحول المهرجان إلى ساحة لتصفية الحسابات بين المنتجين والنجوم، ويعطون المجتهدين من الكتاب والمخرجين والممثلين فرصة حقيقية للتقدير، بينما يضمنون أن تكون المنافسة نزيهة وشفافة بعيداً عن الكليكات المهنية، وبناء جيل جديد من المبدعين غير الخاضعين للعلاقات المتبادلة.
ويتجنب هذا النموذج المستقل من المهرجانات ظاهرة الجوائز المبنية على الواسطة التي أساءت كثيراً إلى مصداقية الدراما المغربية، ليحمي المهرجان من التحيزات غير المعلنة عندما تكون اللجان خالية من أي شخص يعمل في الإنتاج أو الإعلام، ويقيم الأعمال بناءً على معايير فنية صارمة وموضوعية فقط، ليكتشف مواهب جديدة خارج الدائرة المغلقة للنجوم التقليديين، ويعيد الثقة للمبدعين في قيمة الجوائز ويشجعهم على تقديم أفضل ما لديهم، ويحول المهرجانات إلى محرك حقيقي للتطوير الإبداعي. ويُبنى المهرجان الدرامي المستقل على أساس أن تكون لجانه ومدراؤه خالية تماماً من أي ارتباط بالسينما أو الإعلام أو التلفزيون، حتى تكون الرؤية خالصة وغير مشوبة بأي حسابات شخصية. ليضمن هذا البناء أن تحصل الأعمال الجريئة والمبتكرة على فرصتها العادلة، ويحوله إلى فضاء نقدي بناء يساهم في رفع مستوى الصناعة ككل، ويختفي معه تماماً مفهوم الجوائز المبنية على المصالح المتبادلة، كما يعكس احتراماً حقيقياً للإبداع وللمبدعين المجتهدين، ويصبح قوة دافعة للنهضة الدرامية المغربية.
ويُعد استقلال المهرجانات الدرامية في لجانها ومدرائها بعيداً عن أي علاقة بالإعلام أو السينما أو التلفزيون الضمان الوحيد لإنهاء عصر الواسطة والمحسوبية في تقييم الأعمال الدرامية. ويستحق المبدعون الحقيقيون أن تُمنح جوائزهم بناءً على الجهد والابتكار لا على العلاقات الشخصية، ليصبح التقييم نزيهاً وموضوعياً عندما تكون اللجان خالية من أي تأثير مهني، ويفتح آفاقاً جديدة أمام الإنتاجات الجريئة التي تحتاج إلى دعم حقيقي، ويحقق العدالة الثقافية التي تفتقر إليها الدراما المغربية حالياً.
#عبدالرحيم #الشافعي #الناقد #الجديد #الدراما #المغربية في حاجة #إلى #مهرجانات #مستقلة #تنصف #المجتهدين #عوض #المتملقين











Leave a Reply