احتضن المعهد الوطني العالي للموسيقى والفن الكوريغرافي بالرباط، يوم الثلاثاء 31 مارس 2026، حفل توقيع الإصدار الجديد للدكتور عزيز إفزارن الموسوم بـ “الخطايا العشر للتفكير اللاعقلاني”، وذلك في سياق استمراره في ترسيخ تقاليده الأكاديمية والعلمية من خلال تنظيم لقاءات فكرية وندوات علمية تسهم في إغناء النقاش الثقافي وتعزيز الوعي النقدي. وشكّل هذا اللقاء لحظة متميزة تلاقت فيها المعرفة العلمية مع الحس الفني، بحضور نخبة من الأساتذة الباحثين والمفكرين والطلبة، في أجواء اتسمت بالحوار والتفاعل.
ويُعدّ الدكتور عزيز إفزارن واحدًا من الأسماء العلمية المتميزة التي تجمع بين حقول معرفية متعددة؛ فهو أستاذ باحث في الرياضيات والموسيقى بالمعهد الوطني العالي للموسيقى والفن الكوريغرافي، حاصل على دكتوراه في الرياضيات وشهادة دراسات عليا في هندسة الإعلاميات، وقد نشر عددًا من الأبحاث العلمية في مجلات متخصصة تناولت مجالات الرياضيات والموسيقى والتفكير النقدي. ولم يقتصر عطاؤه على المجال الأكاديمي فحسب، بل امتد إلى المجال الفني بوصفه كاتبًا وملحنًا، حيث تضم مسيرته أعمالًا موسيقية محفوظة ضمن الأرشيف الإذاعي للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية، إضافة إلى اشتغاله على إعداد برامج علمية وثقافية على منصة يوتيوب، من أبرزها سلسلة “قصة الموسيقى والرياضيات”، فضلًا عن تأطيره لورشات في التفكير النقدي. ويأتي هذا الإصدار باعتباره الكتاب الرابع ضمن مساره التأليفي.
ويقدّم كتاب “الخطايا العشر للتفكير اللاعقلاني” رؤية تطبيقية ومنهجية تهدف إلى تمكين القارئ من أدوات الكشف عن المغالطات المنطقية وتحفيز ملكة التفكير النقدي، حيث يعرض عشر مغالطات كبرى تتفرع عنها أنماط متعددة من الأخطاء في التفكير. وقد حرص المؤلف على توجيه هذا العمل إلى عموم القراء، بعيدًا عن النخبوية، مع اعتماد أسلوب مبسط لا يفقد العمق العلمي، مدعّم بأمثلة واقعية وحكايات توضيحية ورسوم كاريكاتورية تضفي على الموضوع بعدًا تواصليًا يخفف من جفاف الطرح المنطقي. وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء مترابطة: تمهيد يُعرّف بمفاهيم أساسية مثل الادعاء والحجة والمغالطة، ثم جزء رئيس يعرض المغالطات العشر الكبرى وما يتفرع عنها، وأخيرًا ملحق يضم أكثر من مائة مغالطة مرفقة بأمثلة تطبيقية، بما يجعل الكتاب زادًا عمليًا للقارئ في مساره نحو التفكير الرشيد.
ويُعرّف المؤلف المغالطة، في معناها الواسع، بأنها كل حجة خاطئة، موضحًا أن خطورتها تكمن في كونها تبدو ظاهريًا حججًا سليمة، مما يجعلها خادعة وقابلة للانتشار. ويؤكد أن المغالطات ليست أقوالًا منفردة، بل أنماطًا متكررة من الأخطاء في التفكير والاستدلال، شبيهة بأخطاء النحو التي لا تتعلق بجملة واحدة، بل بطريقة تركيب تتكرر كلما استُعملت. ومن هذا المنطلق، يبرز أن هذه المغالطات تحيط بالإنسان من كل جانب، إذ تتسلل من عناوين الأخبار والإعلانات التجارية، وتترسخ في المعتقدات الشعبية، وتحضر بقوة في النقاشات القانونية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية، لتؤثر في قرارات الإنسان اليومية، من أبسط الاختيارات إلى أعقدها.
ويؤكد الدكتور عزيز إفزارن أن كتابه لا يهدف إلى إراحة القارئ أو تقديم أجوبة جاهزة، بل يسعى إلى استفزاز عقله وتحفيزه على إعادة النظر في أفكاره، بل وربما تقليصها وتنقيتها من الشوائب والأوهام. ويشير إلى أن القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في تمكين القارئ من امتلاك أفكار أقل عددًا، لكنها أكثر وضوحًا وصلابة، وهو ما يعكس روح التفكير النقدي القائم على الفحص والتمحيص.
ويسّر الأستاذ محسن الخنوس، أستاذ محاضر بالمعهد، أطوار هذا اللقاء من خلال كلمة افتتاحية رحّب فيها بالحضور وقدم توطئة عامة حول الكتاب، قبل أن يمنح الكلمة للأستاذ علي علاوي، الذي استهل مداخلته بالتأكيد على صعوبة تصنيف هذا العمل، متسائلًا عما إذا كان ينتمي إلى مجال المنطق أم البلاغة أم الفن، ليخلص إلى أنه يجمع بين هذه الحقول جميعًا. واستحضر في هذا السياق قول الفارابي بأن المنطق “رئيس العلوم”، معتبرًا أن الكتاب يتجاوز التصنيفات التقليدية ليؤسس لمنطق التفكير الناقد، أو ما يُعرف بمنطق الحجاج والتناظر.
ويوضح الأستاذ علي علاوي أن هذا الكتاب يسهم في تصحيح الفهم السائد للمنطق، الذي غالبًا ما يُحصر في المنطق اليوناني أو المنطق الصوري والرمزي، حيث يثبت المؤلف وجود منطق آخر يهتم بتصحيح التفكير اللاعقلاني من خلال الكشف عن العيوب البنيوية في الحجة، والتي تجعل النتيجة لا تتبع مقدماتها، حتى وإن بدت هذه الأخيرة صحيحة. وينقل عن المؤلف قوله إن المغالطات تشبه أخطاء النحو، فهي ليست جملًا خاطئة في ذاتها، بل طرقًا خاطئة في التركيب تتكرر باستمرار، ما يجعلها بنى ذهنية معيبة تستمر في الظهور كلما أُعيد استخدامها.
ويبرز الأستاذ علي علاوي كذلك أن المغالطات المنطقية ليست ظاهرة عرضية، بل هي حالة محايثة للوجود الإنساني، تحيط بالفرد من كل جانب، وتتسلل إلى وعيه دون أن يشعر، وهو ما عبّر عنه المؤلف بتشبيه موسيقي مفاده أن المغالطات لا تعزف على مقام معين، بل على “مقام المحايثة”، في إشارة إلى حضورها الدائم والمستمر، الأمر الذي يمنح الكتاب مشروعيته العلمية والمعرفية والوجودية.
ويطرح الأستاذ عبد الإله لحرش قراءة مفاهيمية للكتاب، معتبرًا أنه يضع القارئ أمام اختبار حقيقي بدل الاكتفاء بتقديم المعرفة، حيث ينبه إلى أن عنوان الكتاب يحمل دلالة عميقة، إذ ينقل مفهوم “الخطايا” من المجال الأخلاقي والديني إلى مجال التفكير، بما يعني أن الخطأ في التفكير ليس مجرد نقص معرفي، بل انحراف ينبغي الحذر منه. ويستحضر في هذا السياق أفكار الفيلسوف كانط حول الأنوار، خاصة دعوته إلى “تجرأ على المعرفة”، باعتبارها انتقالًا من حالة القصور إلى حالة النضج.
ويؤكد الأستاذ لحرش أن الكتاب، رغم بساطته الظاهرة، يمثل مشروعًا إبستمولوجيًا متكاملًا يُعلّم القارئ كيف يفكر لا ماذا يفكر، مستدعيًا أطروحة غاستون باشلار التي ترى أن الرأي يشكل عائقًا إبستمولوجيًا يجب تجاوزه. ويرى أن الكتاب يقوم بعملية هدم للرأي الساذج وإعادة بنائه في شكل معرفة نقدية، كما يعرض المغالطات باعتبارها أنماطًا يومية من التفكير نعيش داخلها باستمرار.
ويشبّه الأستاذ لحرش الكتاب بمحقق فكري يسعى إلى تعقب اللاحقيقة وكشفها بدل البحث المباشر عن الحقيقة، مستحضرًا لوحة “حين ينام العقل تستيقظ الوحوش” للفنان غويا، في إشارة إلى خطورة غياب اليقظة العقلية. كما يشير إلى أن الكتاب يجمع بين التبسيط والعمق، رغم أن هذا التبسيط قد يؤدي أحيانًا إلى تقليل تعقيد بعض القضايا الفلسفية، ويتوقف عند التمييز بين الحجة والبرهان ليبرز أن الإقناع لا يعني بالضرورة الصحة.
ويشير الأستاذ إدريس البوشاري إلى أن الكتاب يتميز بأسلوبه المرح ولمسته الساخرة، حيث يُشرك القارئ في مغامرة فكرية تحفّزه على التساؤل وإعمال العقل، مؤكدًا أن المؤلف نجح في تقديم منهج متكامل قائم على طرح الأسئلة بدل الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة، وهو ما يعد شرطًا أساسيًا لاستدامة المعرفة ومواكبة الحياة. كما يبرز توظيف المؤلف لاقتباسات من مفكرين وفلاسفة وأدباء من عصور وثقافات مختلفة، مما يعكس كونية المعرفة وروح الاختلاف.
ويستعرض الأستاذ البوشاري المغالطات التي تناولها الكتاب، مثل التعميم المتسرع، والثنائية الزائفة، والشخصنة، والاحتكام إلى العامة أو السلطة أو العاطفة أو الجهل أو القوة والخوف، والانحياز التأكيدي، مؤكدًا أن هذه الأنماط تشكل جزءًا من التفكير اليومي، وأن التخلص منها يتطلب جهدًا مستمرًا يقوم على تنقية المعرفة بدل مجرد تراكمها، مستحضرًا سؤالًا جوهريًا: أليست رجاحة العقل خيرًا من وفرة النقل؟
ويختتم الأستاذ عادل القريب سلسلة المداخلات بالتركيز على أهداف الكتاب وبنيته واختبار صحته، موضحًا أن الغاية الأساسية منه تتمثل في تثوير الفكر النقدي لدى القارئ وتمكينه من تجنب المغالطات الشائعة التي قد تكون خطيرة في بعض الأحيان، كما يشير إلى أن المؤلف اعتمد لغة تجمع بين البساطة والصرامة العلمية، مع تنظيم منهجي واضح ينتقل من التحديد المفاهيمي إلى التطبيق العملي، وصولًا إلى توسيع دائرة النقاش في الملحق.
ويُضفي طلبة شعبة الموسيقى طابعًا فنيًا مميزًا على حفل التوقيع من خلال تقديم وصلات موسيقية نالت استحسان الحضور، قبل أن يُفتح المجال أمام الجمهور للتفاعل وطرح الأسئلة ومشاركة الأفكار، في أجواء حوارية عكست روح الانفتاح والتبادل التي يسعى المعهد إلى تكريسها في مختلف أنشطته العلمية والثقافية.
#المعهد_الوطني_للموسيقى #الرباط #عزيز_إفزارن #الخطايا_العشر_للتفكير_اللاعقلاني #التفكير_النقدي #المغالطات_المنطقية #الفكر_والفن #ندوات_فكرية #الثقافة_المغربية #الناقد_الجديد










Leave a Reply