عبدالرحيم الشافعي
يتقاطع علم الأعصاب مع فن السينما ليكشف كيف تشكل الأفلام نشاط الدماغ بشكل مباشر وعميق، وهذا التقاطع يمثل ثورة معرفية تجمع بين تقنيات تصوير الدماغ وبين نظريات السينما التقليدية، إذ تظهر الدراسات الحديثة أن الأفلام لا تسلي كما يشاع، و إنما تسيطر على الاستجابات العصبية المشتركة عبر المشاهدين، وهذا يثير تساؤلات نقدية حول ما إذا كانت هذه السيطرة تثري التجربة الإنسانية أم تحول السينما إلى أداة للتلاعب العاطفي والمعرفي، ومن الواضح أن تقنيات التحرير والإضاءة والصوت تفعل مناطق محددة في الدماغ كالمناطق البصرية والتنفيذية والعاطفية.
يكشف تحليل التزامن العصبي بين المشاهدين المختلفين سيطرة الأفلام على أنماط النشاط الدماغي المشتركة بطريقة دقيقة وفعالة جدا كما أثبتت دراسة يوري هاسون الشهيرة عام 2008 في مجلة بروجيكسيون بعنوان علم الأعصاب السينمائي، حينما يحدث هذا التزامن في المشاهد الشديدة التوتر، حينما يتفاعل الدماغ لدى الجميع بنفس الطريقة تقريبا، كما تثبت الدراسات الحديثة أن الأفلام التي تعتمد على تغييرات سريعة في الصور ترفع مستوى هذا التزامن في مناطق الذاكرة والانتباه، من أجل الشعور بالاندماج الكامل مع القصة، ويبرهن هذا الاكتشاف على قدرة السينما الفريدة في التحكم بالحالات العقلية للجمهور بشكل يفوق أي فن آخر.
وتبرز أفلام ألفريد هيتشكوك مثالا حيا، حينما يتزامن الخوف و القهر لدى كل المشاهدين في اللحظة نفسها ،كما أظهرت تجارب هاسون، بينما حذر النقاد من أن هذه القدرة تتحول إلى وسيلة للتأثير السياسي و التجاري إذا لم تخضع لضوابط أخلاقية صارمة، ويطرح هذا الجانب تساؤلا جوهريا
هل تثري هذه السيطرة العصبية التجربة السينمائية أم تقلل من حرية التأويل الشخصي لكل مشاهد؟
يبين نظام المرايا العصبية في الدماغ تحفيز السينما للتعاطف الجسدي من خلال محاكاة الأفعال والتعبيرات الإنسانية على الشاشة، كما أكدت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي في السنوات الأخيرة، إذ ينشط التركيز على الوجوه والحركات الدقيقة مناطق خاصة تسمح للمشاهد بأن يشعر بما تشعر به الشخصيات كأنه يعيشه فعل، وتؤكد الدراسات الحديثة أن التعرض المنتظم لهذه المحاكاة يحفز عصب التعاطف في الحياة اليومية خارج قاعات السينما، كما يثبت هذا التأثير في أفلام تعتمد على علاقات بشرية معقدة حينما يعيش المشاهد التوتر والفرح والألم مع الشخصيات.
ويحلل هذا النهج ايضا تقنية القطع بين اللقطات كآلية عصبية أساسية لتقسيم السرد ومساعدة الدماغ على ترميز الذاكرة وفهم التسلسل الزمني، كما أظهرت أبحاث يوري هاسون وفريقه في دراسات الارتباط بين الأفراد، إذ يسجل الدماغ تغيرات كهربائية واضحة أثناء هذه القطوع، ويساعد في بناء معنى متكامل من الصور المتتالية، بينما يثبت هذا في الأعمال التي تعتمد على تغييرات مفاجئة، حينما يعالج الدماغ كل انتقال كمحور مهم في القصة، وتبرهن النتائج العلمية على أن القطع هو أساسا عملية دماغية قوية تساهم في تشكيل الوعي بالزمن والأحداث، فعلى سبيل المثال يعد فيلم” أنسيبسيون” لكريستوفر نولان مثالا معقدا على استخدام القطع السريع لخلق ارتباك ذهني مقصود يعزز التأثير العصبي.
ويدرس علم الاعصاب كثافة التحرير وسرعته تأثيرهما المباشر على إدراك الزمن الذاتي لدى المشاهدين من خلال مناطق متخصصة في الدماغ كما أثبتت دراسات هاسون عام 2008 حول السيطرة العصبية في الأفلام، ويعدل التحرير البطيء الشعور بالتمدد الزمني بينما يجعل السريع الزمن يبدو أقصر وأكثر كثافة، في حين تثبت الدراسات أن هذه التغييرات تؤثر فعليا على كيفية تقدير المشاهد لمدة الأحداث داخل الفيلم، حينما يقارن الباحثون بين اللقطات الطويلة الهادئة والتحرير السريع في أفلام الإثارة ليظهروا الفرق العصبي الواضح.
ويثبت توظيف علم الأعصاب رسم خرائط شاملة لنشاط الشبكات الدماغية أثناء مشاهدة الأفلام، حينما ينتقل الدماغ بين حالات مختلفة حسب تعقيد، إذ يفعل المشاهد البسيط مناطق التعرف على الأشياء والوجوه بينما يحفز المعقد المناطق المسؤولة عن التخطيط والعواطف، كما تبين الصور الدماغية تحولا ديناميكيا واضحا في تجربة العقل والسينما كتجربة حية متعددة المستويات، حينها تبرهن النتائج على أن الدماغ يتعامل مع الفيلم كواقع بديل يحاكي الحياة اليومية بكفاءة عالية.
ويناقش هذا التخصص تأثير الألوان والإضاءة مع التحرير على الاستجابات العاطفية الدقيقة داخل الدماغ كما أظهرت دراسات التصوير العصبي الحديثة المبنية على أسس هاسون، إذ ينشط الإضاءة الخافتة أو الملونة بطريقة معينة مناطق مسؤولة عن معالجة العواطف المختلفة، إذ تثبت الصور الدماغية تفاعلا واضحا في مناطق الوعي العاطفي أثناء المشاهد المصممة بهذه الطريقة، بينما يقيم النقد الجوانب الأخلاقية لهذا التقاطع بين علم الأعصاب والسينما كمجال يحمل فرصا كبيرة ومخاطر جدية في الوقت نفسه كما ناقشت دراسات هاسون والبحوث الحديثة حتى عام 2025، إذ تثبت هذه الدراسات إمكانية الاستفادة منها في علاج بعض الاضطرابات النفسية والعصبية لذا المتلقي وكل وراود السينما والفنون الدرامية.
#عبدالرحيم_الشافعي_الناقد_الجديد_السيطرة_العصبية_في_السينما











Leave a Reply